العنوان المسلمون في كندا: مخاطر المحيط الاجتماعي على أبناء المسلمين في كندا
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 12-مارس-1996
*عدد عصابات الأحياء والطرقات في مدينة مونتريال وحدها قفز من 3 عصابات إلى ٩٥ عصابة خلال عشر سنوات.
في كندا لا يزال أغلب المسلمين -مع الأسف الشديد- في غفلة عن واقعهم الذاتي والموضوعي لا يعلمون من أمرهما شيئًا كثيرًا؛ بسبب إعراضهم وإعراض مؤسساتهم وطلائعهم عن التعامل مع المعلومات والإحصائيات الرسمية وغير الرسمية المتدفقة سيولًا مع فجر كل يوم جديد.
فالوعي الإسلامي فيما يتعلق بالواقع الكندي في مختلف أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا يزال جنينًا في تشكله هامشيًّا من حيث اهتماماته، سطحيًّا من حيث مضمونه وخطابه، ومن الملفات الخطيرة جدًّا على واقع ومستقبل المسلمين في هذا البلد، والتي لا يزال تعامل المسلمين سواء كانوا هيئاتٍ أم أفرادًا يتعاملون معها تعاملًا سلبيًّا، نجد ملف المحيط الاجتماعي السائد في المجتمع الكندي والذي يتربى في فضاءاته ومناخاته أبناء المسلمين «الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة» سواء منهم المولودون في كندا أم الذين نشأوا فيها، والذين تبلغ نسبة زيادتهم السنوية قرابة 16% يشكلون 30% من العدد الإجمالي للمسلمين في كندا، فيتأثرون وينفعلون به وبقيمه وتياراته، ربما من حيث لا يشعرون لا هم ولا أولياء أمورهم. واعتبارًا لأهمية هذا الملف وتأثيراته الكبيرة على واقع ومستقبل المسلمين في هذا البلد، فإننا سنحاول في هذه المقالة الأولية توصيف أهم معالم هذا المحيط الاجتماعي وبيان أهم مخاطره على الناشئة المسلمة.
تفيد سجلات مؤسسة «إحصائيات كندا» التطور الهائل الذي عرف عدد عصابات الأحياء والطرقات في مدينة مونتريال لوحدها خلال العشرية الأخيرة (۱۹۸5 - ١٩٩٥) حيث قفز هذا العدد من 3 عصابات سنة ١٩٨٥م إلى ٥٩ عصابة سنة ١٩٩٥م تضم في صفوفها ما لا يقل عن ١٣٠٠ شاب وشابة، وأفادت دراسات حديثة حول انتشار وتطور هذه الظاهرة، عصابات في أحياء مدينة مونتريال الكبرى أن البنية البشرية لهذه العصابات تتكون أساسًا من الشباب، وأن معدل فترة مرورهم بهذه العصابات قد أصبح أطول بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة، وعن الانتماء الثقافي والاجتماعي للعناصر المستوعبة حديثًا في هذه العصابات، فقد ذكرت الدراسة أن أغلبهم ينتمون إلى المجموعات الثقافية، أي إلى المهاجرين، وتبدو هذه العصابات عنيفة أكثر من قبل، حيث تتجه عناصرها إلى ممارسة العنف، وخاصة على طلاب المدارس «الثانويات» مستعملين في ذلك أنواعًا عديدة من الأسلحة يحصلون عليها من عند عصابات أخرى أكبر وأكثر احترافًا للجريمة، كعصابات «الدراجات النارية» التي لا تتردد في تسليح هؤلاء الشباب مقابل الخدمات التي يحصلون عليها منهم. وقال مسؤول فرقة مقاومة العصابات بشرطة مونتريال: إن هذه العصابات قد اتجهت خلال السنوات الأربع الأخيرة إلى بناء نقاط بيع عديدة للمخدرات في عشرة أحياء جديدة بالمدينة ليصبح العدد الإجمالي للأحياء التي يتحكمون فيها ١٤حيًّا، ولم يخفِ هذا المسؤول قلقه الكبير من حجم وتطور هذه الظاهرة وتعقد أسبابها، ومن ثم استعصاء مواجهتها في المستقبل مثلما هو الحال في بعض مدن الولايات المتحدة الأمريكية کنيويورك وكاليفورنيا.
وجاء في آخر سبر للآراء أجرته مؤسسة معروفة جدًّا بكيباك أن 10% من سكان مدينة مونتريال قد صرحوا بأن تخوفهم الأكبر هو تزايد مؤشرات الجريمة والعنف في المدينة مقابل 6% فقط ذكروا أن تخوفهم الأكبر هو ارتفاع معدلات البطالة، ففي العاصمة الفيدرالية «أوتاوا» وحدها تفيد الإحصائيات الأخيرة أن عدد حالات القتل قد تطور خلال سنة ١٩٩٤ - ١٩٩٥ م من ٨ حالات إلى ۲۰ حالة. وقال مفتش شرطة المدينة إنه يتوقع زيادة تطور هذا العدد خلال السنوات القريبة القادمة بسبب زيادة عدد سكان المدينة، مع العلم أن العاصمة الكندية لا يتجاوز عدد سكانها ٥٠٠ ألف ساكن، منهم عشرات الآلاف من الصوماليين الذين لجؤوا إلى كندا بعد اندلاع الحرب الأهلية ببلادهم.
2-الانتحار لدى الشباب:
تحدثت وسائل الإعلام الكندية في الفترة الأخيرة عن الزيادة المسجلة في السنة الماضية في نسبة الانتحار لدى الشباب في كيباك «الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ - ٢٩ سنة» التي لا تزال تحرز الرقم القياسي العالمي في هذه المادة، وبالرغم من الجهود الكبيرة المبذولة للسيطرة على هذه الظاهرة ومعالجة أسبابها، فإن الإجراءات الوقائية المتخذة حتى الآن تبدو أنها غير ناجعة؛ فقد تحدثت طبيبة مختصة في الأمراض النفسية والعصبية أن من بين الـ ٥٠٠ حالة المرضية التي مرت عليها خلال سنة ١٩٩٥م يوجد منها 3۰۰ حالة متعلقة بمحاولة انتحار. وأضافت هذه الدكتورة في محاضرة لها قدمتها ضمن فعاليات ندوة حول العنف أن ما بين ٨٠: 90% من الشباب الذين انتحروا كانوا يعانون من مشكلات نفسية لم يقع في الغالب التنبه إليها ورصدها قبل الإقدام على الانتحار.
وانطلاقًا مما نعلمه من أن نسبة الشباب من العدد الإجمالي للمسلمين في كندا حسب إحصائيات سنة ١٩٩١م لا تقل عن 30%، وأن العديد من شباب المسلمين سواء من المولودين في كندا أو من الذين نشأوا بها يواجهون صعوبات نفسية عديدة، بعضها من الظروف المالية الصعبة، وبعضها من الازدواجية الثقافية واللغوية والنفسية التي يعيشها هؤلاء الشباب، وبعضها الآخر متأتٍّ من مظاهر التفرقة والتميز الموجود في المجتمع، وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك عدم اعتبار أغلب المسلمين للأمراض والمشكلات النفسية والعصبية التي قد يصاب بها أحدهم، فإن احتمالات إصابة بعض شباب المسلمين بنوع من تراكم المشكلات النفسية والعصبية أمر وارد جدًّا ضمن الظروف المشار إليها سابقًا.
3- الأطفال معرضون أكثر للقتل:
في إصدار فريد من نوعه، ذكرت مصادر مؤسسة «إحصائيات كندا» أرقامًا ومعطيات مفزعة حول ظاهرة القتل في المجتمع الكندي تشير إلى زيادة نسبة القتل لدى الرضع والأطفال الصغار، فقد أوضحت هذه الدراسة الحديثة أن المواليد الجدد والأطفال التي تقل أعمارهم عن السنة معرضون لمخاطر القتل أكثر بكثير من غيرهم من ذوي المراحل العمرية الأخرى، وذلك منذ بداية سنة ١٩٩٠م. فقد بلغ المعدل السنوي للأطفال المقتولين الذين تقل أعمارهم عن السنة ما بين سنتي ۱۹۹۱ و۱۹۹۲م ۲۲۰ طفلًا، وهو ما يماثل نسبة (٥,٦) عن كل ۱۰۰ ألف طفل مقابل (۲,۷) لدى الكبار، و(۱,۱) لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين سنة و١١ سنة، وأخيرًا (۱,۸) لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين ۱۲ و۱۹ سنة، وأشارت هذه الدراسة إلى أن العديد من حالات قتل الأطفال تبدو وكأنها امتدادٌ لحالات الاعتداء التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال، كما أن بعضها يعود إلى ما تقوم به بعض الأمهات العزباوات من قتل ووأد أطفالهن لإخفاء حمل غير مرغوب فيه. ومن الأشياء الدالة جدًّا على ارتفاع نسبة القتل في صفوف الأطفال في السنوات الأخيرة، تعرض ما لا يقل عن ٢٠٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٢ و١٩ سنة إلى حالات اعتداء وجرائم عنف خلال السنة الماضية فقط رغم أنهم لا يمثلون سوى %11 فقط من مجموع سكان كندا.
4- الفقر في صفوف الشباب:
رغم إعلان البرلمان الكندي في سنة ١٩٨٩م التزامه بالقضاء على الفقر في كندا مع حلول سنة ٢٠٠٠م، فإن الإحصائيات الحالية في هذه المادة تؤكد وجود طفل من كل خمسة أطفال أي (%20) في كندا لا يزال يعيش الفقر والخصاصة، مقابل طفل عن كل سبعة أطفال في سنة ۱۹۸۹م، ونتيجة لارتفاع هذه النسبة زاد عدد الأطفال الكنديين الذين يعيشون الفقر إلى ٦٠٠ ألف طفل، وطبعًا فإن أغلب الأطفال ينتسبون إلى المجموعات الثقافية «المهاجرين» ومن ضمنهم طبعًا المسلمين الذين يمكن اعتبار هجرتهم لكندا من آخر الهجرات، وتعكس هذه الظاهرة الحالة الاجتماعية العامة الصعبة التي تمر بها الأسرة في كندا عامة، وفي كيباك خاصة، حيث توجد أعلى نسبة فقر في كندا. وتعتبر العائلات ذات العائل الوحيد الأكثر فقرًا في كندا وفي كيباك، حيث وصل عددها في الأولى ۷۱۰,954 عائلة، وفي الثانية ٢٦٨,٨٨٠ وتفيد آخر المعطيات المنشورة حول سوق الشغل أن مؤشر البطالة في كيباك قد سجل تطورًا بنسبة ٠,٢% ليصبح %۱۱,۳ مقابل ١١,٢% في نفس الفترة من السنة الماضية.
ويوجد في مونتريال وحدها ۱۹۰,۰۰۰ مواطن ينتمون لما لا يقل عن ۱۱۹,۲۱۸ بيتًا يعيشون على المساعدات الشهرية التي تقدمها الحكومة للذين لا دخل لهم، ويمثل هذا العدد 20% من مجمل سكان مدينة مونتريال. وذكرت مصالح وزارة التضامن الاجتماعي بكيباك أن مصالحها المختصة تدرس يوميًّا ٥٥٠٠ مطلب جديد منهم ۸۰۰ لوافدين جدد من طلاب اللجوء السياسي، ويعتبر المهاجرون الجدد أكثر طلاب هذه المساعدات، ذلك أن العائلات المستفيدة منها والتي لا تعيش إلا عليها قد بلغ ٤١,٦٠٠ حالة تمثل ٣٥ % من جملة المتمتعين بهذه المساعدات.
وإزاء هذه المعدلات والأرقام، أبدى العديد من القيادات الإسلامية في مقاطعة كيباك تخوفهم من انعكاس هذه الوضعية الاجتماعية الصعبة على الجالية المسلمة، وخاصة منها الذين هم حديثو عهد بالهجرة إلى هذه البلاد، ومما يزيد في تخوفهم هو أن مؤشر استيعاب المسلمين في سوق الشغل لا يزال ضعيفًا جدًّا حتى ضمن الوظيفة العمومية، حيث لم تتجاوز النسبة ١,٢% من حصة جملتها 3% خصصتها حكومة مقاطعة كيباك لإدماج المسلمين في الوظيفة العمومية ضمن خطتها لاستيعاب المجموعات الثقافية المتعددة التي تمثل المجتمع الكيبيكي.
5- وضعية المرأة:
من المعلوم عن مقاطعة كيباك أنها الأولى في العالم الغربي التي توجد بها حالات «النساء المضروبات» نتيجة الخلافات العائلية، فقد ذكرت مصادر «إحصائيات كندا» وجود ما لا يقل عن 85,000 امرأة في كندا لجأنَ ما بين شهر مايو ١٩٩٤ وما بين مايو ١٩٩٥م إلى الملاجئ المخصصة للنساء المضروبات، وحسب نفس هذه المصادر، فقد سجلت السنة الماضية عن سنة ۱۹۹۲: ۱۹۹۳م ارتفاعًا ملحوظًا في عدد النساء المضروبات بما لا يقل عن ٣٠٠٠ حالة جديدة، وتستقبل جملة هذه الملاجئ وعددها ٤٠٥ في كندا، ما لا يقل عن ۲3۰۰ امرأة يوميًّا مصحوبات بـ ۲۲۰۰ طفل، هذا زيادة عن ٣٠٠٠ طلب آخر يوميًّا لنساء غير مقيمات إقامة دائمة في كندا بمختلف مقاطعاتها يرغبن في الحصول على هذه الخدمة.
من خلال ما تقدَّم من معطيات حول المحيط الاجتماعي الذي يعيش في مناخاته وفي فضاءاته أبناء المسلمين في كندا، تتأكد لكل مطلع دقة هذا الموقف وحساسية هذه الوضعية «النذير». وخاصة إذا ما علمنا أنه رغم تزايد عدد المسلمين وأبنائهم في هذه البلاد، ورغم بدايات تشكل الجيل الثاني لا يزال جهد المسلمين ومؤسساتهم في توفير المؤسسات التربوية والمحاضن الاجتماعية والثقافية الضرورية لاستيعاب هذه الناشئة وإحاطتها تربويًّا واجتماعيًّا، فدور الحضانة الإسلامية لا وجود لها، ولو لواحدة منها في مدينة مثل مونتريال تعج بما لا يقل عن ١٠٠ ألف مسلم ومسلمة منهم %28 أعمارهم أقل من ١٥ سنة، والمدارس الإسلامية لا يوجد منها سوى اثنتين، واحدة منهما للأحباش تنمو مع كل سنة في إمكاناتها وفي عدد طلابها، والأخرى وإن كانت الأقدم إلا أنها تعيش مشكلات مالية صعبة قد تضطر القائمين عليها إلى إلغاء المستوى الثانوي في السنة القادمة، أما عن المؤسسات الشبابية الاجتماعية والثقافية كالنوادي والمخيمات والمهرجانات فالموجود منها على قلته ضعيف في إمكاناته البشرية والمادية، هامشي في مناشطه وفي عدد منتسبيه.
إن هذه الحالة الإسلامية الضعيفة والتي تمثل خطرًا كبيرًا على ناشئة المسلمين التي هي الرأسمال البشري لمستقبل الإسلام في هذه البلاد، إن هذا الخطر لم يعد يسع المسلمين في كندا وإخوانهم في الدول الإسلامية خاصة منها الدول الخليجية، إلا أن يتحركوا بالسرعة المطلوبة لتدارك ما فات وتوجيه جزء من إمكاناتهم الأدبية والمعنوية، وجزء من خبرتهم ورأسمالهم النقدي للاستثمار في مشروعات استراتيجية لا يشك أحد في ضرورتها وفي نفعها الكبير، والكبير جدًّا الذي يمكن أن يلحق الإسلام والمسلمين في هذه البلاد.
إن في واقع المسلمين في كندا أبواب للشر كبيرة وأبواب للخير كثيرة، فمن سيكون له شرف السبق في سد الأولى على آخرها، وفي فتح الثانية على مصراعيها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل