العنوان المسلمون والنظام العالمي الجديد
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 127
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-مارس-1993
أجمع
المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على الشكوى من تحيز النظام العالمي الحالي ضدهم،
وذلك بسبب هيمنة إحدى الدول الكبرى عليه وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي
تتخذه أداة لتنفيذ خططها التوسعية لفرض سيطرتها على جميع قارات العالم، وذلك عن
طريق إنشاء قواعد عسكرية لها في المواقع الاستراتيجية التي تمكنها من تهديد
الحكومات والدول والشعوب بالتدخل العسكري إذا حاولت تبني سياسة استقلالية في
الميدان السياسي أو الاقتصادي، أو رفضت تنفيذ خططها الاقتصادية والعسكرية التي ترى
أنها تمكنها من إخضاع الشعوب جميعًا لهيمنتها. وموقفها من بعض الدول الإسلامية
نموذج واضح لهذه الأهداف؛ لأن التهمة الأولى الموجهة لهذه الدول هي أنها تسعى
لتطبيق الشريعة الإسلامية، باعتبارها أساسًا لنظم اقتصادية وثقافية واجتماعية ذات
أصول تخالف ما هو موجود لدى الدول الغربية، وبذلك تعوق اندماجها في النظم التي
تحقق لأمريكا الهيمنة السياسية على العالم. ولذلك تسعى للتشهير بها ووضع الخطط
لاستفزازها ومقاطعتها، ولا تكتفي في محاصرتها لتلك الحكومات الإسلامية بما لديها
من قوى عسكرية أو إمكانيات مالية واقتصادية، بل إنها تستغل النظام العالمي لمنع
تلك الدول من بناء اقتصادها أو تسليح جيوشها مثل غيرها من دول العالم؛ لكي تفرض
هيمنتها عليها.
واتجاه
أمريكا لاستغلال هيئة الأمم المتحدة أداة لفرض هيمنتها على العالم ليس إلا
امتدادًا لما كانت تفعله الدول الاستعمارية الأوروبية في عهد عصبة الأمم قبل ذلك.
والذي
مكن الدول الغربية في أوروبا من التحكم في عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى
هو أنهم هم الذين انتصروا في الحرب العالمية الأولى، وأنشأوا هذه المنظمة العالمية
ليتخذوها أداة للاحتفاظ بثمار هذا الانتصار وإخضاع الشعوب جميعًا لسلطانهم،
باستخدام عصبة الأمم لإعطائهم سلطة احتلال تلك الأقطار باسم الانتداب أو الحماية،
التي تمنحها الهيمنة الدولية. فأصبحت الهيمنة الأوروبية على جميع شعوب العالم
واحتلال المواقع الاستراتيجية المتحكمة فيه عسكريًا واقتصاديًا هي في نظرها شرعية
دولية ونظامًا عالميًا.
والغريب
أن أمريكا رغم أنها ساعدت دول أوروبا الغربية (بريطانيا وفرنسا) على الانتصار في
الحرب العالمية الأولى، إلا أنها رفضت المشاركة في عصبة الأمم أو المطالبة لنفسها
بنصيب من ثمار انتصار الحلفاء في تلك الحرب. إلا أنها في الحرب العالمية الثانية
ساهمت في إنشاء هيئة الأمم المتحدة لتحل محل عصبة الأمم، بل جعلت مقرها في نيويورك
وصارت تسعى لفرض هيمنتها عليها حتى نجحت في ذلك بانهيار الاتحاد السوفياتي أخيرًا،
وأصبحت هي المتحكمة في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأطلقت عليها اسم النظام
العالمي الجديد أو الشرعية الدولية. وبدأت ترسم استراتيجيتها التوسعية على نفس
النمط الذي طبقته الدول الاستعمارية الأوروبية الغربية، وبدلًا من تسميتها
امبراطورية عالمية أطلقت عليها اسم «النظام العالمي الجديد».
ولما
كان العالم الإسلامي يتوسط جميع قارات العالم، وفي إقليمه مواقع استراتيجية هامة
يمكن للقوة الدولية التي تسيطر عليها أن تفرض سيطرتها على قارات العالم جميعًا (أوروبا،
وآسيا، وإفريقيا، بل وأمريكا، وأستراليا كذلك)، ويكفي أن نذكر منها مضيق ملقا الذي
توجد به سنغافورة، والقرن الإفريقي والبحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي
والبوسفور والدردنيل ومضيق جبل طارق. ولذلك فإن القوى الدولية التوسعية منذ بداية
عهد الاستعمار الأوروبي إلى الآن، جعلت السيطرة على العالم الإسلامي والقواعد
الاستراتيجية التي تدخل ضمنه هدفًا استراتيجيًا لمخططاتها التوسعية والعدوانية.
ثم
إن وجود منابع النفط في هذه المنطقة وأهمية النفط في الاقتصاد العالمي واعتباره
عنصرًا أساسيًا في القوة العسكرية لأي دولة من الدول، جعل السيطرة على العالم
الإسلامي عنصرًا أساسيًا في كل خطة تسير فيها الدولة أو مجموعة الدول التي تتجه
إلى فرض سيطرتها العالمية وهيمنتها على النظام الدولي. ويلاحظ أن الدول الأوروبية
كانت منذ العصور الوسطى تستغل الدين المسيحي وتخدع شعوبها وشعوب العالم عن أهدافها
التوسعية برفع شعارات مسيحية، وبدأت هجومها على العالم الإسلامي بالغارة على
الأندلس، وشجعها ما حققته من نجاح في إبادة المسلمين في الأندلس على الهجوم على
شواطئ المشرق العربي في الحروب التي سميت حروبًا صليبية والتي كانت في حقيقتها
هجومًا استعماريًا لفرض هيمنتها على العالم كله. ورغم فشل تلك الحروب الصليبية،
فإنها نجحت بعد ذلك في استعمار أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وجنوب
إفريقيا، وطبقت سياسة تؤدي إلى إبادة الشعوب الأصلية في هذه المناطق جميعًا، ومازال
بعض فلاسفتها ومفكريها وحكامها يعتبرون أن نجاحها في الاستيلاء على تلك المناطق
وإبادة سكانها الأصليين سوف يساعدها على تنفيذ سياسة إبادة مماثلة للمسلمين في بعض
الأقطار ذات الأهمية الاستراتيجية، سواء كانوا أغلبية كما في فلسطين أو كشمير أو
البوسنة والهرسك أو الصومال، أو كانوا أقلية كما في بورما وبعض أقطار البلقان،
كمرحلة أولى تمهيدًا للانقضاض على قلب العالم الإسلامي في العالم العربي الذي يشمل
شمال إفريقيا وغرب آسيا وبقية الأقطار الإسلامية في غرب إفريقيا وشرقها ووسطها
وكذلك جنوب آسيا ووسطها.
إن
الخطط التوسعية التي تنفذ ضد العالم الإسلامي في الوقت الحاضر بدأت تجعل هدفها
إبادة المسلمين وعدم الاكتفاء باحتلال بلادهم أو التحكم فيها. ومما يؤسف له أن
الأمريكيين- لأنهم في الأصل مهاجرون أوروبيون- يعتبرون أن نجاحهم في إبادة السكان
الأصليين في أمريكا ذاتها، يبرر لهم أن يشجعوا على تنفيذ سياسة الإبادة ضد الشعوب
الإسلامية، ولا يشعرون بأي حرج في ذلك، ماداموا هم قد سبقوا غيرهم لذلك ونجحوا فيه.
إن
كثيرين يحق لهم أن يعتبروا خطة الإبادة التي ينفذها الصرب ضد المسلمين في البوسنة
والهرسك ليست مجرد حالة فردية أو مشكلة إقليمية، وإنما هي أخطر من ذلك؛ لأنها في
ذهن بعض الساسة في أمريكا والدول الغربية جزء من خطة شاملة ضد العالم الإسلامي
كله، ولا يتورع بعضهم من التصريح بذلك وإعلانه.
والمتأمل
في اعتداءات الصرب على البوسنة والهرسك يرى أنها تدل على الخطط الشيطانية التوسعية
التي ترسمها بعض القوى الأوروبية لإبادة مسلمي البلقان، فهم يحرمونهم من الاستقلال
أولًا ليحولوا الأغلبية فيها إلى أقلية ضمن دولة الصرب، لكي تستطيع تلك الدولة
تنفيذ سياسة الإبادة التي تسميها التطهير العرقي بإجراءات داخلية متحصنة بالسيادة
التشريعية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهذه هي السياسة التي تتبعها
إسرائيل باستقدام مهاجرين إلى إقليمها ومنحهم جنسيتها، لكي يتحول العرب في فلسطين
إلى أقلية ليسهل إبادتهم فيها بعد ذلك بالقتل أو الطرد أو التهجير أو الاضطهاد
بجميع صوره وأساليبه.
لذلك
يمكن بسهولة أن يعتقد كثيرون أن اتجاه أمريكا وحلفائها نحو تشجيع الاعتداءات التي
تؤدي إلى إبادة المسلمين في بعض الأقطار إنما كان نتيجة استدراج الصهيونية لها،
لكي تستطيع أن تواصل سياستها في إبادة العرب في فلسطين معتمدة على تأييد الدول
التي شجعت الصرب أو أيدتهم بسكوتها على اعتداءاتهم الإجرامية على شعب البوسنة
والهرسك، رغم أن فظاعتها بلغت حدًا تشمئز منه النفس الإنسانية والفطرة البشرية.
لذلك فإننا يجب أن نتجه إلى مقاومة هذه الخطط الشيطانية وكشف حقيقتها أمام شعوبنا والعالم كله، حتى تظهر حقيقة سياسة الإبادة التي يتولى النظام العالمي الجديد تشجيعها بسكوته عن حقيقتها وبشاعتها، تارة بحجة أنها مشاكل داخلية، وتارة أخرى بالادعاء بعجز هيئة الأمم عن التدخل لوقفها، اكتفاء بالتدخل الأمريكي في المواقع الاستراتيجية التي تريد أمريكا احتلالها لبناء قواعد عسكرية بحرية وجوية فيها، كما يحدث الآن في القرن الإفريقي ومناطق أخرى من العالم.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل