; المحاولة العصرية لتأويل كتاب الله! | مجلة المجتمع

العنوان المحاولة العصرية لتأويل كتاب الله!

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1971

مشاهدات 62

نشر في العدد 56

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-أبريل-1971

أثارت كتابات الدكتور مصطفى محمود الأخيرة -خاصة محاولته لفهم عصري للقرآن- أثارت نقاشًا واسعًا بين الذين يطلعون ويهتمون بهذا النوع من الثقافة والفكر.

وهذا النقاش يرجع إلى سببين:

الأول: مكانة القرآن العظيم في نفوس المؤمنين واستعدادهم الدائم واليقظ لمتابعة كل ما يكتب عنه وحرصهم الشديد على قبول ما يخدم القرآن ويمكن لمعانيه وقيمه في الأذهان والأفئدة، ومن جانب آخر حرصهم الشديد والأكيد على مطاردة كل محاولة لتشويه ثقافة القرآن أو إخضاعه لمؤثرات مؤقتة.

والسبب الآخر: يتصل بالكاتب نفسه؛ فإلحاده الماضي والمعلن -خلال كتاباته- ولمعانه الصحفي واتصاله -عن طريق مجلات معينة- بكثير من الشعراء وتشعبه بالمصطلحات العلمية التي لها قدر من الجاذبية غير منكور.

هذه العوامل كانت سببًا في الاهتمام بمحاولات مصطفى محمود في القرآن الكريم.

"والمجتمع" تؤمن أن النقاش الذي هو يمحص الأفكار والآراء ويميز -بالمقاييس المنضبة- الخطأ من الصواب، ولذلك تفتح المجتمع أبواب النقاش في هذا الموضوع ولكن بشرطين اثنين:

1 - أن يكون النقاش في مستوى القضايا التي أثارها الكاتب بحثًا وأداءً.

2 - أن يلتزم بالموضوعية والانضباط الدراسي في المحو والإثبات.

«المجتمع»

لم يكن يخطر لي ببال وأنا أقرأ كتاب «الله والإنسان» منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا أنني سألتقي بكتاب آخر للمؤلف الدكتور «مصطفى محمود» يكتب فيه رحلته من الشك والظلام الذي دوّنه في كتابه المذكور آنفًا إلى كتاب آخر يُسجِل فيه إيمانه بالله العظيم الرحمن الرحيم وذلك في كتابه «رحلتي من الشك إلى الإيمان» وقبل أن أقرأ الكتاب الأخير بعامٍ واحد كنتُ في ضاحية الفروانية وتوجهتُ إلى مكتبة من مكتباتها لأشتري جريدة يومية، وفي مكان العرض من تلك المكتبة قرأتُ هذا العنوان «القرآن نحو تفسير عصري للقرآن» وكان ذلك على غلاف مجلة «صباح الخير» وبجوار ذلك العنوان كتب «مصطفى محمود» فهتفت بصوت مرتفع: سبحان الله مصطفى محمود صاحب كتاب «الله والإنسان» ما له ولتفسير القرآن وفي «صباح الخير» أيضًا.

ولم أجد بُدًّا من شراء المجلة مع الجريدة اليومية ووضعت المجلة والجريدة، وراحت ذاكرتي بعيدًا إلى قبل خمسة عشر عامًا تقريبًا حيث دسّ في يدي خفية زميل كان يدرس معي كتاب «الله والإنسان» وذلك ليهديني إلى الإلحاد وكان ذلك في المدينة المنورة.

ولستُ أنسى أنني قرأتُ فصول هذا الكتاب وكان شعري يقف معه في كل عبارة وذلك مما فيه من تطاول على الله -عز وجل-.

وقرأتُ مقال مصطفى محمود عن القرآن في صباح الخير وأصبحت بعد ذلك من قراء المجلة التي أخذت تنفذ سريعًا بعد أن كانت ترد أغلب نسخها ومضت الأيام وصدرت المقالات في كتاب مطبوع بمؤسسة «روز اليوسف» التي تنتمي إليها جريدة صباح الخير مع حذف لبعض العبارات التي وردت في المجلة. وتبع هذا دعاية في التلفزيون لكتاب «المحاولة العصرية لفهم القرآن» ولم أجد بعد ذلك بُدًّا من البيان لهذا الموضوع الذي يهم كل مسلم في يومنا هذا.

منهج البيان

لا شك أن كل مسلم يعمر الإيمان قلبه يفرح أشد الفرح عندما يسمع بأخ له أبصر بعد العمى واهتدى بعد الضلال خاصةً أولئك الذين شاع عنهم الكفر والإلحاد فإذا ما عادوا إلى حظيرة الإسلام وأعلنوا إيمانهم وهداهم والتزامهم المنهج الذي ارتضاه الله للعالمين لأن في إعلانهم الجديد محوًا لما خلفوه من شرور وآثام.

ولكن هؤلاء الحديثي عهد بالإسلام ينطقون أحيانًا بما يخالف الإسلام الذي ارتضوه دينًا وعقيدة وذلك بما حملوا في رحلتهم الطويلة من أعباء الفكر المنحرف ووساوس الشيطان ولكن السعي في طريق الإيمان يمحو تلك الأدران والرين شيئًا فشيئًا حتى يعود للقلب صفاؤه ونقاوته.

ولا شك الآن أن أي مسلم صادق عندما يقرأ كتاب «رحلتي من الشك إلى الإيمان» لمصطفى محمود سيفرح بصاحبه وله.

ولكن ليس معنى ذلك أن كل ما كتب في كتابه موافق عليه ومتبع فيه ولا شك أيضًا أن أدنى طالب علم في الإسلام فضلًا على -أن يكون عالمًا- يقرأ كتاب «القرآن محاولة لفهم عصري» إلا ووقع على أخطاء عظيمة تنطوي على خطر جسيم بالغ. ولن يوافق على كل ما جاء فيه إلا «مثقف» مغبون الحظ من فهم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو رجل بنفسه على الإسلام ضغينة فهو يجري وراء كل ناعق ليس له هدى يثوب إليه وموازين يزن بها وحيث إن الذب عن كتاب الله والدفاع عنه ليبقى المعجزة الباقية نصًّا ومعنى واجب على كل من حمل علمًا من ذلك، فلا بد من بيان وإيضاح ليكون المسلم بذلك على بينة من أمره فقد ساءني والله أناس يتهمون الرجل ولم يقرأوا له وآخرون يمدحونه ومحاولته العصرية لفهم القرآن ولم يطلعوا على ما بها ويزنوها بالموازين التي لا تخطئ ولا تحيد.

ولقد قرأت للسيدة الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» ما كتبت في الرد على تلك المحاولة العصرية ولكنني رأيت أنها -غفر الله لها- تركت أشياء لا يجوز السكوت عليها، وعابت عليه أشياء أخرى أرى أن الصواب معه فيها، وإن كانت قد أجادت في بيان كثير من مما يجب بيانه فجزاها الله على ذلك خير الجزاء.

المحاولة العصرية

إن أول ما يستنكر في كلام الكتاب عن القرآن هو تسمية كتابه هذا «محاولة لفهم عصري للقرآن» أو «تفسير عصري للقرآن» فالقرآن بصائر للناس جميعًا منذ أن أنزل على محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يرفعه الله -عز وجل- من الأرض عندما لا يقال فيها الله كما جاء الحديث بذلك، وهو مبين لكل شيء كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ (سورة النحل: آية 89). وهو حاكم من الفهم في كتاب الله هو شيء محدود يسير في نفس الدرب الذي يسير فيه الفهم والعمل القديم ولن يهتدي أحد في الكتاب إلى تشريع شيء جديد فإذا كتب كاتب اليوم عنوانًا على هذا النحو «محاولة لفهم عصري للقرآن» هكذا للقرآن والعنوان يصدمك بالكلمة كلها «القرآن» فأنت تنتظر فهمًا جديدًا لآياته كلها أو على الأقل أكثرها ومعنى هذا أن لكل عصر من العصور فهمًا مستقلًا للكتاب عن العصر السابق وهذا خطير جدًا إذ معنى ذلك أن ما كان يسوغ فهمه والعمل به قديمًا على نحو معين فإنه يستنكر اليوم فهمًا وعملًا.

على أفعال الناس وليس فعلهم ولا فهمهم حاكمًا عليه أبدًا.

وقد فهم القرآن عقيدة وشريعة وطبق أيضًا منذ نزل ولن ينقطع فهمه والعمل به في الأرض والحمد لله. ولا يعني هذا أنه لا مجال لفهم شيء جديد في كتاب الله. كلا. بل لا تنقضي عجائب القرآن أبد الدهر ولقد جاء في الأثر الصحيح: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما سأله رجل: أخصكم رسول الله بشيء؟ وقد كان يعلم أنه من أهل بيت النبوة فقال: لا والله إلا ما في هذه الصحيفة وقد جاء فيها أسنان الإبل ثم قال: وفهمًا في كتاب الله يؤتيه الله من يشاء، وما يزال الله يفتح على كل من تعرض لبيان كتابه لبيان كتابه بمعانٍ قد لا يهتدي إليها غيره والحكم على هذا الفهم صوابًا وخطأ، يكون بموافقته للحق الذي أنزله الله وبينه رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو بمجافاته وشذوذه، فالجديد وهذه الحقيقة أعني أن لا جديدة عقيدة وشريعة ليست مسألة خلافية بين المسلمين أو معانٍ تضاربت فيها آراؤهم، فالمسلمون مجمعون أن لا جديد من الأحكام والتشريع بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا اجتهاد في أمور الغيب بل ولا غيب يؤمن به إلا ما أخبر به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل- سواء كان بين دفتي الكتاب أو كان مما أخبر به الرسول بكلامه هو صلوات الله وسلامه عليه.

وأما ما يجد في أمور في المعاش والحياة فقد شرع لنا الاستنباط والاجتهاد الموافق لنصوص الكتاب والسنة وقواعد الدين العامة وروح التشريع. وهذا الاجتهاد أيضًا لما يستحدث من أمور حكمه مظنون ولا يقطع به إلا أنه يجب طاعته إذا كان ولي الأمر فقط.

هذا أمر العقيدة والشريعة ويكفينا فيه من الأدلة ما يأتي:

أ - قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40). 

وقوله تعالى ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾

(المائدة: 3).

وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقول الإمام مالك رضي الله عنه: «من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة» وقول الشافعي رضي الله عنه: «من استحسن فقد شرع».

قصة الخلق

والمفسر العصري «مصطفى محمود» قد خالف إجماع المسلمين في ذلك فقد أوَّل مسائل الغيب تأويلًا عجيبًا غريبًا منكرًا وأفتى في الحلال والحرام بفتاوى هي غاية في النكر والقبح، وهاك الأمثلة على ذلك من كتابه:

المثال الأول: «قصة الخلق»

تحت العنوان السالف كتب «مصطفى محمود» فصلًا مطولًا حبك فيه قصة مطولة عن خلق آدم أبي البشرية والنبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- وقد جمع خيوط هذه القصة من القرآن الكريم ونظرية داروين وكتاب "الصلاة" لمن أسماه هو بالمفكر الإسلامي «محمود طه» وسأعرف القراء عنه في مقال قادم إن شاء الله تعالى، وباختصار الآن هو مهندس زراعي سوداني يدعو إلى إسلام جديد شعاره نبذ الصلاة وإلغاء الملكية الفردية، فأعجب أيها القارئ كل العجب أن تكون هذه الأصول الثلاثة المتضاربة في كل شيء مع عقلية طبيب صحفي مثقف بالثقافة الغربية وحدها في مصادر هذه القصة الغيبية، وها هو مصطفى محمود مؤلف القصة يرويها لك وكأنه كان بالملأ الأعلى يوم خلق آدم بل ومعه خطوة بخطوة، يقول الكاتب: «مبدأ الخلق وكيف كان وكيف خطا على الأرض أول إنسان ومن أين جاء؟» ثم يذكر أن العلوم الأرضية كتبت في ذلك مجلدات وتكلم القرآن أيضًا وأعطانا كما يقول: «منتهى العلم». ولكنه ناقض نفسه بعد سطرين اثنين فيقول: «فلا يمكن أن نخوض فيه دون أن نخوض في كل شيء».

وقد نهانا الله عن الخوض في الدين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ﴾ (الأنعام: 68).

 والخوض في كل شيء أيضًا يجر إلى الخطأ لأن الذي يعلم كل شيء هو الله. وفعلًا ابتدأ الكاتب يخوض في كل شيء كما قال: «دون أن نثير القضية كاملة برمتها علمًا ودينًا وفلسفة وسياسة» وقد ابتدأ هذا الخوض بدارون قائلًا: «والتقط دارون -هكذا يلتقطه وكأنه حشرة ملقاة- أبى التطور ليروي لنا رؤيته عن مسيرة الحياة وهي الرؤيا التي غيرت فكر الدنيا». هكذا غيّرت فكر الدنيا. أنظرية دارون يا علماء الغرب ولا أسألكم أنتم يا علماء المسلمين قد غيّرت فكركم وأصبحت عندكم من المسلمات التي لا تقبل الجدل والنقاش وأسمع شيئًا من الإجابة:

1 - أذاع البروفيسور «جوهانس هوردلر» العالم الذري في «سبمنتبال» بسويسرا بيانًا في (10) مارس سنة (1956م) عارَض فيه بشدة نظرية دارون بشدة وقال: «إنه لا يوجد دليل واحد من ألف على أن الإنسان من سلالات القرد» وأن التجارب الواسعة التي أجراها دلت على أن الإنسان منذ عشرة ملايين سنة يعيش منفرًدا وبعيدًا جدًّا.

2 - بتاريخ (31) مارس سنة (1956م) أعلن في أمريكا أن الدكتور «دويتر» المشرف على الأبحاث بجامعة «كولومبيا» قد أيّد البروفسور «هوردلر» في وجهة نظره، واعتبرت نظرية دارون بذلك رأيًا لا يستند إلى أي دليل علمي، وأن الكائنات إنما خُلِقت مستقلة الأنواع استقلالًا تامًا فمنها الإنسان الذي يمشي على رجليه، ومنها الدواب التي تمشي على أربع ومنها الزواحف التي تمشي على بطنها.

وإلى مقال آخر إن شاء الله.

عبد الرحمن عبد الخالق

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل