العنوان المسلمون في موزمبيق بين خطر المجاعة والتنصير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988
مشاهدات 98
نشر في العدد 860
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-مارس-1988
الجبهة الوطنية
في موزمبيق اكتشفت أن الدين جزء لا يتجزأ من كيان شعب موزمبيق.
يقول تقرير
للأمم المتحدة صدر مؤخرًا بأن موزمبيق ستصبح قريبًا منطقة كارثة في أفريقيا،
فملايين من سكانها يموتون جوعًا، وقد بلغت نسبة الوفيات بين الأطفال درجات مفزعة؛
إذ قدرت بـ (350) حالة من كل ألف حالة، لذلك وجهت الأمم المتحدة نداء إلى المحسنين
في العالم لتقديم ملايين الدولارات لإغاثة موزمبيق، وقد حددت المنظمة الدولية حجم
الإغاثة المطلوبة لثلث شعب موزمبيق بـ (247) مليون دولار، وهذا تقرير نشرته مجلة
أريبيا (بلاد العرب) عن المسلمين في موزمبيق وذلك في عددها الصادر في يونيو 1987.
أرسلت مجلة
أريبيا مراسلًا لها إلى موزمبيق فاطلع عن كثب على أحوال المسلمين هناك، وهو في هذا
التقرير يعرض لأحوال تلك البلاد في الماضي والحاضر يقول:
لم تتعرض جالية
مسلمة في أفريقيا كلها لمثل ما تعرضت له الجالية المسلمة في موزمبيق خلال فترة
طويلة من الزمن، فقد ظل المسلمون خلال أكثر من خمسمائة سنة يخوضون صراعًا مريرًا
ضد الاستعمار البرتغالي، وعلى الرغم من ضراوة هذا الصراع واستمراره فقد ظلوا من
الحوادث المنسية في العالم، وهذا هو شأن الإسلام وتاريخه في موزمبيق قبل وصول
البرتغاليين في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، فكل ما هو معروف هو أنه في بداية
القرن الثاني عشر قامت سلطنات إسلامية على طول الساحل الأفريقي وكانت تشكل الطرف
الجنوبي الأقصى للعالم الإسلامي، كما كانت هذه السلطنات كذلك مراكز تجارية مزدهرة
امتدت من صوفالا (المجاورة لبيرا في موزمبيق) إلى شبه الجزيرة العربية وما بعدها
إلى شبه القارة الهندية.
ولربما يبدو أن
التجار المسلمين لو لم يصطدموا بالبرتغاليين لاستمر امتداد الإسلام جنوبًا، إلا أن
من الحقائق الثابتة أن وصول المصالح التجارية البرتغالية إلى تلك المناطق قد أوقف
المد الإسلامي في المناطق الساحلية من القارة الأفريقية، إلا أن هذا الأمر لا
ينطبق على توسع الإسلام في أعماق القارة الأفريقية.
حروب الإجلاء:
مع نهاية القرن
الخامس عشر تمكن الإسلام من شق طريقه إلى العمق الأفريقي، وخلال أجيال من الاتصال
بالمراكز التجارية استطاع العالم الإسلامي أسلمة أجزاء كبيرة من العمق الأفريقي،
وكان ذلك قد تم بشكل كبير على يد التجار الذين تغلغلوا في الداخل، وتزوجوا من
السكان المحليين، وهكذا فقد كان انتشار الإسلام في أفريقيا سلميًا وتدريجيًا على
عكس توسع الاستعمار الأوروبي، وربما يبدو أن قدوم البرتغاليين قد أثر على انتشار
الإسلام في العمق الأفريقي؛ فمنذ البداية كان من الواضح أن الاستعمار البرتغالي ذو
طبيعة محاربة توسعية، فبعد ثماني سنوات فقط من التجول في الطرف الجنوبي الأقصى من
القارة بدأ البرتغاليون سلسلة طويلة من حروب الإجلاء، ففي عام 1506 تم غزو المركز
التجاري في جزيرة موزمبيق (جزيرة موسى السمبيق) كما تم الاستيلاء عليه، وقام
البرتغاليون بذبح السكان المسلمين المحليين، وأقاموا حكمًا عميلًا لهم في البلاد،
تلا ذلك استيلاؤهم على صوفالا وماليندي في كينيا، واستطاع البرتغاليون من خلال هذه
القواعد الرئيسية أن يشنوا حملة ناجحة أدت إلى وضع المنطقة بأسرها في حالة متأزمة،
واستولوا على بضائع ثمينة من الذهب والعاج، لكن السلطات الرئيسية تضامنت فيما
بينها، وأوقعت بالبرتغاليين هزيمة منكرة في ممباسا عام 1698 م.
وعندما اضطر
البرتغاليون للتراجع أنشأوا لأنفسهم قاعدة للعمليات في ميناء لورنزو ماركيز انقضوا
منه على السفن التجارية، لكن هزيمتهم في ممباسا كانت مجرد نكسة مؤقتة في طريق
التوسع الاستعماري الأوروبي؛ إذ سرعان ما تسلم الزمام كل من هولندا وبريطانيا،
وتمكنتا خلال عقود معدودة من بسط نفوذهما على مساحة كبيرة من المنطقة، وبالرغم من
أن البرتغاليين لم يعودوا سادة في ساحل أفريقيا الشرقي إلا أنهم ظلوا يمارسون
قدرًا من الهيمنة على المناطق الساحلية يعرف الآن بموزمبيق، ولما عُقدت معاهدة
برلين عام 1884 أُطلقت يد البرتغال للتغلغل في العمق الأفريقي مما فتح الباب على
مصراعيه لسفك الدماء، ونهب الأموال، كل ذلك حدث في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع
القرن العشرين.
ولقد صادف
البرتغاليون مقاومة مريرة من سلطنات وممالك في داخل أفريقيا، وتمكن البرتغاليون من
التغلب عليها لا بشيء إلا بما لديهم من تفوق تكنولوجي، فلم تستطع الفروسية أن
تواجه الرشاشات، ومن أبشع المجازر التي اقترفتها يد البرتغال ما قامت به ضد خلافة
غزة عام 1895 التي استمرت ثلاث سنوات أو أكثر، وشهدت ذبح آلاف من الناس، ولم يستطع
البرتغاليون سحق المقاومة الشعبية ضدهم إلا في العشرينات من القرن الحالي عندما
أزالوا آخر معاقل المقاومة المسلحة.
وهكذا حلت
المؤسسات التبشيرية المسيحية محل القوات المسلحة البرتغالية لقهر السكان، ولقد
قاطع المسلمون في شمال موزمبيق مدارس المبشرين، ومن الأمثلة البارزة على مقاطعة
مدارس المبشرين ما حدث في عام 1960 من مذبحة مروعة في مودا «MUEDA»
حيث قتل (600) شخص برصاص القوات البرتغالية، وقد دفع ذلك الشعب الموزمبيقي إلى حمل
السلاح من جديد والمقاومة المسلحة حتى حقق النصر على البرتغال وانتزع الاستقلال
منهم في عام 1975، ولقد نشط المسلمون في العمل ضمن القوات الوطنية، وكان لهم دور
فعال في تحقيق الاستقلال، لكن الاستقلال مع الأسف لم يأت بالثمرات المرجوة من حرية
العقيدة وسيادة القانون، فقد أُعلن في عام 1977 أن الحكومة الجديدة تبنت
الاشتراكية العلمية على اعتبار أنها عقيدة الدولة مما خيب الآمال فقامت الحكومة
بالاستيلاء على المدارس الإسلامية والمساجد ومصادرتها، وحولتها إلى مدارس علمانية،
وحظرت تعليم الدين، كما مُنع استيراد نسخ القرآن الكريم، وحظرت طباعة الكتب
الإسلامية، وحُرم الطلاب الراغبون في الدراسة في الخارج من جوازات سفر، كما فُرضت
قيود كثيرة على علماء موزمبيق المحليين مما ضيق من حريتهم في الخطاب والحركة.
عودة الحرية
الدينية:
ولا بد أن نذكر
أن هذه القيود فُرضت على المسلمين مما أغضب الجاليات المسلمة من هذه الأوضاع،
وعندما تجرأ أحد الدعاة وهو أبو بكر موسى على الاحتجاج على إجراءات الحكومة اعتقل
لعدة أشهر، كما لا بد أن نسجل هنا أن الجبهة الوطنية الحاكمة في موزمبيق اكتشفت في
الثمانينيات أن الدين هو جزء لا يتجزأ من كيان شعب موزمبيق، فأعلنت في عام 1983
انتهاء القيود المفروضة على ممارسة شعائر الدين، وعادت الحرية الدينية من جديد،
وأُطلق سراح أبو بكر موسى وغيره، وهكذا بدأ المسلمون يفيدون، ويجنون ثمار جهاد
استمر (500) سنة.
لكن كافة
التقارير تبين الحالة المتردية للبلاد وما تعانيه من انحطاط وفقر، والمسلمون
يعانون من انتشار الخرافات والجهل، أضف إلى ذلك الجفاف والحرب الأهلية التي تدور
رحاها في البلاد، كل ذلك أدى إلى انهيار اقتصاد موزمبيق؛ فجبهة المقاومة الوطنية
الموزمبيقية تخوض حربًا ضد الحكومة التي ترأسها جبهة فريليمو التي يؤيدها المسلمون
والأمل كبير في أن تستقر الأوضاع ويعود الازدهار والاستقرار إلى البلاد.