العنوان المسلمون في بلغاريا يطالبون الحكومة الشيوعية بحقوقهم
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1169
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
- وسائل الإعلام تسيء إلى مسيرة المسلمين وتشوه صورهم وتسخر منهم
- رئيس دائرة الأديان يجدد الصراع بين الحكومة والمسلمين
- تجاوز الصلاحيات ومخالفة الدستور
- صوفيا: يوسف عثمان - إسطنبول: محمد العباسي
يعاني مسلمو بلغاريا منذ فترة طويلة معاناة شديدة من جراء تعسف الحكم الشيوعي ضدهم والذي سيطر على مقاليد الأمور في البلاد، ويسعى جاهدًا لطمس معالم هويتهم الإسلامية، بل وتجاهل وجودهم كأقلية في داخل البلاد يبلغ تعدادها حوالي من 2 - 3 مليون نسمة، وهو الأمر الذي دفع ببعض الأسر البلغارية المسلمة ذات الأصول التركية إلى تهريب أطفالهم من ذلك الجحيم الذي يعيشون فيه إلى تركيا مقابل دفع آلاف الدولارات، في محاولة من جانب تلك الأسر إلى حماية صغارها وضمان مستقبلهم في بلاد لا يتعرضون فيها للاضطهاد بسبب هويتهم الإسلامية.
وفي ظل تلك الضغوطات السياسية والاقتصادية الضخمة يحاول المسلمون البلغار الحصول على حقوقهم كأقلية تشكل حوالي 25% من السكان، ومن هذا المنطق جاءت صرخة الاحتجاج التي دوت في صوفيا يوم 14 سبتمبر الماضي أمام البرلمان البلغاري، والتي طالب فيها المسلمون هناك الحكومة البلغارية بإعادة أسمائهم الإسلامية إليهم، وهويتهم الدينية والثقافية التي سلبت منهم، حيث توافد المسلمون إلى مكان تجمعهم استجابة لدعوة مجلس الشورى المنتخب من قبلهم بزعامة فكري صالح حسن الذي لا تعترف به الحكومة الاشتراكية الحالية، بهدف التعبير عن استيائهم لتدخل الحكومة السافر وغير الدستوري في شئونهم، وبصفة خاصة احتجاجًا على تصرف نائب رئيس الوزراء شيغاروف الذي أصدر قرارًا يقضي بقانونية المؤتمر الذي عقده نديم غيثيف -مفتي بلغاريا السابق- وتم فيه انتخاب بصري شريف مفتيًا عامًا للمسلمين هناك، وتشكيل مجلس للشورى بزعامة غيثيف، وكذلك المحكمة الشرعية، وهو ما يرفضه المسلمون هناك.
بالإضافة إلى مطالبتهم باستقالة ماتانوف - رئيس دائرة الأديان التابعة لرئاسة الوزراء الذي كان له اليد الطولى في تجديد الصراع بين المسلمين والحكومة وبعثه من جديد، وتعميق هوة الخلاف الذي فتح بابها شيغاروف.
وقد بدأت المسيرة الاحتجاجية بالدعاء والفاتحة منطلقة من المركز الثقافي باتجاه مقر رئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية في وسط المدينة، حيث رفع المتظاهرون علم بلغاريا ولافتات تحمل كثيرًا من الاحتجاجات والمطالب التي يريدون من الحكومة تنفيذها مثل الحكم بالعدل والمساواة بين الأديان، وعدم التدخل في شئون المسلمين ومشاكلهم، وإيقاف الحرب المستعرة في البوسنة، وإحلال السلام في البلقان، كما كانت هناك لافتات تطالب ماتانوف بالاستقالة.
وقطعت المسيرة مسافة كيلومتر تقريبًا سيرًا على الأقدام حتى وصلت إلى مقر الحزب الشيوعي القديم الذي يتوسط مبنى رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية في مواجهة مسجد «بويوك» الكبير الذي تحول إلى متحف للآثار بقرار من الحكومة الشيوعية السابقة، واتخذه المتظاهرون كمنصة لإلقاء كلمات الاحتجاج.
في البداية تحدث فكري حسن -المفتي العام المنتخب- شارحًا تفاصيل المعاناة التي يعانيها المسلمون في بلغاريا، والمشاكل التي تواجههم وملابساتها، ومخالفات الحكومة غير الدستورية وتجاوزاتها في حق المسلمين، مقدمًا الأدلة والشواهد على ما يقول.
ثم تلاه على خير الدين يوماك - المفتي السابق لمدينة لسمولن جنوب بلغاريا - والذي ركز في كلمته على سماحة الإسلام مع باقي الأديان ومعاني الإنسانية في معاملاته ضاربًا المثل بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، محذرًا من مغبة الاستمرار في شحن النفوس وإيغار الصدور، وإيقاد نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، اللذان يشكلان 98% من الشعب البلغاري، منبهًا في ذات الوقت إلى أن هذا التجمع الاحتجاجي ما هو إلا بداية للتحرك، موضحًا أنهم لن ينالوا جهدًا في استخدام كافة الوسائل السلمية والدستورية داخليًا وخارجيًا للحصول على حقوقهم كاملة ولتحقيق مطالبهم الشرعية والعادلة.
ثم تحدث بعد ذلك عدد من مفتي المناطق المختلفة في أنحاء بلغاريا، وفي ختام اللقاء قام المتظاهرون بتسليم رسائل تحمل احتجاجاتهم ومطالبهم لكل من رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية.
المسلمون البلغار يطالبون الحكومة بإعادة أسمائهم وهويتهم الإسلامية
وقد جاء رد فعل وسائل الإعلام البلغارية سيئًا في مجمله، فالصحف تناولت المسيرة باقتضاب بالغ وطرح متواضع، أدى إلى عدم وضوح الصورة لدى القارئ العادي، وجاء طرح الصحف الحزبية أكثر موضوعية من تلك التي تدعي الاستقلالية، والتي عمدت في ذكرها للقاء ما بين عرض صورة عن التجمع وأسفل منها تعليق ساخر ومقتضب، وبين شرح مفصل جاء في أغلبه ضد مصلحة المجتمعين، وركزت في الوقت نفسه على جملة القس جلمانوف- رئيس منظمة الرؤوس الحليقة عدو المسلمين اللدود- أثناء مروره من هناك والتي قال فيها: «هذه بداية حرب البوسنة».
أما التلفزيون البلغاري بقناتيه الأولى والثانية، فقد اكتفى بذكر الخبر وعرض صورة للمفتي فكري حسن وهو يجيب على مراسل التليفزيون بقوله: «لسنا كمًا مهملًا، فنحن أكثر من المليون، ولنا حقوقنا، ويجب أن يسمع صوتنا»، وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين في بلغاريا 2.5 مليون مسلم.
ورغم وجود الكثير من السلبيات التي شابت هذا اللقاء، إلا أنه كان هناك أيضا الكثير من الإيجابيات التي تحسب له ومنها:
أنه استطاع كسر الحاجز النفسي عند المسلمين، الذي تجددت لديهم المخاوف من عودة الشيوعية بسطوتها في ركاب الحكومة الاشتراكية الجديدة، وأبقى جذوة الحماس متقدة في نفوسهم ونفوس المعنيين والمؤيدين.
أن اللقاء كان محاولة جيدة وبداية موفقة لإسماع صوتهم للجميع في الداخل وفي الخارج أيضًا، وفتح باب الاحتمالات لدى الحكومة البلغارية لتعيد حساباتها تجاه مسلميها من جديد.
كما كان استخدام المفتي العام لكلمة «نحن أكثر من مليون» جيدًا للغاية، حيث وافق ادعاء الحكومة البلغارية بأن المسلمين في بلغاريا قرابة المليون، كما لم ينف الحقيقة القائمة، والتي تؤكدها تركيا بأن المسلمين البلغار يتراوح عددهم في ما بين 2 - 3 مليون نسمة.
بدء المسيرة بقراءة الفاتحة والدعاء، وختمها بالتهليل والتكبير، وبروز النكهة الإسلامية في كلمات المتحدثين، كل ذلك زرع في نفوس المشاركين إسلامية اللقاء، وفتح آفاقا جديدة في نظر المسلمين عمومًا لمثل هذه التحركات.
وجاء استخدام العلم البلغاري، والمطالبة بوقف حرب البوسنة وإحلال السلام في البلقان، أمرًا موفقًا ومطمئنًا في ذات الوقت للحكومة والعامة، ومبددًا مخاوفهما من أن يكون وراء ذلك التحرك جهات خارجية، مؤكدًا على أنه تحرك إسلامي بلغاري خالص لا تشوبه شائبة.
نظرة تاريخية
ومأساة مسلمي بلغاريا ليست وليدة اليوم، وإنما تعود إلى زمن بعيد، حيث يتعرض المسلمون هناك للكثير من الضغوط والمعاناة بهدف إبعادهم عن هويتهم الإسلامية أو جعلهم يتركون بلادهم هربًا من ذلك الجحيم، حيث تدخلت الحكومات الشيوعية في أدق شؤون حياتهم اليومية، بل وبلغ بها الظلم حده حينما فرضت عليهم ضرورة تغيير أسمائهم الشخصية التي تدل على انتماءاتهم الإسلامية.
وفي عام 1987م عينت الحكومة الشيوعية برئاسة يتودور جيفكون، نديم غيثيف مفتيًا عامًا للمسلمين في بلغاريا خلفًا لمحمد توبجييف، وذلك مكافأة له على تعاونه معها خلال الفترة من عام 84 - 86 المعروفة بمحنة «بلغرة الأسماء» وهي الفترة التي أصدرت فيها الحكومة قرارها الخاص بضرورة تغيير المسلمين لأسمائهم الإسلامية بأخرى بلغارية.
وغيثيف هذا خريج كلية الحقوق بجامعة صوفيا، وعضو سابق في الحزب الشيوعي، كما أنه يعمل لدى جهاز مخابرات الدولة، وبعد توليه منصب المفتي العام بستة أشهر حصل على درجة الدكتوراه، ومع هبوب رياح التغيير ونسمات الحرية على أوروبا الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفييتي، ومن ثم سقوط النظم الشيوعية الواحدة تلو الأخرى حتى آل الحكم الشيوعي البلغاري لنفس المصير، وهب أغلب المسلمون وثاروا في وجه غيثيف، وتقدموا بكثير من العرائض الموقعة منهم للبرلمان المنتخب يطالبونه فيها بعزله ومحاكمته لما اقترفه في حقهم من مظالم مؤيدين مطالبهم تلك بالكثير من الأدلة والقرائن، التي تؤكد مخالفته للدستور العام للإفتاء الذي ينص على «ضرورة انتخاب المفتي العام عبر الانتخابات الحرة لا تعيينًا ولا تنصيبًا».
وعلى إثر ذلك أصدر البرلمان قراره بعزل غيثيف، وتعيين لجنة مؤقتة من المسلمين تعد لانتخابات حرة ديمقراطية في غضون ستة أشهر من تاريخه، وبالفعل تم عقد المؤتمر الذي يعد الأول من نوعه منذ ما يزيد على 45 عامًا هي عمر الشيوعية في بلغاريا، وذلك عام 1993م، وتم انتخاب فكري صالح حسن مفتيًا عامًا للمسلمين لمدة ثلاث سنوات، كما تم اختيار سبعة مفتين لمناطق (طلبوخين، وشمن، أزعراد، ايتوس، كرجلي، يلوفديف، شومن) بالإضافة إلى انتخاب ثمانية أشخاص كأعضاء في مجلس الشورى، كما تم أيضًا في نفس المؤتمر إقرار دستور جديد للمسلمين في بلغاريا.
وصدقت كل من دائرة الأديان برئاسة ميتودي سباسوف والحكومة الديمقراطية برئاسة فيليب ديمتروف على قرارات المؤتمر التي أصبحت بذلك سارية منذ ذلك التاريخ، وتعاقب على تصديقها بعد ذلك حكومتان، فظل الوضع على ما هو عليه واستقر الحال.
إلى أن فاز الحزب الاشتراكي والأحزاب المتحالفة معه في الانتخابات الأخيرة التي تمت في عام 1994م بأغلبية أعضاء البرلمان (125 من 240) وقاموا بتشكيل الحكومة الحالية، التي بدأت عملها بفتح باب الفتنة على مصراعيه بين المسلمين، وبعودة الشيوعيين القدامى وجد غيثيف الفرصة سانحة للعودة من جديد لدار الإفتاء أو على الأقل عرقلة القائمين عليها بدءًا بالتحريض والتشويه عبر الصحف، وانتهاء بمحاولاته المتكررة احتلال دار الإفتاء رغم تدخل الشرطة في كل مرة، وإخراجه منها بالقوة، وهكذا التقت أهداف الطرفين، الحزب الاشتراكي وغيثيف، الذي سارع بعقد مؤتمر وانتخاب مفتٍ عام، ومجلس للشورى، ومحكمة شرعية في 2 نوفمبر 1994م، ثم توجه في 22 فبراير 1995م، للحصول على قرار من نائب رئيس الوزراء شيغاروف بجعله مفتيًا عامًا، وهو القرار الذي تجاوز به شيغاروف صلاحياته، وخالف نص المادة 37 - الجزء الأول في الدستور البلغاري، والتي تنص على أن «الدولة عبر أعضائها ومؤسساتها لا تستطيع التدخل أو أن تدير شؤون التجمعات الدينية أو مؤسساتها الداخلية والحياتية، فهذا من شأن الدساتير الخاصة بهذه التجمعات، والقوانين التي تنظم شؤونها الداخلية».
ليعود غيثيف من جديد، وتحت حماية الأمن هذه المرة ليفتح دار الإفتاء ويقوم بطرد العاملين فيها.
وفي الوقت الذي رفضت فيه دائرة الأديان المصادقة على مؤتمر المسلمين الشرعي المنعقد في 4 مارس 1995م، والذي انتخب فيه فكري حسن مفتيًا عامًا للمرة الثانية، صدقت الدائرة على مؤتمر غيثيف، وهو الأمر الذي اعتبره المسلمون البلغار صفعة مؤلمة غير متوقع لهم جميعًا، ثم يأتي بعد ذلك قرار المحكمة العليا بتاريخ 27 يوليو الماضي برد دعوى فكري حسن - المفتي العام - ضد الحكومة تأكيدًا لما أقره الآخرون.
وهكذا استطاع غيثيف تثبيت أقدامه في دار الإفتاء ليحقق أهدافه، التي أهمها السيطرة على أوقاف المسلمين الكثيرة، والتي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات إن لم تزد، إضافة إلى سيطرته على جميع مرافق دار الإفتاء من مساجد، وكتاتيب، ومدارس، وخلافه، تمكنه من توجيه الدفة دينيًا كما يريد، وبدأ في مطالبة الحكومة باتباع أسلوب مقدونيا في إغلاق الجمعيات الخيرية وطرد العاملين فيها لنشرهم الأصولية والتطرف بين المسلمين، أملًا في أن تصب أموال أهل الخير المسلمين مباشرة في بئره الواسعة.
أما بالنسبة للحكومة فقد وجدت فيه ضالتها، حيث سيكفيها مؤنة التصدي لكل ما هو إسلامي، ومن ناحية أخرى يظل المسلمون منشغلين فيما بينهم متفرقين مشتتين، مما يسهل معه السيطرة عليهم أو على الأقل تغييبهم وتجاهل وجودهم.
وهكذا يعاني المسلمون في بلد آخر مثلهم مثل غيرهم، ويبدو أن المعاناة أصبحت صفة لازمة لكل ما هو إسلامي، وكل من هو مسلم في هذا العالم دون أن يجدوا أحدًا يهب لنجدتهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل