العنوان المسلمون في أوكرانيا من القيصرية إلى الأحباش
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 100
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 19-يوليو-1994
الأحباش اخترقوا الإدارة الدينية للمسلمين في أوكرانيا ويسعون لنشر مذهبهم الهدام بين الجميع
تعتبر جمهورية أوكرانيا واحدة من الدول الأوروبية ذات الأهمية الاستراتيجية وتحتل أوكرانيا المركز الخامس بين الدول الأوروبية من حيث تعداد السكان، فقد بلغ عدد سكانها عام ۱۹۹۰ حوالي ٥١,٩ مليون نسمة، أما من حيث المساحة فهي كذلك تشابه فرنسا تقريبًا إذ تبلغ مساحتها حوالي ٦٠٣,٧ ألف كم مربع، وكذلك تشابه فرنسا من حيث الإمكانيات الزراعية والموارد المعدنية وغيرها من الثروات وتحتل أوكرانيا موقعًا استراتيجيًا مهمًا فهي على اليابسة تجاور كل من روسيا وروسيا البيضاء وملدوفا وبولندا ورومانيا، أما على البحر فهي تجاور تركيا واليونان ويوغسلافيا السابقة.
ويوجد في أوكرانيا العديد من القوميات والمجموعات العرقية المختلفة، كما يوجد فيها العديد من الديانات إلا أن أكثر الديانات انتشارًا هي المسيحية ويليها الإسلامية ثم تأتي بعد ذلك بقية الديانات الموجودة.
ويمثل المسلمون هنا حوالي ٣٪ من السكان حسب الإحصائيات الحكومية، ويعتبر الإسلام من أقدم الديانات المنتشرة في أوكرانيا بل لقد ذهب بعض المؤرخين إلى القول أن أوكرانيا عرفت الإسلام قبل أن تعرف المسيحية، ومهما يكن فإن ما يهمنا هو أن يعرف الناس جيدًا أن الإسلام ذو وجود تاريخي في أوكرانيا وأنه لا ينبغي تجاهل هذه الحقيقة والتعامل مع الإسلام كديانة دخيلة.
والمسلمون في أوكرانيا هم من قوميات متعددة فهناك التتار وهم أكثر القوميات تعددًا وأقدمهم سكنًا هنا ويأتي بعد ذلك باقي القوميات من أوزيك وطاجيك وأذربيجانيين وداغستانيين وغيره.
سطور من تاريخ معاناة المسلمين
إن تاريخ المسلمين في أوكرانيا كغيره من تاريخ المسلمين في مختلف أنحاء العالم كله آلام وأحزان وجراح فلقد تقاذف المسلمين هنا العديد من التيارات المعادية وكان كل منها يحاول طمس الهوية الإسلامية التي كانت في معظم الأوقات هي الدافع الرئيسي والمحرك المركزي لحركات التحرر ومحاولات الاستقلال.
ففي عهد القيصرية الروسية – مثلًا - قاسي المسلمون أشد الوان العذاب وأي نكاية أكبر من هدم المساجد وتحويلها إلى كنائس (۱) والقضاء على كل الموارد الاقتصادية وتحويل الشباب المسلم إلى جند يساق كالأنعام ويقاتل في صفوف الجيش القيصري بالقوة تاركين وراهم أهليهم وممتلكاتهم، ثم جاءت بعد ذلك الشيوعية الحاقدة الماكرة فعمدت إلى إكمال المخطط القيصري بالقضاء على الإسلام وتحويل المسلمين إلى أقلية لا تذكر ولا يحسب لها حساب، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في عام ١٩٤٤م أصدر المجرم والطاغية ستالين مرسومًا اتهم فيه مسلمي القرم بالخيانة والتعامل مع الألمان وحكم عليهم بالتهجير، فكان تهجيرهم إلى أوزبكستان نكاية بهم وتعتبر هذه العملية بحق واحدة من جرائم القرن العشرين (۲) التي أغلق العالم أجمع عينيه عنها، كيف لا وشعب ينتزع من أرضه وداره ويهجر قسرًا إلى بلد آخر دون أن يسمح له باصطحاب أي شيء معه وتغلق عليه أبواب القطارات المعدة أصلًا لحمل الحيوانات تغلق هذه الأبواب من الخارج ولا يعطى لهم أي شيء يأكلونه خلال رحلتهم الطويلة المضنية والتي استمرت حوالي أسبوعًا أو أكثر من ذلك، فكانت النتيجة أن مات أكثر من نصف ذلك الشعب التتاري المسلم جوعًا وعطشًا وحرًا، ولم تكتف الشيوعية بذلك بل قامت بمنح امتيازات مغرية جدًا لكل روسي أو أوكراني يأتي ليسكن في القرى فسلمتهم منازل المسلمين وممتلكاتهم مجانًا وأعطتهم أموالًا طائلة لكي يصلحوا أماكن سكنهم الجديدة.
وبالمقابل لم تمنح المسلمين المهجرين أي شيء فكانت النتيجة أن أصبح الروس والأوكران مواطنين صالحين من مواطني القرم، بينما ظل المسلمون غرباء في أوزبكستان لا يملكون أي شيء ولقد ظن الناس أن الحال انتهى على ما هو عليه وأن القرم خرج من الحظيرة الإسلامية ولقد خرج بالفعل، لكن هذا لم يكف الشيوعيون فجاء خورتشوف فسلم القرم هدية مجانية لأوكرانيا (٣) ليزرع بذلك بذور فتنة كبيرة يكون من شأنها أن تقضي على البقية الباقية من المسلمين وعلى في القرم في حالة إذا الأجيال القادمة ما انهارت الشيوعية وتفجرت المشاكل العرقية والحدودية وهذا ما حدث بالفعل.
انهيار الاتحاد السوفيتي وبداية مأساة جديدة
لقد صاحب انهيار الاتحاد السوفيتي ميلاد عهد جديد للأفكار القومية والرجوع إلى العادات والتقاليد القديمة وبروز نجم الديانات وأصبح الشعار القومي هو الذي يربط علاقات الناس بعضهم البعض، كما فتحت الأبواب على مصراعيها لدعاة القومية ولدعاة الديانات المختلفة بما فيها الإسلام، فكانت هذه الأحداث إيذانًا بميلاد عصر جديد من المآسي والأحزان على المسلمين بالذات دون غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ففي أوزبكستان أصبح مسلمو القرم عبارة عن تتار غرباء لا يملكون أي شيء أمام عصر كل ما فيه قوميات وملكيات خاصة فكان لابد لهم من العودة إلى ديارهم التي تركوها قسرًا وإجبارًا، لكن الديار ما عادت ديارهم والأهل ما أصبحوا أهاليهم إذا فإلى أين يعودون؟
لقد قرروا العودة إلى بلدهم الأصلي مهما كلفهم الثمن فعادوا تاركين وراهم كل شيء (٤) وبدأوا رحلة مضنية فليس لديهم مساكن وليس لديهم أرض وليس لديهم مال أضف إلى ذلك أن أوكرانيا اعتبرتهم غرباء ولم تعطهم أرضًا للبناء أو حتى موافقة على البناء فقط ماذا يفعلون؟ وكيف يتصرفون؟ فلم يجدوا أمامهم إلا اللجوء إلى خيار القوة من أجل البقاء فقاموا بالسطو على الأرض والبناء، ولم تتمكن الحكومة من عمل أي شيء لهم خاصة بعد تفجر مشكلة أسطول البحر الأسود مع روسيا.
أما المسلمون في باقي مدن أوكرانيا فقد وجدوا أنفسهم في مأساة من نوع آخر إنها مأساة مع أناس يدعون أنهم مسلمون وليس أي مسلمين إنهم دعاة الإسلام في أوكرانيا وحاملي لواء الحق والخير هؤلاء هم الأحباش، وما أدراك ما الأحباش؟؟
لقد بدأ توافد الأحباش إلى أوكرانيا بحضور أحد الأشخاص اللبنانيين يدعى أحمد تميم الذي قدم أصلًا للتجارة، وكان يعمل في شركة أمريكية لبيع أجهزة الكمبيوتر، ثم بدأ تحركاته في وسط التتار بالذات وبدأ يجمعهم حوله ويغريهم بأنه سوف يجعل منهم رجال أعمال وأنه سوف يفتح لهم المطاعم ويعطيهم رؤوس الأموال وبالإضافة إلى ذلك فسوف يقوم بتدريسهم دينهم الإسلامي واللغة العربية خاصة بعد أن أوهمهم أنه شيخ وأنه يملك شهادة جامعية في العلوم الإسلامية. وذهب إلى داغستان و وإلى أوفا «عاصمة بشكيرستان» وحصل من مفتيها على موافقة وتزكية بأنه ينفع لتدريس الإسلام وعلى هذه الأسس بدأ تعامل المسلمين معه.
وبدأ التتار يجمعون أنفسهم ويجمعون المسلمين من القوميات الأخرى حول أحمد تميم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وما كانوا يعلمون أن أحمد تميم يستغلهم من أجل الوصول إلى مناصب كبيرة وأنه سوف يتخلص منهم بمجرد وصوله إلى السلطة المهم بدأوا يتعاملون مع الرجل الذي كان يسعى بكل ما لديه من قوة ويعمل على ألا يتعرفوا على أحد من المسلمين الأجانب من الطلاب الذين يدرسون في أوكرانيا والذين كان يعلم مسبقًا اختلافهم العقائدي معه. ولكن مشيئة الله شاءت إلا أن يتعرف هؤلاء الشباب عليه وعلى المسلمين وأن يلتقوا معه ومن أول لقاء بينهم أظهر الرجل تجاوبّا كبيرًا وحبًا للعمل والتوحيد الصفوف وجمع الكلمة، وما إن جاء اللقاء الثاني حتى كشر الرجل عن أنيابه وبدأ يملي الشروط للتعامل معه وكان من هذه الشروط ما يلي:
- الإقرار بكفر سيد قطب وابن تيمية وغيرهما من علماء المسلمين.
- دراسة العقيدة على يديه لأن العقيدة لا تؤخذ إلا من صدور الرجال.
- أن يعطى حق المراقبة والإشراف على الأعمال الإسلامية التي يقوم بها الشباب في المدينة بما في ذلك حق إعداد أو مراجعة وإقرار خطبة الجمعة.
وباختصار طلب الرجل أن يكون هؤلاء الشباب مجرد دمى على رقعة شطرنج، وعندما لم يجبه هؤلاء الشباب إلى مطالبه بدأ بإعلان الحرب عليهم وكان في الحقيقة يعلنها على الإسلام وأهله في هذه البلاد إذ كان يعني هذا حرمان هؤلاء المسلمين مما كان يمكن أن يقدمه لهم هؤلاء الشباب من علم وخبرة، فبدأ بمحاولات فاشلة للدخول في صفوف هؤلاء الشباب وتفريق وحدتهم وتشتيت كلمتهم، وعندما لم يتمكن من ذلك ترك هؤلاء الشباب ظاهريًا بعد أن دس في صفوفهم العيون، وعاد يبنى موقعه ويثبت أقدامه في صفوف المسلمين من أهل البلاد، وبدأ في الارتقاء في سلم الألقاب فتدرج من مدرس إلى إمام وخطيب إلى أن وصل إلى قمة الهرم خالعًا على نفسه لقب مفتي أوكرانيا - وهو أجنبي -.. وهكذا أصبح أحمد تميم قانونيًا الرجل الأول في أوكرانيا خاصة بعد أن سجلت الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا وكان هو رئيسها عندها بدأ بعمليات الخلع والتخلص من كل الأشخاص الذين يرى فيهم منافسين له مثل الشخصيات التترية التي أوصلته إلى ما هو عليه أمثال وليف أمير حميد وفيتش، حنفية، أصخت وروفينا وغيرهم.
وبدأ يجمع حوله بعض قيادات الجاليات الإسلامية الأخرى والذين هم في الغالب ممن يجرون أساسًا وراء المادة ليس إلا.
لقطات من أعمال الأحباش الموجهة ضد الإسلام و المسلمين
- بدأ الأحباش بتدريس الإسلام للمسلمين بداية من تكفير العلماء جاعلين بذلك قضية التكفير أم القضايا الإسلامية متجاهلين بذلك أن هؤلاء المسلمين لا يعرفون الأركان الأساسية للإسلام وأصبحت تجد الواحد منهم يتكلم عن كفر ابن تيمية والمودودي وهو لا يعرف كيفية الوضوء والصلاة ناهيك عن تعاليم الإسلام الأخرى.
- يصدر الأحباش صحيفة اسمها «منارات» كل همها وصف المسلمين بالكفر والتطرف والإرهاب من جهة، ومن جهة أخرى تتبع كل الكتب التي يترجمها الشباب المسلم ويصدرها بالتعاون مع المنظمات والهيئات الإسلامية الموجودة على الساحة، ووصفها بأنها كتب تنضح بالكفر والإرهاب والتطرف مثل کتاب «مبادئ الإسلام» للمودودي.
- يعمل الأحباش على تفريق كلمة المسلمين وتغذية النزعة القومية بينهم عاملين «بمبدأ فرق تسد»، فبعد أن كان المسلمون كتلة واحدة صاروا عدة كتل تتار أوزيك داغستانيين إلخ بل وصل الأمر إلى حد التفرقة بين أبناء القومية الواحدة، فأصبح التتار – مثلًا – منقسمين على حالهم إلى عدة مراكز (٥).
- يسعى الأحباش ويعملون على إغلاق أماكن الصلاة التي يصلي فيها الطلاب الأجانب مستغلين بذلك موقعهم القانوني في الإدارة الدينية.
هذه هي مجرد لمحات من مآسي مسلمي أوكرانيا ومن جرائم الأحباش فيها وأنني لأضعها في عنق كل من يقرأ مقالتي هذه وأحمله المسئولية أمام الله سبحانه وتعالى – وأطلب منه أن يعمل بكل ما يستطيع من أجل تخليص مسلمي أوكرانيا من الأحباش وخطرهم... ألا هل بلغت اللهم فاشهد .
الهوامش
١- يذكر في هذا الصدد مثلًا أن واحدة من أهم كنائس كييف وهي كنيسة (فلادميرسكي سابور) كانت أصلًا مسجدًا.
٢- يعتبر بعض الكتاب أن ما حدث لمسلمي القرم يوازي إن لم يفق ما حدث لليهود في نفس الفترة تقريبًا، ومع ذلك يتعامل العالم مع الحادثتين تعاملين مختلفين.
٣- كانت هذه الحادثة عام ١٩٠٤م ويقول أحد الخبراء الأوكرانيين أن خروتشوف أهدى القرم لأوكرانيا بعد أن زاره فوجده عبارة عن خرابة فأراد أن تأخذ أوكرانيا على عاتقها أمر النهوض به.
٤- لم يستطع المسلمون النازحون من أوزبكستان والعائدون إلى القرم من اصطحاب ممتلكاتهم بسبب القوانين التي اتخذت هناك من رفع الأجور النقل وفرض ضرائب جمركية وغيرها.
٥- انقسم التتار إلى عدة مراكز كل منه يكيل العداء للآخر، وإن كانت الآن تجري محاولات جادة لتوحيد الصفوف نرجو أن تكلل بالنجاح.
علي محسن أحمد