العنوان المسلمون في إندونيسيا بين قبضة العسكر وبرامج التنصير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1984
مشاهدات 58
نشر في العدد 695
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-ديسمبر-1984
المطلوب من حكومات العالم الإسلام وهيئاته الإسلامية تلمس أوجاع المسلمين في هذا البلد:
إن الوضع في إندونيسيا خطير للغاية في الوقت الحاضر. وأكدت جميع الأطراف بخطورة الوضع سواء أكانوا من كبار مسؤولي الدولة أم المعارضين والمناوئين لهم. وفي شهري أيلول وتشرين الأول ارتجت جاكرتا عاصمة البلاد رجة عنيفة من مجزرة تانجونغ بريوك ثم تفجيرات مكاتب فروع بنك سنترال آسيا وآخرها انفجار ترسانة أسلحة قوات مشاة البحرية.
ودخل الوضع مرحلة الخطورة رسميًا بعد أن قدم وزير الداخلية سو بارجو رستام في 23/6/84 «5» مشاريع قوانين تخص السياسة إلى مجلس النواب الإندونيسي مؤملًا على حد قوله: «تنفيذ توصيات الخطوط الرئيسية لاتجاه الدولة 1983، وله صلة بالبناء وهو جزء من البناء الوطني الذي نحن الآن نقوم به؛ وذلك من أجل إقامة الديمقراطية حتى يتم ضمان الاستقرار الوطني الكامل ومن أجل مواصلة البناء الوطني» ومشاريع القوانين الخمسة هذه تخص الأمور الآتية:
1- الانتخابات العامة وعضوية مجلسي الشورى والنواب.
2- تشكيل ووضعية أعضاء مجلس الشورى والنواب، والنواب الإقليميين.
3- الأحزاب السياسية وطائفة العمل.
4- الاستفتاء.
5- المنظمات الاجتماعية.
وأهم ما جاء في المشروعين الثالث والخامس وحدة الأساس وهو بانتشاسيلا أي المبادئ الخمسة لجميع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية. أما المشروع الرابع وهو الاستفتاء فإنه محاولة الحكام الحاليين برئاسة الجنرال سوهارتو لإجراء تغيير في صميم دستور الدولة، دستور 1945، بينما هم يتهمون من أشار إلى مثل هذه المحاولة بالخيانة الوطنية.
إندونيسيا على مفترق الطرق:
بمناسبة هذه المبادرة فقد قال الدكتور محمد ناصر في رسالته «إندونيسيا على مفترق الطرق»: «إن هذا الأمر مهم في تاريخ حياتنا اجتماعيًا وأمة ودولة». وقال أيضًا «ليس من المبالغة إذا قلنا بأننا الآن في نقطة الذروة في تطورات حياتنا كدولة منذ أوائل ما سمينا، بالنظام الجديد».
وإزاء مشاريع القوانين الخمسة هذه من يؤيد ومن يعارض، وستستمر المناقشات حولها على التوالي واحدًا بعد الآخر في مجلس النواب حتى شهر آيار 1985 القادم، وبما أن ليس للمعارضين صوت، في مجلس النواب فمن المؤكد أن تحظى هذه المشاريع القبول، إما طبق الأصل وإما بتصرف قليل.
ونظرًا إلى ما جرى سابقًا، والطريق الدستوري مسدود للمعارضين، والحكومة مصممة على موقفها، فمن المتوقع أن يتطور الخلاف بهذا الصدد إلى صراع ونزاع، بل قد يؤدي إلى صدام بين المؤيدين والمعارضين كما حدث في عام 1973 بخصوص مشروع قانون الزواج. لا شك في أن هذا التوقع داخل في تقدير أجهزة الأمن.
فالمعارضون في نظر الحكام الحاليين كل من لا يتعاون مع الحكومة أو على حد تعبيرهم «أعداء بانتشاسيلا» وحسب تقسيمهم «المتطرفون اليساريون واليمينيون» وأرادوا بالأول «الشيوعيون والقوميون اليساريون والمعتدلون»، وأما الثاني فهم حسب التعريف الجديد «المسلمون الأساسيون» وهو تعبير متمغط قابل لأي تفسير وتأويل حسب ما يريد أي مسؤول حكومي، وهو في الحقيقة توسعة للتعريف الأسبق. كان في السابق انحصر التعبير في جماعة «الحزب المحظور» أي ماشومي وهو الحزب السياسي الإسلامي الكبير الذي كان يترأسه الدكتور محمد ناصر، والتعريف الجديد بالمسلمين الأساسين سيشمل نطاقًا أوسع من المسلمين حتى الذين ليس لهم أي صلة بحزب ماشومي أو غيره من المنظمات الإسلامية المحظورة، وفي بعض المناطق فسر بعض المسؤولين بالمسلمين الأساسين حتى الحجاب، أي تعتبر الفتاة المسلمة المحجبة من الأساسيين. إننا نخشى في المستقبل أن يعتبر المواظب على الصلوات الخمس في المسجد من الأساسيين. ومن المتطرفين اليمينيين أيضًا حسب رأي الحكام جماعة يقول عنهم الحكام بجماعة الخائبين وهم كبار الضباط المتقاعدين الذي لا يتعاونون مع الحكومة، ومنهم الجنرال عبد الحارس ناسو تيون والجنرال على صادقين والجنرال دارسونو وغيرهم.
المنشورات تهاجم النظام:
إن الوضع الراهن الساخن. وقد أكد ذلك مرارًا الجنرال يبني مراداني قائد القوات المسلحة وقائد إعادة الأمن والنظام، وقال بتصاعد كثافة النشاط السياسي غير المشروع. وانتشرت منشورات بين بيضاء وسوداء منذ أشهر تهاجم نظام الرئيس سوهارتو وانحرافاته في مجالات شتى. السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي السياسة يتجه نظام الرئيس سوهارتو إلى الحكم المطلق، وإسكات الأصوات المناوئة والمعارضة، وفي المجال الاقتصادي يتجه إلى تجمع الثروات بأيدي قليل من الناس في ظل هيمنة الصينيين غير المسلمين على اقتصاد البلاد.
وجدير بالذكر أن عددًا من الصينيين غير المسلمين تمتعوا بجمع ثروات هائلة في ظل نظام الرئيس سوهارتو. وعلى سبيل المثال ليم سيو ليونغ، تاجر صيني عادي ليس له ذكر في عهد الرئيس سوكارنو، أصبح الآن في مدة 15 سنة فقط أغنى رجل في إندونيسيا بل يعد من كبار أغنياء العالم! وذكرت مجلة تمبو الصادرة بجاكرتا بأنه سادس أثرياء العالم! ولنعرف مدى تأثيره على سياسة الدولة فيكفينا ما انعكس وانطبع من صورة غلاف مجلة «انسايت insight» الصادرة في لندن عدد مايو 1978. صورة ليم سيو ليونغ في زي إمبراطور نابوليون وإلى جانبه صورة الرئيس سوهارتو معلقة على الجدار، مع هذه العبارة: «ليم سيو ليونغ سيد إندونيسيا الإمبراطوري». وذكرت بعض المصادر بجاكرتا أن تعيين الجنرال بيني مراداني قائدًا للقوات المسلحة وقائدًا لإعادة الأمن النظام باقتراح هذا الرجل أو بتوصية منه.
وجدير بالذكر أن هذين المنصبين لم يكونا في يد شخص واحد بعد الجنرال سوهارتو أثناء صراعه نحو السلطة مع الرئيس السابق سوكارنو.
المشروع الكبير لبناء الأمة:
ومما يزيد سخونة الوضع هو المشروع الاستراتيجي الذي تقدم به الجنرال بيني مرداني لإجراء تغيير جذري في استراتيجية القوات المسلحة الإندونيسية أن يؤدي إلى تقليل القيادات العسكرية وبالتالي إلى تسريح 58 ألف رجل بين صفوف القوات المسلحة الإندونيسية إلى المعاش. لعل هذا متماشيًا مع صميم الفكرة في «المشروع الكبير لبناء الأمة»؛ إذ جاء فيه أهمية «إجراء الإصلاح والتكملة سواء أكان من حيث الأشكال أم من حيث الرجال؛ لأن القوات المسلحة ذاتها لم تكن صافية من العناصر الهدامة». «وهذا المشروع الكبير أعده مركز الدراسات للشؤون الاستراتيجية والدولية، وهو هيئة أهلية تعد مخططات معادية للإسلام ومركزها بجاكرتا. ويخشى البعض من الإجراءات الصارمة والمواقف الحاسمة التي يتخذها الجنرال مرداني سيؤدي إلى انقسامات داخل القوات المسلحة الإندونيسية، والرجل معروف بيده الحديدية، بل أكد هو بنفسه في تصريحاته الأخيرة ومنها أمام جلسة عمل لمجلس النواب في أيلول الماضي، بأنه سيواجه كل محاولة معارضة الحكومة بالشدة والقوة. وما جرى في تانجونغ بريوك جاكرتا من مجزرة المسلمين إنما هو عملية جس النبض يقوم به هذا الجنرال النصراني ليوناردوس برناردوس مرداني. إن المبادرة للإثارة جاءت من عند أجهزة الأمن. ضابط صغير نصراني برتبة رقيب أول كسر سكون المسلمين وهدوءهم في أيام أفراح عيد الأضحى؛ إذ أتى إحدى المصليات في تانجونغ بريوك، وهو مصلى السعادة وقام بتدنيس المصلى ولطخ جداره بماء قذر أسود من مصروف المياه القذرة بالحارة، وكان الاحتجاج يحظى بموقف اللا مبالاة.
بداية الاعتقالات:
وقلبت الحقيقة من تدنيس المصلى إلى تحدي مسؤول عسكري، وتركت الحالة الساخنة حتى ترتفع السخونة إلى درجة الغليان، من 7 حتى 12 أيلول، والمسيرة السلمية ترحب بالرصاص والنيران فسقطت ضحايا 63 قتيلًا وأكثر من 100 جريح، بل ذكرت بعض المصادر العليمة بجاكرتا بأن الضحايا أكثر، وأعلن رسميًا بأنهم متمردون!
بعد ذلك حدثت تفجيرات في مكاتب فروع بنك سنترال آسيا بجاكرتا في 4 تشرين الأول، وألقي القبض على عدد من الفاعلين أعضاء حركة شباب الكعبة وهي منظمة الشباب الإسلامية التابعة للحزب الاتحادي، وهو حزب إسلامي سابقًا، غير أن الشخص المدبر لم يعتقل بعد. وأخيرًا حدث انفجار في ترسانة الأسلحة لمشاة البحرية.
وجدير بالذكر بأن الجنرال يبني مرداني يريد استغلال القوات المسلحة للضغط والضرب على المسلمين وفقًا لمخططات «المشروع الكبير». وفي الجانب الآخر أكد بعض الضباط المسلمين بأهمية إزالة سوء التفاهم بين المسلمين والقوات المسلحة حتى لا ينتفع من الموقف السيء طرف ثالث.
إن الأطراف المناوئة والمعارضة للحكومة متعددة ولكنهم عاجزون عن التحرك الفعال إلا إذا تمتعوا بتأييد شعبي، والتأييد الشعبي لن يحصل إلا من صفوف المسلمين. هذا، ومن المتوقع أن الضغط والتآمر على المسلمين سيكونان أكثر وأكبر.
إن الوضع ساخن وخطير، وقد أكد الميجر جنرال تري سو ترسنو، قائد المنطقة العسكرية الخامسة لجاكرتا العاصمة بأن المجريات الأخيرة ما زالت في منتصف الأزمة والمتوقع أن تعم الأزمة كافة مجريات الأمور.
واجب المسلمين:
أخي المسلم، بعد هذا العرض الموجز عن إندونيسيا يتبين لنا أن الوضع خطير جِدًّا، والمسلمون غافلون، لا يعرفون شيئًا عن إخوانهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، والمنصرون هناك يعملون بجد ونشاط لنشر دعوتهم وتنصير المسلمين بشتى الوسائل، فواجبنا كمسلمين مد يد العون لهم ومساعدتهم ودعمهم ماديًا ومعنويًا، كما أن واجب الحكومات الإسلامية أن تتدخل لصالح الشعوب المسلمة هناك، وذلك بالضغط على النظام القائم دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا حتى تقف المخططات الرهيبة ضد المسلمين.
كما نطالب الهيئات الإسلامية بالتدخل السريع ونخص بالذكر رابطة العالم الإسلامي لما لها من دور فعال في هذه الميادين. والشعب الإندونيسي المسلم يتطلع إلى أخوته في كل بقاع الأرض وخاصة الشعوب العربية الإسلامية لعله يجد النصير والمدافع، قبل فوات الآوان؛ لأن الأيام تمر مسرعة والوضع يزداد سوءًا، ولا بُدَّ من وقفة صادقة سواء من الشعوب أو الحكومات والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.