العنوان المسلمون وشبكة الإنترنت
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997
مشاهدات 106
نشر في العدد 1247
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 29-أبريل-1997
أثناء المساومات التي سبقت عقد آخر اتفاقية حول مدينة «الخليل» أردت في إطار كتابة أحد المواضيع البحث عن بعض المعلومات التاريخية حول «الحرم الإبراهيمي الشريف» والمواقف الآنية من القضية، ولجات فيما لجات إلى شبكة المعلومات الإلكترونية «إنترنت»، فلم أعثر إلا على مصدر واحد، وهو ما يسمى «رابطة الخليل اليهودية»، والمستوطنون في المستعمرات اليهودية حول الخليل وفي قلبها هم القائمون عليها!
وفي إطار متابعة ما تنشره الصحف والمجلات العربية التي تستخدم شبكة «إنترنت» أيضًا بحثت عن مصدر جامع لتلك الصحف، لتسهيل عملية البحث من خلال «عنوان إلكتروني» واحد، فوجدت مصدرين، أحدهما هيئة أمريكية، والآخر من الأرض الفلسطينية المحتلة! ومن يبحث عن معلومات أساسية حول البلدان العربية والإسلامية، فلن يعثر في الشبكة التي وصلت في هذه الأثناء إلى الملايين من الأفراد، وما لا يحصى من المؤسسات العلمية والإعلامية- على مصدر جامع سوى «مكتبة الكونجرس الأمريكية» وعلى وجه التحديد، ما تصدره من تقارير سنوية عن مختلف البلدان وفق المنظور امريكي بطبيعة الحال.
لقد أنشأت شبكة «إنترنت» أول ما نشأت في صيغة مشروع أمريكي عسكري استهدف الحيلولة دون أن يتعرض المركز الرئيسي للعقول الإلكترونية الموجهة للأسلحة الأمريكية، إلى ضربة عسكرية مباشرة تشل الطاقة العسكرية الأمريكية دفعة واحدة؛ فكان المطلوب إيجاد نظام اتصالات إلكترونية يسمح بتبادل المعلومات بين مواقع القيادات العسكرية الأمريكية بصورة مباشرة، دون
الاعتماد على المركز الرئيسي وحده، وبتعبير آخر فإن محور شبكة الاتصالات الإلكترونية الحديثة التي شاعت تسميتها بإنترنت، هو توفير إمكانية الاتصال دون حواجز، ودون رقابة مركزية، ودون حدود زمنية، وصحيح أن تعميم الاستفادة من المشروع العسكري في الأصل، قام بأهداف مالية واقتصادية في الدرجة الأولى، إلا أنه أصبح في هذه الأثناء من الأعمدة الرئيسية للتواصل بين مراكز البحوث والجامعات والمعاهد العليا ودور النشر، فضلًا عن وسائل الإعلام المختلفة، وبدأ بالانتشار على المستوى التجاري والاقتصادي، ويجري التخطيط للاستفادة منه في قطاع العلاقات بين الأحزاب والقوى السياسية من جهة والرأي العام، أو الناخبين من الأفراد في الدول الغربية من جهة أخرى. وقد يبين ما وصل إليه الاهتمام الدولي بشبكة إنترنت على سبيل المثال، أن من أبرز المشاركين الرئيسيين في منتدى دافوس السنوي الأخير كان كبار القائمين على صناعة العقول الإلكترونية وبرامجها، وكان حديثهم الرئيسي يدور حول توسيع نطاق الاستفادة من شبكة الاتصالات الحديثة، كما أن بحث وسائل هذه الاستفادة وتطويرها وصل في هذه الأثناء إلى
مؤتمرات كبرى، مثل مؤتمرات الدول الصناعية السبع الرئيسية في العالم، أو اجتماعات مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي.
شبكة مفتوحة
وليس الدخول إلى شبكة «إنترنت» عسيرًا سواء من أجل الحصول على المعلومات، أو بقصد إعطاء المعلومات، فلعل من أبرز سمات هذه الوجه من وجود التقدم المعاصر، أن مبتكريه لا يستطيعون احتكاره كما هم يصنعون مع كثير
من المنتجات التقنية المتطورة الأخرى، فما الذي يمكن أن يفسر إذن ذلك القصور المذهل من جانب المسلمين عن الاستفادة منه؟
لقد شهدنا في السنوات القليلة الماضية، أي السنوات التي رافقت انتشار شبكة إنترنت عالميًا، نشاطًا منقطع النظير في المنطقة العربية الإسلامية، للحاق بركب
«التطور العالمي»، ولكن ليس في ميدان الاتصالات الإلكترونية ناهيك عن ميادين الصناعات الحديثة، وإنما في ميدان نشر القنوات الفضائية على امتداد أراضينا العربية والإسلامية، وتغذيتها بكل غث وسمين يحمل اسم «الفن» وألوان الترفيه البريء. وغير البريء، فلم يدخل فيها بعض المواد الإنتاجية الجادة إلا بصورة جزئية محدودة، فعلام تتوافر لمثل هذه «النهضة الترفيهية» الإمكانات المادية والبشرية والفنية وتتوافر الأرضية السياسية والفكرية بمثل هذه السرعة، ولا يتوافر بعض ذلك لميدان يمكن أن نحقق من خلاله كثيرًا من الأهداف، التي طالما رددنا الرغبة في تحقيقها، وزعمنا عدم توافر الإمكانات الذاتية من أجلها؟
قبل فترة وجيزة كان أحد المفكرين الألمان يتحدث في مؤتمر على أعلى المستويات لرجال القضاء والقانون، ناقدًا ما تشهده الرأسمالية الغربية في الوقت الحاضر من «طفرة أصولية» تمضي بها إلى أشد درجات التطرف على حساب الفئات الأضعف في المجتمع، ويحذر من أخطار ذلك على البنية الهيكلية للمجتمع الغربي،
ويقول فيما يقول: «إن من أكبر الاستنتاجات الخاطئة في أعقاب سقوط الشيوعية الاعتقاد بأن الرأسمالية أثبتت أنها هي المنهج الصحيح للحياة البشرية، لمجرد أنها المنهج المقابل المنظور الوحيد للشيوعية المنهارة، وإذا أردنا الحق يجب أن نقول إن إخفاق هذه لا يعني بالضرورة سلامة سائر ما تصنعه تلك».
والواقع أننا إذا تجاوزنا الأوهام التي صنعتها ويصنعها الانبهار بالتقدم المدنيالحديث، وتجاوزنا الاستنتاجات الضحلة التي تبعت سقوط الشيوعية لتأكيد تفوق الرأسمالية وانفتاح الأبواب أمامها عالميًا، فإن المجتمع الغربي والمجتمعات الخاضعة لمناهجه، تعايش أشد أزمة عرفتها النهضة البشرية الحديثة، منذ انتقلت بذورها من المنطقة الإسلامية مع أواخر العصور الوسيطة الأوروبية حتى الآن، وليست هذه الأزمة قائمة في ميدان الصناعة، والزراعة، والبحوث العلمية، والإنتاج المادي، بل هي في الدرجة الأولى أزمة عقدية خلقية. أزمة قيم وسلوك، ككل أزمة عصفت بدورة حضارية سابقة فأسقطت هياكلها المادية، ومهدت السبيل لننتقل خلاصة التقدم التقني والمادي الذي بلغته إلى دورة حضارية أخرى، بقيم متجددة أخرى، تشكل لها وعاء حضاريًا آخر.
واجب المسلمين
إننا في العصر الحاضر على أبواب نقلة حضارية من هذا القبيل، وشأننا في المنطقة
الإسلامية شأن كل منطقة تشهد إرهاصات مرحلة حضارية جديدة، لا نستطيع نقل الصناعات والتقنيات، بال نستطيع صناعة الوعاء الحضاري الذي لابد أن يحمل في حقبة لاحقة ذروة ما وصلت إليه المدنية في الوقت الحاضر، لمتابعة طريق التقدم البشري بقوة دفع حضارية جديدة، في هذا الميدان بالذات نستطيع أن نقدم من الثوابت العقدية والقيم الإنسانية والخلقية. ما كنا وما نزال نعتز به، ونفخر بالحفاظ عليه وفق وعد رباني ثابت، وفي هذا الميدان بالذات تعتبر وسيلة شبكة الاتصالات الإلكترونية في مقدمة الوسائل المتوافرة بين ايدينا، لتحقيق كثير من الأهداف التي كثيرًا ما تشبثنا بذريعة عدم توافر الإمكانات المناسبة لتحقيقها.
لا أبالغ في القول إن عدد من شهدت إقبالهم على الإسلام. واعتناقهم إياه من شباب الغرب في المدينة التي أعيش فيها، تجاوز خلال عام واحد مضى، مثيلهم خلال أكثر من ربع قرن سبق، فجيل الشباب في الغرب كما نراه رأي العين حيث كتبت علينا الإقامة منذ عشرات السنين متهيئ هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، للاطلاع على ما هو في حاجة إليه من قيم، حجيت عن الأجيال السابقة بمختلف وسائل الحصار، والتضليل، والتزييف، وجيل الشباب في مقدمة من يطرق أبواب شبكة «إنترنت» في الوقت الحاضر، بغرض التسلية حينًا، وبحثًا عن الجديد وحبًا في الاستطلاع في كثير من الأحيان.
في استطاعتنا عير شبكة إنترنت وكذلك عبر القنوات الفضائية وسواها من الوسائل وليست هي موضع الحديث هنا- أن نحقق الكثير، بدءًا بتصحيح تلك الصورة المشوهة التي ما تزال جهات عديدة تسعى لترسيخها عن الإسلام والمسلمين وقضاياهم المصيرية والحيوية، ومرورًا بالتعريف بواقع بلادنا وشعوبنا على كل صعيد فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي وإنساني، وانتهاء بالتعبير عن مواقفنا من القضايا الإنسانية الكبرى ذات الاهتمام الذي يتجاوز الحدود والمسافات. ولا يقتصر الواجب هنا على طرف دون آخر، فبعض الهيئات والمراكز الكبرى، مثل جامعة الأزهر أو رابطة العالم الإسلامي، تستطيع على الأقل أن تنشر عبر شبكة الاتصالات الإلكترونية، نص القرآن الكريم وترجمة معانيه إلى مختلف اللغات الرئيسية، وأمهات كتب الحديث والأصول الفقهية التي تجاوزت بمدلولاتها في بيان سبل تحقيق الخير والهداية في حياة الإنسان سائر الفوارق الزمنية والمكانية. باستطاعة القائمين على الموسوعة العربية الكبرى مثلًا أن يجعلوا من موادها مصدرًا لمن يريد الاستفادة منها بدلًا من الاستفادة من المصادر الأخرى في بحث علمي أو كتاب جديد أو مقال إعلامي، وباستطاعة الجمعيات والروابط الإسلامية التي ما فتنت تشكو من تشويه صورتها الحقيقية أن تتحرك لتقدم تلك الصورة عن نفسها، وباستطاعة الجامعات والمعاهد، ومركز الدراسات، والبحوث العربية والإسلامية، أن تجعل من الشبكة الحديثة وسيلة للتواصل، والتكامل، والتعاون فيما بينها، وتكسر بذلك الحواجز والموانع الحقيقية والمصنعة التي جعلت كثيرًا منها أقرب إلى التعاون مع قريناتها من ديار الغرب منها إلى التعاون مع مثيلاتها داخل الأرض العربية والإسلامية، وفي الإمكان أيضًا أن تتحول شبكة إنترنت إلى ميدان لتحقيق الاستفادة في تلك الجامعات والمعاهد والمراكز من الأدمغة المهاجرة والمهجرة إلى ديار الغرب بغض النظر عن أسباب الهجرة والتهجير.
إن الإمكانات المتوافرة للاستفادة من هذه الوسيلة التقنية الإلكترونية الحديثة ليس لها حدود، ونحن نشهد في الوقت الحاضر مجرد «ميلاد» ما يمكن أن تصل إليه هذه الوسيلة عالميا في قادم الأيام، على نطاق أوسع بكثير قد تقصر عنه تصوراتنا الحالية، وبالتالي فإن كل تخلف عن الشروع في الاستفادة منها الآن يمثل خطيئة كبرى في حق المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم، ولا ينبغي في هذا الميدان أن تزل بنا الأقدام كما هو الحال في ميادين أخرى، والزلل الذي ينبغي أن نتجنب الوقوع فيه هنا ذو وجهين، أحدهما أن يتخلف المخلصون لأمتهم، المتميزون بعقيدتهم وتاريخهم وحضارتهم وهويتهم، المستقلون بسبيلهم عن التبعيات الأجنبية المختلفة، فيتحرك سواهم، كما تحركوا في ميادين أخرى ليست القنوات الفضائية أولها ولن تكون آخرها، ثم إذا بنا ننبري بالشكوى والاحتجاج والبحث عن التشخيص والعلاج، بعد أن نجد أن الحديث عن الإسلام والمسلمين بات ينتشر بألسنة وأقلام يعادي أصحابها الإسلام ولا يخدمون مصلحة المسلمين، أو هم لا ينطلقون من ذلك على الأقل وإنما من اقتناعات أخرى ولتحقيق غايات أخرى.
والوجه الآخر هو أن نجعل من السلبيات الكبيرة التي تنطوي عليها شبكة إنترنت، والتي كثرت الشكوى منها في ديار الغرب وليس في ديارنا الإسلامية نفسها، كزيادة فتح الأبواب أمام الإباحية ومن يروج لها، أن نجعل من ذلك ذريعة لتوجيه الاهتمام الأكبر إلى البحث عن سبل «سد الأبواب» بدلاً من تقديم «البديل الأصلح»، وأن يصبح هذا الاهتمام السلبي في محور جهودنا بدلاً من تركيزها على الإنتاج الإيجابي والتحرك العملي، ولطالما ثبت خطأ هذا الطريق من قبل، كلما سلكه من سلكه لمواجهة وسائل أخرى من الوسائل التي وفرها التقدم التقني الحديث، ومن المزعج والممل أن نضطر إلى التأكيد مرة بعد أخرى أن كل وسيلة من الوسائل التقنية ذات «قيمة حيادية» فإما أن تصبح شرًا بتوظيفها لأغراض سلبية، وإما أن تصبح خيراً بتوظيفها لأغراض إيجابية، فليست المسؤولية مسؤولية تلك «الوسيلة» ولا من يبتكرها، ولا هي حتى مسؤولية من يجتهد في خدمة الشيطان عن طريقها، فذاك ما سيجد عليه الحساب أجلًا أو عاجلًا، وإنما هي في نهاية المطاف مسؤولية القادرين على الاستفادة من الوسائل الجديدة، ثم لا يصنعون ذلك، وعلى توظيفها كما ينبغي وتوجيهها على النحو الأفضل والأمثل، ثم هم يصطنعون الذرائع لقصورهم وتقصيرهم، وهو ما لا نرجوه في هذا الميدان، بل نعلق الأمل الأكبر على أن يجد من القادرين المخلصين والعاملين الدائبين في بلادنا العربية والإسلامية وفي كل مكان، من يجعله مدخلاً إلى مرحلة جديدة نقبل عليها في المرحلة الحاضرة من تاريخنا، ولا يستهان بشأن ما سيكون لها من تأثير على المسلمين وقضاياهم في المستقبل القريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل