; المسلمون في استقبال شهر الصوم والمغفرة | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في استقبال شهر الصوم والمغفرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1985

مشاهدات 63

نشر في العدد 718

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 21-مايو-1985

  • وعاد رمضان:
  • في دورة للزمن جديدة، يعود إلينا الشهر المبارك بكل روحانيته وإيحائه، وما تحمله أيامه من معان سامية، وذكريات عزيزة، وما تبثه لياليه من نفحات كريمة، وعواطف نبيلة.

     ولقد كان من حكمة الله -تعالى- صاحب الشرع الحكيم أن جعل للأمة محطات متنوعة، تقف عندها، للمراجعة والمحاسبة والاعتبار، وتجديد الهمة، وتنشيط الراحلة، وكان من أبرزها هذه المحطة المدرسة.

  • رمضان الصوم والقرآن:

     أما معانيه العامة، فقد أفاض فيها العلماء والفقهاء، واستخلصوا منها الدروس للفرد والمجتمع، ولكن معانيَ أخرى تطوف على ذوي البصيرة، فتفتح أمامهم مجالًا أرحب للعبرة والفكرة والاستبصار.

  • روحية الصوم:
  • ذلك أن الصوم، في شكله المادي، ليس إلا امتناعًا عن الحاجات الرئيسة للإنسان، وهذا قد يأتيه المسلم وغيره، ولكن هناك أشياء أخفى على الذهن المادي والنفس الثقيلة من أن يدركاها، فضلًا عن أن يأتياها، أقلها: أن هذا الصوم مرتبط بإطاعة الله فيما فرض، وبالانقياد إليه فيما أمر.

      وإن ذلك الاستسلام في الجزء بعض من الإسلام في الكل، وإن ما يأتيه المسلم في شؤونه كلها خاضع لتقدير الله العليم وتشريعه الحكيم.

     ولكن هذا المظهر المادي للصوم من جوع وعطش وحرمان من رغبة سلم إلى الترقي الروحي، والتسامي النفسي، بتربية الإرادة، وتقوية العزيمة؛ لينطلق المسلم من إسار الحاجة المادية إلى آفاق الحرية السامية؛ فيغدو سيد رغابه وميوله، لا أسير شهواته ورغائبه.

  • الواحدية:
  • فيتخلص من أهم قيد يربطه مع نفسه، ويشده إلى أنانيته، ذاك هو قيد الذات، الذي يوهم صاحبه بأنه محور الوجود، وقطب الحياة، فبالصوم الذي يجمعه مع إخوانه المسلمين في كل مكان يشعر أنه ذرة في كون، ونقطة في بحر، وعضو في جسد. 

     ما دام جميع الصائمين يلمهم هدف واحد، ويضمهم سبيل لا محيد عنه، فإذا طغى هذا الشعور بالواحدية، الذي نرده إلى معنى حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه).

     نقول إذا ساد هذا المفهوم لدى المسلمين، فإنهم سيتخلصون من أهم أمراضهم وأخطر أدوائهم، ألا وهو هذه الفردية القاتلة، التي أطاحت بهم شعوبًا ممزقة، ودولًا متفرقة، وأفرادًا ضائعين، والويل لأمة لا يشعر أفرادها بما يصيب بعضهم، ولا يتأثر مجموعها بمأساة الأفراد.

     ولكن رمضان، نفحة إلهية، تقوي هذه النزعة، بل توجدها عند من يفقدها، وإلا فما للصوم من معنى، ولا لرمضان من حكمة.

  • رمضان القرآن الكريم:
  • ولهذا المعنى النبيل ولغيره من المعاني التي قررها القرآن الكريم والسنة المطهرة، كان لرمضان هذه القيمة العظمى، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: «لو يعلم الناس ما في رمضان من الخير، لتمنت أمتي أن يدوم رمضان السنة كلها، ولو أذن الله للسموات والأرض أن تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة».

     وأي قيمة أعظم من أن يكون هذا الشهر المبارك، ظرفًا لنزول القرآن الكريم كتاب الله، ودستور الأمة، ومناط عزها، وموئل وحدتها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (البقرة: 185).

  • وشهر الجهاد:
  • بل أي فضل لشهر غيره جمع عبر التاريخ الإسلامي، في أيامه القصيرة كل هذا التراث من الجهاد والفتح والمرابطة، إذ يكفيه فخرًا أن تقع فيه غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، فأي معنى جليل، جمعه هذان الفتحان؟ وأي تكريم ناله شهر من الشهور في الأزمان؟ فبهذا أيضًا يكون لرمضان شكله الآخر، الذي يتجلى فيه معنى القوة العاقلة، والإرادة المؤمنة، والدفاع المشروع. 

     وتنتفي عنه صفات الخمول والكسل والبلادة، التي تولى كبرها، تلامذة المبشرين، وصنائع الماسونيين، وحلفاء المشوهين من أحفاد الممسوخين قردة وخنازير.

  • وأية دروس؟:
  • فإذا وقعت ثمة على هم وعزم، وجد وكد، وسعي ونشاط، وحب ومرحمة، وفهم ووعي، وجهاد ونصرة؛ فذاك هو الصوم الصحيح بمعانيه الكريمة، وإلا فهو الجوع والعطش، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».

     فحتى لا يقع بعض المسلمين فيما حذر منه الحديث الشريف؛ يجب على المفكرين والعلماء في الأمة العربية أن يبصروهم حقيقة الصوم ليستشعروها واقعًا يتحركون فيه، ومجالًا يسعون من خلاله، وعندها يكون للصوم فوائده المرجاة.

  • واليوم:
  • على عكس ما يأمل المسلم البصير، ويرجوه المخلص الواعي- ترى الأمة مشرقة مغربة، غنمًا بلا راع ، يرصدها الذئب، أيادي سبا طغى بها السيل، لا تدرك من الصوم إلا أنه النوم في النهار، والسهر في الليل مع ما لذ وطاب، أما قضايا المسلمين ومشكلاتهم، وحقوقهم وواجباتهم، فذلك ليس في الحسبان.

     فهل تسعدنا الأيام، بعودة حميدة، والتفاتة واعية، لحقيقة هذه المدرسة الربانية، لنأخذ منها العبرة الوافية، والدرس النافع؟ وهل يقيض الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، فيوصلها إلى بر الأمان؟

     ليس ذلك على الله بعزيز، وليس القنوط من صفات الإيمان، ومع رحمة الله -تعالى- يدرج الأمل بمستقبل كريم.

وكل عام وأنتم بخير أجمعين....

الرابط المختصر :