العنوان المسلمون في الانتخابات الأوكرانية وغياب الرؤية الواحدة
الكاتب فاروق عاشور
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2005
مشاهدات 42
نشر في العدد 1634
نشر في الصفحة 42
السبت 08-يناير-2005
● حرصوا على الإدلاء بأصواتهم لكن غياب الإطار السياسي الموحد أدى إلى تفرق المواقف من المرشحين
ملأت الانتخابات الأوكرانية الساحة العالمية صخبا لما أحدثته. من تفاعلات وآثار على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فقد ميزت الانتخابات أوكرانيا محليا إلى شرق وغرب، وإقليميا إلى معسكر روسي يقابله معسكر أوروبي، وعالميا إلى حرب باردة روسية أمريكية. ولكل إطار من هذه الأطر تفاعلاته حول الأزمة وانعكاساتها عليها، وقد قرأنا وشاهدنا عبر شاشات التلفزة الأوكرانية والعربية والعالمية الأخبار والبرامج والتحليلات السياسية حول هذه الأطر. ولكن الجانب الذي مازال خافيا عنا ولم نسمع عنه وهو أقرب إلينا هو موقف المسلمين في أوكرانيا خلال الانتخابات والآثار المترتبة عليهم بعد انتهاء موجتها.
إن المسلمين في أوكرانيا يصل عددهم إلى حوالي مليوني نسمة من قوميات وأعراق مختلفة. تتناغم وتتفاعل مع الساحة الأوكرانية على مستويات متفاوتة، ففي الوقت الذي نجد فيه الغالبية العظمى من تتار كازان مثلاً تندمج اندماجاً يصل إلى حد الذوبان في المجتمع الأوكراني، نجد النقيض في تتار القرم الذين يحاولون دائما المحافظة على معالم التمايز القومي والديني عن المجتمع الأوكراني العام، وعلى ذلك تتمايز بقية القوميات الإسلامية الموجودة على الساحة الأوكرانية، وللأسف يصعب الحديث عن جالية أو أقلية مسلمة موحدة في أوكرانيا تحمل برنامجاً مشتركاً على المستوى الديني والثقافي والاجتماعي، ناهيك عن المستوى السياسي الذي لم يدخل في حساباتها أصلاً، ولكن الانتخابات الأوكرانية الأخيرة أظهرت بعض النقاط المهمة على الساحة الإسلامية أهمها :
- غياب الإطار السياسي الموحد أو المظلة المشتركة بل غياب حتى الرؤية السياسية المتقاربة لدى المسلمين، وقد انعكس ذلك في المواقف التي تبنتها أكبر قوتين سياسيتين تمثلان شريحة كبيرة من مسلمي أوكرانيا، وهما مجلس تتار القرم وحزب مسلمي أوكرانيا، حيث تبنى المجلس دعم مرشح المعارضة فيكتور يوشينكو لتحقيق مصالح قومية وسياسية، في حين أعلن حزب مسلمي أوكرانيا دعمه لمرشح الحكومة فيكتور يانوكوفيتش، وقد يرجع ذلك إلى التوزيع الجغرافي وتبادل المصالح، حيث التواجد الأكبر للحزب في منطقة الدنباس التي تساند مرشح الحكومة فيكتور يانوكوفيتش. وقد أدى ذلك إلى غياب الصوت الإسلامي الموحد، حيث انقسمت أصوات المسلمين بين المرشحين بشكل متساوٍ تقريباً. أما على مستوى المسلمين كأفراد. فبغياب المظلة السياسية التي تدعو إلى توجيه الأصوات تفرقت أصوات المسلمين على
المرشحين كل حسب الرؤية السياسية الشخصية لديه.
- الدور الانتخابي للمسلمين الذين كانوا على اختلاف قومياتهم وجنسياتهم على درجة عالية من الاهتمام والشعور بالمسؤولية في موضوع الإدلاء بأصواتهم وتحري البحث عن مرشحهم الذي سيصوتون له خاصة المواطنين الأوكران ذوي الأصول العربية، مؤكدين حرصهم على المشاركة في الحياة العامة الأوكرانية. وهذا التفاعل أعطى اتحاد الرائد نوعاً من الاطمئنان فيما يطرحه من أفكار ومبادئ حول حقوق وواجبات المواطنة، وكان هناك شعور بتجاوز قضايا فكرية مثل جواز المشاركة أو حرمتها وغيرها .
- الرائد يلتزم بمبادئه - فقد أكد الرائد منذ تأسيسه أنه مؤسسة اجتماعية ثقافية تعمل على خدمة مسلمي أوكرانيا والارتقاء بهم، والتواصل مع طبقات المجتمع الأوكراني، كما كان الرائد
يؤكد دائماً أنه ليس حزباً سياسياً ولا يتدخل في الشؤون السياسية لأوكرانيا، وقد جاءت الانتخابات الرئاسية ليتمايز الجميع حسب المناهج السياسية وميولهم الحزبية، غير أن الرائد أكد من خلال تعامله مع مجلس تتار القرم أو حزب مسلمي أوكرانيا أو بعض المؤسسات الحكومية أو الحزبية التابعة لكلا المرشحين إصراره على عدم التدخل في مجريات الحملات الانتخابية، أو إلى توجيه أصوات الناخبين المسلمين لأحد المرشحين لا عبر منابره ولا عبر وسائله الإعلامية، ولا عبر علاقاته وشعبيته وسط الجالية المسلمة في أوكرانيا تاركاً الخيار للمؤسسات السياسية وللأفراد ملتزماً بذلك بمبادئه وسياساته التي كان ينادي بها دائماً ليطبق ما يقول على أرض الواقع.
- حرص مسلمي أوكرانيا على وحدة البلاد - وهذه ومضة أخرى في طريق اندماج المسلمين بمجتمعهم الأوكراني وشعورهم بالانتماء إليه، فقد أبدى مسلمو أوكرانيا أثناء الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد بعد الجولة الثانية من الانتخابات شعوراً عالياً بالمسؤولية والحرص على وحدة أوكرانيا بعيدا عن أي مصالح شخصية أو آراء سياسية، وقد كان الرائد سباقاً في هذا المجال حيث أصدر بيانين رسميين باللغة الروسية وبياناً باللغة العربية، تم توزيعهما على وسائل الإعلام المحلية والعربية، أكد فيهما الرائد حرصه على وحدة أوكرانيا ونبذ ما يؤدي إلى تجزئتها. كما أوضح أنه انطلاقاً من إيمانه بوحدة أوكرانيا ونبذ ما يؤدي إلى تجزئتها واستقلالها، وحرصاً منه على ترسيخ معاني الأمن والاستقرار فيها يتابع بقلق بالغ الأحداث ومستجداته اليومية حول الخلافات الدائرة، وقد أهاب الرائد في بياناته بالمسلمين والمحليين والجالية العربية والإسلامية أن ترفع أكف الضراعة إلى الخالق عز وجل بأن يحفظ وحدة أوكرانيا، وأن يوحد أبناءها على الخير، وأن تنتهي أزمتها بسلام ووئام.كما قام الرائد بدعوة خطباء المساجد والمصليات في أوكرانيا لتخصيص خطبة جمعة موحدة للحديث عن الانتماء إلى أوكرانيا والحرص على أمنها واستقرارها.والدعاء لأمن واستقرار أوكرانيا من خلال منبر الجمعة. كما شارك مفتي شبه جزيرة القرم في تظاهرة دينية شارك فيها ممثلو الطوائف الدينية في أوكرانيا على المنصة المقامة في ساحة الاستقلال في العاصمة كييف، أكد فيها حرص المسلمين وتمسكهم بأمن واستقرار أوكرانيا .- لعل من السلبيات المهمة التي عانت منها الأقلية المسلمة في أوكرانيا في تجربة الانتخابات الرئاسية عدم وجود برامج ومطالب خاصة للجالية كما الجاليات الأخرى، وقد يرجع السبب إلى عدم وجود مظلة سياسية تجمع المسلمين وتعمل على تحقيق طموحهم وآمالهم.كما أن من السلبيات التي عانى منها المسلمون قضية تغطية وسائل الإعلام العربية للحدث حيث إن أغلب وسائل الإعلام العربية كانت تركز على الجانب المتعلق بالمرشحين والدولة بشكل مباشر، ولم يكن هناك اهتمام بتقصي واقع المسلمين ومشاركتهم في الانتخابات، والذين يمثلون أكثر من 5% من سكان أوكرانيا.قد تطوى صفحة الانتخابات الرئاسية الأوكرانية بإيجابيتها وسلبياتها على الحكومة والشعب، ولكن هل يستفيد مسلمو أوكرانيا من هذه التجربة للارتقاء بواقعهم ورسم مستقبلهم؟ هذا ما سترسمه السنوات القادمة.