; المسلمون في روسيا.. من التجمد إلى الغليان | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في روسيا.. من التجمد إلى الغليان

الكاتب عاطف عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005

مشاهدات 80

نشر في العدد 1639

نشر في الصفحة 42

السبت 19-فبراير-2005

دراسات روسية: الإسلام امتلك القدرة على «البقاء والتجدد» بخلاف غيره من الديانات التي ذبلت تحت الستار الحديدي للشيوعية

يرجع تاريخ ظهور الإسلام السياسي بمفهومه الحديث مع نشأة حزب النهضة الإسلامية عام ۱۹۹۱م وصار النواة لحركة إسلامية سياسية عبر كل دول ما بعد الاتحاد السوفييتي 

 

هكذا انتقلت الصورة فجأة من مشهد يمارس فيه المسلمون الصلاة في سراديب تحت الأرض خشية البطش والنفي في العهد السوفييتي إلى ذعر السلطة المركزية في روسيا من تفتيت الدولة على أيدي الإسلاميين الذين صرخت للعالم من أنهم «قادمون». 

لم تكن الصورة في حقيقة الأمر انتقالاً من تجمد في جليد سيبيريا إلى انفجار في القوقاز. فهناك من الأدلة ما يشير إلى احتفاظ الإسلام في العهد الشيوعي بقدر معقول من حيوته. 

نستشهد هنا بدراسة حديثة قام بها مؤرخ روسي هو «يعقوف روي» قدمها في کتاب جاد حمل عنوان «مسلمو أوراسيا» انتقل فيه عبر البيانات والإحصاءات - التي يشوبها كثير من الجدل - ليرسم لنا خطوطًا عريضة حول ممارسة المسلمين السوفييت لشعائرهم. وكانت أهم هذه الملامح:

ممارسة إسلامية لشعائر الزواج والدفن من قبل العامة بل من قبل أعضاء بارزين في الحزب الشيوعي على نطاق محدود. وعندما سمح لهذه الممارسات بالظهور في بداية الثمانينيات وجدت فيها

 

الانتلجنسيا الإسلامية - إحدى المحفزات الدينية - القومية التي بلورت بها هويتها.

 انتشار كثيف للتجمعات الدينية غير المسجلة أو غير القانونية «بالمفهوم السوفييتي» وذلك منذ بداية عقد الستينيات. وبينما كان هناك ۲۲٥ مسجدًا مسجل رسميًا في بداية عام ١٩٦٣ في كل أنحاء الاتحاد السوفييتي كان هناك ٢٠٠٠ مسجد غير رسمي أو قانوني لكل منها إمامه الذي يؤم المصليين في الأعياد والمناسبات الدينية بشكل سري. كما كانت هناك ممارسات غير قانونية بالمفهوم السوفييتي كأداء صلوات الجماعة في الأعياد والمناسبات في المناطق المفتوحة. وكانت تترستان الأكثر بروزًا في هذا النوع من الممارسات الدينية، فبعيدًا عن العشرة مساجد المسجلة قانونيًا في الجمهورية الإسلامية كان هناك على الأقل ٤٩٦ مسجدًا غير مسجل. وإن كانت السلطة الشيوعية قد رصدتها وراقبتها بدقة شديدة.

وفي المقابل لم يكن في الشيشان - تلك التي مثلث برميل البارود المنفجر في مطلع التسعينيات - في تلك الفترة إلا القليل من المساجد غير الرسمية. وعلى الرغم من أن الشيشانيين والإنجوش كانوا الأكثر تدينًا بين مسلمي الاتحاد السوفييتي، إلا أنه لم تكن هناك أية مساجد غير رسمية في تلك الجمهوريتين القوقازيتين.

ما لم يفسره يعقوف روي هنا ويحتاج إلى توضيح هو أن قلة عدد المساجد وعدم وجود ممارسات سرية للدين الإسلامي في الشيشان كان سببه التخوف من البطش السوفييتي، خاصة أن ذلك جاء بعيد عودة الشيشان من منفاهم الكبير في آسيا الوسطى عقب سنوات الرعب الكبير في العهد الستاليني.

وتعود الدراسة السابقة إلى المسح الذي قام به المعهد العلمي للإلحاد في أكاديمية العلوم السوفييتية والذي أشار إلى وجود ثبات نسبي في مستوى التدين، بل ووجود أساس جماهيري للدين الإسلامي مما يؤكد استمرار وجوده في الاتحاد السوفييتي بطريقة بدت وكأنه يحيا تحت الأرض.

ويتفق هذا مع ما تؤكده دراسات أخرى من أكذوبة أن الإسلام أصبح في العهد السوفييتي دينًا «شكليًا»، أو جسدًا بلا حراك.

فلقد وصلت نتائج هذه الدراسات إلى أن لهذا الدين القدرة على «البقاء والتجدد» على خلاف غيره من الديانات التي ذبلت تحت الستار الحديدي للشيوعية. 

اللافت للنظر في الوثائق التي وصل إليها يعقوف روي هو إشارة معهد الإلحاد السوفييتي إلى وجود ترابط يجمع التعصب الديني بالتعصب القومي والقبلي. وهي فكرة ما زالت مستقرة في عقول المحللين الروس إلى اليوم، بحيث يقرر العديد منهم أن البعد القومي للاستقلال عن روسيا لم يكن يجد لنفسه مكانًا لولا اتكاؤه على البعد الديني الذي بمقدوره تجاوز الاختلافات الإثنية واللغوية للمسلمين في روسيا. 

وقد وصل الباحثون أمثال روي ويمالينوفا إلى أن الإسلام في صراعه المستميت للبقاء أمام الشيوعية قد عدل من أولوياته، فنقل محور الاهتمام من العبادات والشعائر والطقوس إلى الجوانب الأخلاقية والاهتمام بالأسرة كإعادة ترتيب مرحلية. وهي فرضية ما زالت تحتاج إلى مناقشة أوسع، كي تختبر في ظل بيانات أكثر تفصيلًا.

الأحزاب الدينية في مطلع التسعينيات

على مدى عقد التسعينيات، أبدى الباحثون الروس قلقًا متزايدًا تجاه تنامي الاهتمام بالإسلام في روسيا وتزايد أعداد الدارسين له، فضلًا عن انتشار الأدبيات الإسلامية بمختلف أطيافها الدينية بحيث غزت شتى منافذ بيع الكتب، وهو طرح لم أجد له سندًا خلال إقامتي في روسيا نهاية التسعينيات، فباستثناء الترجمة الروسية للقرآن الكريم لم تكن هناك كتب إسلامية في كبرى منافذ بيع الكتب، لا في العاصمة الإدارية موسكو ولا العاصمة الثقافية سان بطرسبرج. 

كما أثار القلق من تزايد عدد الراغبين في أداء فريضة الحج سنويًا، ففي داغستان وحدها يتوجه أكثر من ١٢٠٠ كل عام لأداء مناسك الحج بالأراضي المقدسة، وتمثل هذه الأعداد ما نسبته %٧٠ من حصة مسلمي روسيا في التوجه لأداء هذه الفريضة. 

ويرجع تاريخ ظهور الإسلام السياسي بمفهومه الحديث - يرصد جادجييف ۲۰۰۱ وجابروف ۱۹۹۹- إلى يونيو ۱۹۹۱ مع ظهور حزب النهضة الإسلامية والذي تشكل في مؤتمر للإسلاميين في أستراخان في جنوبي روسيا، وصار هذا الحزب النواة لحركة إسلامية سياسية عبر كل دول ما بعد الاتحاد السوفييتي بلغت ذروتها في طاجيكستان في ۱۹۹۲-۱۹۹۳ عندما تحول حزب النهضة الإسلامية إلى أكبر قوة معارضة في البلاد.

وقد بدأ الحزب بتسجيل رسمي في موسكو ولكن مُنع نشاطه في جمهوريات الاتحاد السوفييتي. ثم سمح له بالعمل بشكل قانوني في طاجيكستان خلال الفترة من نوفمبر ۱۹۹۱ إلى مارس ۱۹۹۳. وقد حاول زعماء الحزب من البداية تجنب الحديث عن «الأصولية»، وفضلوا في المقابل الحديث عن إعادة إحياء الإسلام في المجالات الثقافية والتعليم الإسلامي، وقام الحزب في ۱۹۹۱ بالإعلان عن نفسه بالسعي إلى توحيد مسلمي الاتحاد السوفييتي تحت مظلته باعتباره «حزب الاتحاد» مع المناداة بالمحافظة على كيان الاتحاد السوفييتي ورفض تفكيكه - وبزغت مراكز للحزب في كل من «محج قلعة في داغستان وفى الكراتشاي بغرب القوقاز، وفى بعض المناطق الإدارية من إقليم الفولغا والأورال وفي موسكو». وكان هناك جناحان للحركة: الأول يدعو إلى إقامة دولة الشريعة الإسلامية؛ والثاني يسعى إلى التعايش مع دستور الفيدرالية الروسية وإعادة إحياء الأمة التترية. وعلى الرغم من النغمة التترية الغالبة على تطلعات الحزب سعى قادة الحزب إلى إثبات أنه حزب فوق القوميات، كما تبنى الأحزاب السياسية الصاعدة في كل من أوزبکستان وطاجيكستان وكازاخستان باعتبارها أفرعًا منه.

 وقد عدد جابروف في عام ١٩٩٩م. الحركات الإسلامية التي تعمل على مستوى روسيا في المجلس الإسلامي، واتحاد مسلمي روسيا، وحركة «نور» والحركة الاجتماعية الروسية «مسلمو روسيا» وحزب النهضة الإسلامية، وحزب التحرير الإسلامي، كما عدد المنظمات الإقليمية في داغستان وتترستان وغيرها مثل حزب «الطريق الإسلامي» في الشيشان، والحزب الإسلامي الديمقراطي في داغستان.

وأحدث الصدامات التي وقعت بين الحكومة الروسية وهذه الأنشطة ما أعلن عن اعتقال أكثر من ١٠٠ فرد في العاصمة موسكو بتاريخ ٢٠٠٣/٦/٩ بتهمة تدبير انقلاب في الحكم الروسي بزعامة أعضاء حزب التحرير الإسلامي المحظور.

ولقد وضعت المتابعة الروسية هذه الجمعيات في قفص الاتهام باتهامها بالترويج لأفكار الجامعة الإسلامية الداعية إلى توحيد كافة المناطق الإسلامية وتشكيل دولة إسلامية موحدة.

وحين يبحث المتابعون للإسلام السياسي في نسخته الروسية عن أسباب ظهور الحركات الإسلامية، تتزاحم أمامهم الأسئلة وربما لا يجدون تفسيرات مقنعة، وجزء من المشكلة هو السرعة والفجائية التي طرحت بها نفسها ما سميت بحركات الإسلام السياسي على السطح. وتكون النتيجة أن يهرب الباحثون بالسؤال إلى بيئات أخرى شهدت ظروفاً مماثلة لنمو الحركات الإسلامية.

ومن وجهة النظر هذه فإن ما شهده مشروع النهضة الإسلامية لم يكن إلا فشلًا في «الموقع الجغرافي» وإن التجربة قد تنجح في بيئات أخرى تكون روسيا من بينها. ولكن هل كان ذلك صحيحًا؟ هذا ما نتحدث عنه في عدد قادم إن شاء الله.

  • المراجع

باللغة الإنجليزية:

*Yacov Ro'l (1995) Muslims of Eurasia:

Conflicting Legacies.Frank

Cass.London

* Galina Yemelianova (2003)Islam in

Post-Soviet Russia. Rout-

باللغة الروسية

ledgeCurzon London

  • جابروف (۱۹۹۹) المتطرفون في مواجهة التقليدين، العامل الإسلامي في الشيشان المعاصر والأذرع الأجنبية التي تموله - نیزا فيسميا جازيتا.

  • جاد جييف (۲۰۰۱) جيوبوليتيكا القوقاز، دار العلاقات الدولية موسكو. 

الرابط المختصر :