العنوان المسلمون وآفاق العلم
الكاتب محمود زايد المصري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
لقد بينا فيما سلف أن الإسلام يحض على البحث العلمي في موجودات السموات والأرض، بل ما كلف به الإنسان من عبادة لله وخلافه له، لا يتحقق إلا بكشف أسرار هذا العالم واستصحاب ذلك في إعمار الأرض وتزيينها، أي أن المجال المعرفي كله مزكى وكل معرفة طيبة ومندوبة إلا أن الطيبة درجات والحكمة تقتضي اختيار الأولويات ليس إلا دون حظر أو تحريم لمجال أي كان، إذ إن المعرفة مطية محايدة لا تأتي بخير أو بشر إلا أن تسخر كذلك في خطوة تالية، وهنا المحك وهنا دور الضوابط الشرعية والقيم والأخلاق والتربية، معرفة بلا حدود، وأما تطبيق المعرفة والعمل بها ففي أبواب الخير فقط أي علم نافع وعمل صالح والعلم نافع على أي حال وذكر النافع هنا حثًّا على تمييز الأنفع من الأقل نفعًا، وكذا طلب التوفيق من الله لحسن التوظيف[1]، وأما العمل الصالح فهو بيت القصيد وهو مناط التكليف وموضوع الابتلاء وفيصل العاملين لوجه الله من الراضخين لغيره من قوى الشر والخراب.
حري بنا أدبنا به ديننا- يؤيده العقل السليم- من أن الأصل علم بلا حدود وعمل به صالح فقط، كما أن الأصل أن لا نرفض المعرفة ونحجر على العلم لاحتمال إساءة استعمالهما، إذ إن جل المعارف- إن لم يكن كلها- واقعة تحت طائلة هذا الاحتمال، فلو سوغنا ذلك لأصبحت قضية المعرفة في مهب الريح تتقاذفها الأهواء والأوهام والظنون، بل لا بد أن نصوب موعظتنا وتمحيصنا على ما يتلو المعرفة من نشاط العمل بها، فلو أخذنا بغير ذلك لحرمنا علوم الذرة والوراثة والمخصبات والمغذيات والأدوية والمبيدات ومعظم مجالات الكيمياء وعلوم الجراثيم والآفات وغيرها، إذ كل منها سلاح ذو حدين وقابل للاستعمال في سعادة البشر، كما أنه قابل للاستعمال في فنائها.
كما أن الحكمة تقتضي الرفق والتأني في الحكم على البحوث الغضة والتي لم تظهر نتائجها فضلًا عن فوائدها بعد، إذ ما قد يظن عبثًا في أول العهد به قد يكون من أجل الاكتشافات وأغزرها خيرًا للإنسانية، وتاريخ العلم ملئ بمثل هذه المفارقات، ومن ذلك أنه لم يظن عند العامة خيرًا بالكهرباء عند أول العهد بها ولا حتى المركبات «السيارات» عند بداياتها.
والشاهد أن نظرتنا المتبرمة السلبية لجديد البحوث العلمية يسيء إلينا مرتين: أولهما إساءة إلى ديننا بجعله مظنة الركود والزهد في العلم، وثانيهما إساءة لعقولنا ولمجتمعاتنا بتغذية التصورات والعادت المعادية للعمل والتجديد.
انطباعات بحاجة إلى تصحيح
حري بنا أن نتمثل احتفاء ديننا بالعلم «ورد مادة «علم» ومشتقاتها في القرآن الكريم 854 مرة»، ونكف عن الوجل والحيرة كلما خطر لعالم مجال بحث جديد وفي عالم الكائنات الحية بالذات، وكان لسان حالنا يقول:
قرب الرجل من عالم الروح والغيب أو وقع به، حري بنا أن نسبح الخالق البارئ المصور ونركن إلى ما بينه لنا من أن الروح والغيب من أمره وحده، وإن ما عرفناه وما سنعرفه في قادم الأيام ليس منهما في شيء، ولن يكون كما ينبغي أن نكف عن الردود الانطباعية النفسية على أخبار العلم وإنجازاته، بل نحن الأولى بمواقف تنبع من العقل وحججه، يحث علمنا الإسلام أن نأتي بالبرهان عند كل بيان، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).
ونحن ضالتنا الحكمة «الحقيقة» إن كنا مؤمنين وحيازة الحكمة تقتضي بحثًا مضنيًا عنها في عالم الأسباب والمسببات والمصالح وطرقها وأوزانها برصانة والمسببات والمصالح وطرقها وأوزانها برصانة وشمول لا أن نخلد إلى التخذيل والغمز والتبرم، كما يبدو لي أن كثيرًا من مواقفنا الأولية في مجالات البحث العلمي أملتها ظروف الوهن الراهن في بلاد المسلمين، لقد أدت عوامل كثيرة إلى تدهور المسلمين في علوم الكون والحياة، بعد أن كانوا فيها أساتذة الأمم، وكان وراء ذلك غول الاستبداد وإفرازاته، التي غيبت العقول، وخدرت النفوس، وفي ذات الحقب أخذ الغرب النصراني يتدرج صعودًا في تلك العلوم، وبني من ذلك ثراء وقوة وشوكة، ثم أفاق المسلمون يومًا، وقد تغيرت جغرافية القوة على الأرض، غرب قوي بالعلم، وأمة ضعيفة رغم إسلامها، فما كان من رد فعل تلقائي إلا أن بدأت المقاربات والمقارنات بين العلم والإيمان، وأيهما مصدر القوة والشوكة والكرامة، وأيهما مقدم على الآخر في فهم الحياة ومعايشتها؟ العلم في أيدي الخصم، والإسلام عندنا، فانحاز المسلمون إلى ما عندهم، توتروا مع ما عند خصومهم، فكان ما كان من حط من قدر العلم وتفاصيله وتشعباته، وأثره المزعوم في الرفعة والمنعة، وسميت علوم الحياة والكون العلوم المادية حطًا من قدرها، عند المقارنة مع العلوم الروحية «قضية الإيمان»، ونظرًا لما خيم من جهل بتلك العلوم، كان إنفاذ العداء الضمني والصريح لها في أوساط العامة سهلًا ميسورًا، والمرء عدو ما جهل، وحشدت الطاقات الفكرية لشرح دونية هذه العلوم،وأنها ليست ذات أثر، فضلًا عن أن تكون ذات خطر في واقع الحال، وما يبدو فيها من تسلسل الأسباب، إنما هو محض تداع لا ضرورة فيه، بل يبدو شكلًا كذلك، وأنها في النتيجة لا تغير شيئًا، وكذا الإيحاء بأن من يعتقد في جدواها وفاعليتها في السعادة والشقاء والعزة والمنعة، يكون في صدام مع قدر الله المكتوب في علم الله القديم، فأفرز هذا المنحى سمومًا «زعافًا» قتلت ما تبقى للعقل المسلم من حيوية، وجعلت العداء الضمني للعلم وإنجازاته مرتبطًا إلى حد ما بقضايا العقيدة، وجذور الإيمان بقدر الخالق وطلاقته في مخلوقاته، فاختلط التشوه العقلي والنفسي بقضايا العقيدة والإيمان، وتمترس فيها يتخذها ستارًا دون حق.
والحق أن لا كمال لإيمان دون علم، ولا كمال لعلم دون إيمان، وهما غصنان لحق واحد، عرفه الحق سبحانه وتعالى، لا تضاد، بل رافدان لحياة الخلافة على الأرض، ولإنفاذ التكليف كما فرض الله وأراد، كما أن الكلام عن علوم المادة بقصد الحط والتشويه، مفهوم أعجمي، روجت له الكنائس من بنات أفكارها، ودون سند من وحي، ووجد هذا المفهوم من يردده في ديار المسلمين، وهو في تضاد مع الفهم الإسلامي الصحيح.
الإسلام يقسم الأفكار والعقائد والمواد جميعًا إلى طيبات وخبائث، ولا يقسمها مطلقًا إلى مادي وروحي[2]، كما أن الإيحاء بأن العلم قد يضاد القدر، أمر من خطل التصور بل من الحمق، العلم كشف لسنن الخالق في الكون والحياة «قوانين وفطر المخلوقات»، وقدر الله مهيمن على كل هذه الفطر والسنن والقوانين والأسباب، وهي جزء منه، وأداة من أدواته، لإنفاذ قدر الله وإرادته، فكيف يوضع الجزء في تضاد مع الكل؟ ثم هل ينبغي لخصومتنا مع الغرب أن تفقدنا اتزاننا وعقولنا وعدلنا الذي أمرنا به، فنسفه ضمنًا بضاعة العلم، مادمنا نحسبها بضاعة غربية؟ إن لهم فيها باعًا طويلًا في هذا الزمان، لكنها من علم الله، ومن سنته ونعمه المسخرة لبني البشر جميعًا، ولكل مجتهد فيها نصيب.
[1] - وهذا المعنى هو ما يستفاد من التفصيل القيم للإمام أبي حامد الغزالي في إحياء علوم الدين- الجزء الأول- كتاب العلم.
[2] - لقد كانت معركة الإسلام الأساسية في عده المكي مع حياة روحية فاسدة تعيشها جاهلية العرب ألا وهي الشرك بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل