العنوان د. عبد الرحمن الزنيدي رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود: المشروع الحضاري في حاجة إلى حركة اجتهادية تستصحب فقه الشريعة والواقع
الكاتب عبدالحي شاهين
تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1592
نشر في الصفحة 44
السبت 13-مارس-2004
أكد الدكتور عبد الرحمن الزنيدي رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والباحث بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، أن الإسلام جاء بنظريات ومفاهيم واضحة ومحددة في مسائل السياسة والاقتصاد والتربية، تشكل في مجموعها قواعد لانطلاق المشروع الحضاري الإسلامي للأمة، متجاوزًا التحديات التي يواجهها في طريق النهضة والإبداع.
وقال الدكتور الزنيدي الذي يعتبر من القلائل المهتمين بمسألة تأصيل وأسلمة العلوم: إن المشروع الحضاري الإسلامي هو رؤية موحدة للكون والوجود والإنسان، يحتمل أعلى درجات الصحة واليقين والشمول لتفسير الوجود بكل موجوداته، مشيرًا إلى أن العولمة والحراك السياسي العالمي والصهيونية يمثلون تحديات ضخمة أمام المشروع الإسلامي، مؤكدًا في الوقت ذاته أن هذه التحديات غير قادرة على إسقاط المشروع إذا أحسن المسلمون التعاطي معها، واستغلوا ما تتيحه العولمة الإعلامية من فرص.
وأشاد الزنيدي في حواره مع المجتمع بالصحوة الإسلامية التي تعم العالم الآن، وأرجعها لتعري تيارات التغريب على حقيقتها، ولإلحاح الفطرة لدي أبناء الأمة الإسلامية وبقايا الحس الديني فيها، وقال: إنه رغم الضغوط التي تواجهها الصحوة إلا أنها تتقدم بخطى وئيدة واثقة نحو الأمام.
في رأيك هل يمتلك المسلمون حاليًا مشروعًا حضاريًّا على غرار المشاريع الليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والقومية؟ وكيف تعرفه وما مفهومك له؟
المسلمون يمتلكون قاعدة المشروع الحضاري وكثيرًا من وسائل تحقيقه، لكنهم لا يملكون المشروع بصفته مجموعة نظريات في التربية والاقتصاد والسياسة والنهضة ونحوها بصورة مؤصلة ومفصلة ومساوقة للسقف الحضاري المعاصر، ولم يتحققوا بالمشروع أيضًا هذا إجمال يحتاج إلى توضيح.
قاعدة المشروع؛ أي مشروع هو رؤية للوجود والكون والحياة وللإنسان تحمل درجة من التأهل لتقوم عليها نهضة حضارية للأمة.. والمسلمون يمتلكون هذه القاعدة التي تحمل أعلى درجات الصحة واليقين والشمول لتفسير الوجود بكل موجوداته؛ لأن مصدرها الوحي الإلهي الذي يمثل علمًا ربانيًّا منزهًا عن الخطأ والنقص.
أما وسائل تحقيق المشروع فمنها وعي العصر الذي يعيشون فيه، وتوافر الإمكانات المادية والبشرية، وكلها متوافرة أو ميسرة التوافر. نعم هناك تحديات عائقة؛ لكنها يمكن أن تكون حوافز دافعة نحو مزيد من الإبداع والاستجابة الفاعلة.
أما المشروع ذاته - من حيث هو نظريات شاملة في شؤون الاقتصاد والسياسة والتربية والدعوة والمرأة والعلاقة بالآخرين والفن والأدب... إلخ فإنه يكون مرتكزًا على تلك الرؤية الكونية، ومستوعبًا لمتطلبات السقف الحضاري المعاصر بما فيه من منجزات وتحديات، فهذه فيها بلا ريب تخلف عن المفترض في مسيرة أمتنا المعاصرة، وإن كانت هناك جهود ومحاولات مشكورة من دول أو أفراد أو مؤسسات؛ لكنها لم تنضج أو تصل لدرجة الإقناع لكثير من فئات الأمة.
أما التحقق بهذا المشروع فهو أبعد من درجة التنظير السابقة... وما يوجد من تطبيقات فهي لا تزال جهودًا متناثرة لا تمثل مسارًا حضاريًّا متكاملة جوانبه ومتناغمة تنوعاته.
لا بد أن أشير - هنا - إلى أن المشروع الحضاري متماسك بين جوانبه من جهة وبين جانبيه النظري والتطبيقي من جهة أخرى؛ إذ إن التطبيق هو الذي يكشف الجوانب السلبية والإيجابية فيتم التقويم والترشيد للاندفاع في النهوض الحضاري شيئًا فشيئًا، فعدا قاعدة المشروع؛ أي الرؤية الكونية المتمثلة بما جاء به القرآن والسنة، مبادئ عقدية وأحكامًا شرعية - والتي لا تزال في الجانب العقدي الدراسي لدى كثير من المسلمين مرتهنة للنمط الكلامي القديم - ليس هناك شيء يكتمل مرة واحدة، وإنما يتكامل وينضج بالتتابع الزمني للتنظير، ومن ثم للتطبيق، فالمشروع الحضاري لأي أمة هو رؤية للوجود، ينبثق منها تنظير لشؤون الحياة المختلفة تكون على مقاس هذه الأمة وفي حدود السقف الحضاري العالمي الذي تعيش فيه، وتقوم الأمة من خلال إرادة مشتركة بين عموم أفرادها وعبر مؤسساتها ودولها بتمثل هذا التنظير واقعًا؛ أي تطبيقه في مجالات الحياة وإنضاجه خلال تتابع التجارب.
كيف ترون مستقبل هذا المشروع في ظل طوفان العولمة والحراك السياسي العالمي الحالي؟
العولمة والحراك السياسي العالمي الراهن والمشروع الصهيوني تحديات ضخمة أمام المشروع الإسلامي الحضاري، بل أستطيع أن أقول: إن هذا المشروع هو الغرض المقتصد ابتداءً بهذه التحديات، وكثير من الغربيين مفكرين وسياسيين يكشفون هذا صراحة.
لكن هذه التحديات لن تسقط المشروع، ولن تقضي على مستقبله إذا أحسن المسلمون التعاطي معها فاستغلوا ما تتيحه من فرص معطيات العولمة الإعلامية (مثلًا) واستثمروا التحديات المواجهة بجعلها عوامل تحفيز واستثارة الطاقة الأمة للمواجهة الرشيدة.
ما موقع (الثقافة) في الخطاب الفكري الإسلامي الذي تناصرونه؟
على الرغم من تعدد معاني الثقافة إلا أنها الآن أصبحت تتحدد بعناصر ثلاثة:
النظر للوجود.
القيم الخلقية والفكرية والجمالية.
النظم العملية في الحياة.
ولهذا تختلف الأمم بثقافتها، ويجري الصراع بينها بدافع ثقافي في الأغلب، ولذلك تأتي الثقافة غالبًا موصوفة اشتراكية - ليبرالية – هندوسية - يهودية ... إلخ) على هذا تكون ثقافتنا نحن المسلمين هي الثقافة الإسلامية التي تتبلور تحديدًا بأنها تلك العناصر الثلاثة مستمدة من مصدري الإسلام: القرآن والسنة أو دائرة في فلكهما، وهنا يتحدد موقعها بأنها تمثل قاعدة المشروع الحضاري للأمة؛ سواء في الجانب الموحى قرآنًا وسنة، أو الجانب الاجتهادي تنظيرًا وتطبيقًا.
وإذا كان لا إشكال في الأول، فإن الثاني هو مجال الإشكال عند المسلمين الآن؛ إذ إن الجانب الاجتهادي لا يكفي فيه أن نمتح من صور التنظير والتطبيق الذي تم لحضارة المسلمين في القرون الأولى لاختلاف الطبيعة الحضارية والأنماط الفكرية والمدنية عما نعيشه الآن، ولا يعني أن نمتح أيضًا من المشروعات المعاصرة من صورة حضارية قامت على قواعد رؤية للوجود مختلفة عن القاعدة التي ترتكز عليها أمتنا.
إن المنهج السليم المطلوب لتنظير، ومن ثم لتطبيق سليم للمشروع الحضاري الإسلامي هو قيام حركة اجتهادية - بل حركات - مرتكزة على فقه بالشريعة ووعي متماسك بالعصر الحاضر بكل إنجازاته ومشكلاته، ووعي براهن الأمة بإمكاناتها وصعوباتها، وتقوم هذه الحركة ببناء أنساق المشروع الحضاري نظريًّا ومتابعة تطبيقاتها عمليًّا بالتسديد والترشيد.
هنا فحسب يمكن للأمة تحقيق الظهور الحضاري الذي يطمح إليه.
* الصحوة الإسلامية تتقدم بثقة رغم الضغوط العالمية
* أسلمة المعرفة لا تعني التحول إلى الإفتاء
* الدين شامل يستوعب الحياة البشرية بكل تجدداتها
طبعًا هذا لا يعني أن شيئًا من الجهود الاجتهادية لم يحصل، كلا إن خطوات متعددة مشكورة بذلت في هذا المجال الاقتصاد الإسلامي التربية مثلًا) (بعض التطبيقات في بعض الدول الإسلامية).. إلخ، لكني أتحدث عن هبة حضارية شاملة للأمة.
لماذا يتصدر الخطاب السياسي ويبرز عند الإسلاميين فيما يتضاءل الفكري بعكس التيارات الأخرى في العالم العربي والإسلامي؟
الحكم الذي أصدره السؤال ليس - في تصوري – سليمًا، فالخطاب الإسلامي متوزع على مجالات عدة، من بينها السياسي، ويبدو لي أن الوضع لدى الإسلاميين مماثل للتيارات الأخرى، بل تلك التيارات في المجال السياسي أظهر وأجلى، ربما نتيجة مواقف الأنظمة منها المختلف عن موقفها من التيار الإسلامي.
هناك مثلًا مركز دراسات الوحدة العربية، وهناك المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، هناك أهل الأدب والفن لدى غير الإسلاميين، وهناك الجمعيات الدعوية والمؤسسات الثقافية الإسلامية، وفي الجانب السياسي هناك الأحزاب تقابلها جماعات ومؤسسات دعوية تهتم بالشأن السياسي أغلبها ممنوع رسميًّا.
ومعارض الكتب العربية تعكس الإنتاج الإسلامي الكبير في المجال الثقافي، وأيضًا الاستهلاك للكتب الإسلامية التي يدور كثير منها حول دراسات لقضايا اجتماعية أو تراثية؛ أي أنها فكر مجرد. أقول هذا تصحيحًا لحكم السؤال لا تبريرًا لمسلك العزوف عن الجانب السياسي.
فالإسلام الذي ينتحله هؤلاء الإسلاميون جاء شاملًا لكل لجوانب السياسة في العالم الإسلامي اليوم تقبض على مفاصل المجتمع في التربية والثقافة والفنون وغيرها؛ مما يعني أهمية وجود خطاب سياسي يتوخى الإصلاح ما استطاع في ضوء موازنة المصالح والمفاسد، ساعيًا إلى تكميل المصالح أو تحصيلها ما أمكن وتعطيل المفاسد أو تقليلها ما أمكن).
ومع هذا لا شك أن البناء الفكري والتأهيل التربوي للإسلاميين المتصدين لعملية الإصلاح وللأمة في مجموعها أساس ينبغي أن يقوم عليه الإصلاح في المجالات الاجتماعية الأخرى سياسية وغيرها.
كيف تنظرون إلى جذور وطبيعة الصحوة الإسلامية، وهل هي نتاج تراكم معرفي وثقافي على مر العقود الماضية؟
الصحوة الإسلامية التي تبلورت بصفتها ظاهرة عالمية منذ ربع قرن أو أكثر تنضح وتعم شيئًا فشيئًا، قد بدت عودة إلى الله بعد شرود استخف الأمة فيه بعض التائهين من أبنائها السياسيين والمفكرين الذين استهوتهم دوائر عدوة للأمة أرادت أن تنتقم منها بعد أن قاومت استعمارها ولكن إلحاح الفطرة لدى الأمة وبقايا الحس الديني وانكشاف التيارات المتغربة على حقيقتها التي انحدرت بالأمة إلى أسوأ حضيض لم تنزل إليه - ربما في تاريخها اندحارًا عسكريًّا وانهيارًا اقتصاديًّا وتخلفًا حضاريًّا شاملًا، يرعي هذه الإلحاح الفطري والكشف لسوأة التغريب، دعاة وحركات إسلامية لم يعقها البطش ولا الكيد المتواصل، كل هذا وغيره أسهم بعد إرادة الله في بعث هذه الصحوة ودفعها نحو الأمام لأداء دورها الإصلاحي للأمة.
والصحوة الإسلامية اليوم وإن كانت تواجه ضغطًا عالميًّا إلا أنها تتقدم بخطى وئيدة وتزداد ثقة بذاتها في وضوح مشروعها من جهة وفي اصطفاء شرائح ذات مواقع مؤثرة، والضغط إذا أحسن استثماره فربما كان في صالح الواقع تحته خاصة في مثل الضغوط الراهنة بالنسبة للصحوة الإسلامية.
يعتبر مؤلفكم (مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي في ضوء الإسلام) من الكتب القليلة التي تؤصل لمفهوم أسلمة المعرفة، وهو مصطلح لقى الكثير من الجدل في الأعوام الأخيرة، واعتبره التيار الرافض له تهديدًا للإبداع ومعرقلًا لنشاط الفكر الخلاق... كيف تردون على هذه الأقوال؟
مشكلة الفكر العربي المعاصر أن كثيرًا من كتابه يعتمد التهويل في التنفير مما لا يتسق مع رغباته، وهناك مشكلة أخرى في قضية الأسلمة أو تأصيل العلوم إسلاميًّا تتمثل في الأساس الذي ترتكز عليه، والذي ينبغي أن يكون منطلقًا لتحرير الخلاف بين المختلفين.
في هذا السؤال عبارات مثل تهديد الإبداع، عرقلة نشاط الفكر الخلاق، فما معنى أن يكون إسلام الشخص استقامته على الإسلام فكرًا وسلوكًا مهددًا للإبداع ومعرقلًا للنشاط الخلاق المنظر للمسألة منطقيًّا أن يقول شخص غير مسلم (وجودي ملحد مثلًا) إن الله خرافة، ولأن إنسانية الإنسان من وضع الله كما يقول الأقدمون فقد سقطت ويعود الإنسان ليكون موجودًا مضاهيًا للحيوان، أن يقول هذا وبعده إبداعًا لأنه رؤية جديدة لا يوجد لها بديل أحق وأعلى، ويرفض المنهج الذي يمنع فكره من هذا الانطلاق؛ لأنه لا يؤمن أصلًا، فهذا شيء مفهوم، لكن أن يقول مسلم يؤمن بالله ويؤمن بأن إنسانية الإنسان بسموها الروحي وقيمها الخلقية حقيقة أقام الله عليها الدين بعقيدته وشريعته، أن يقول هذا المسلم ما قاله الوجودي السابق، ثم يعد هذا إبداعًا؛ فإنه التناقض حقًا : لأنه إما أنه لا يؤمن بالله وإنسانية الإنسان فهو أساسًا ليس بمسلم، وأسلمة المعرفة مناطها الإنسان المسلم، وإما أنه مؤمن فهو يعي تلقائيًّا أن ما يسميه إبداعًا هو خرافة ودجل، وهل الدجل والتخريف إبداع وفكر خلاق؟
نعم قد يلتمس لبعض المتخوفين من هذه الأسلمة عذر في تصورهم أن الأسلمة تعني أنه يطلب منهم أن يتحولوا إلى مفتين يتابعون جزئيات الشأن الاجتماعي والثقافي بالأحكام الصارمة، وإلا لاحقتهم الأحكام الصارمة من متابعيهم، ولهذا فإن المنطق السليم لمن يريد اتخاذ موقف راشد مسؤول من الأسلمة أن يعرف أولًا حقيقة الدين الذي لا يكون مسلمًا حقًّا إلا بالاستقامة عليه بالذات في المجال الفكري، ثم يتعرف حقيقة الأسلمة التي يفترض أن يكون من مشايعيها بصفته مسلمًا. وسيجد بشكل عام أن الحقيقتين تتماهيان.
لكن ألا تعتبر أن التيار الداعي لأسلمة المعرفة لا يزال في طور التعريف بالمصطلح، ولم ينطلق إلى اتخاذ خطوات عملية في طرح العلوم العصرية وفق منهج الإسلام.
حسب معرفتي غير الاستقصائية لمسيرة تأصيل المعرفة إسلاميًّا أنها خطت خطوات مشكورة في عملية التأصيل: التربية - الاقتصاد - الأدب ونحوها.
ولكنها ما زالت تواصل عملية التعريف بالمصطلح خاصة، وأنه في الآونة الأخيرة كثرت التساؤلات الجادة من مفكرين كانوا فيما مضى لا يرفعون بمثل هذه الطروحات وليس لديهم تصورات موثقة تغنيهم عن إعادة التأكيد على حقيقة المراد بهذا المصطلح.
هل تقدم مؤسسات العالم الإسلامي العلمية والثقافية أي دعم في تعزيز طرح (أسلمة المعرفة)؟
ينبغي على مؤسسات العالم الإسلامي العلمية والثقافية أن تدعم هذا التوجه بأن تفسح له المجال؛ ليمارس حقه ويثبت وجوده، ثم تقوم نشاطه بعد ذلك، وليكن لها على الأقل أسوة بكثير من البنوك التي افتتحت لها فروعًا تتعامل بالطرق الشرعية في الاقتصاد، وقد أثبتت هذه الفروع نجاحها مما جعل هذه البنوك تتوسع فيها وتتنافس.
الحداثة في التكوين الفكري الإسلامي... ماذا تعني عندكم؟ ومتى بدأت؟
الحداثة مصطلح يطلق على المرحلة النهضوية لدى الغرب المتمثلة بالانصراف عن الله ورفض منبعي التراث والدين، وإقامة الحياة الاجتماعية على قواعد دنيوية مبتوتة الصلة بالدين ونحو ذلك، وهي التي ظهرت بدايات بعض إفرازاتها في النصف الأول من القرن العشرين لدى طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي، وعلي عبد الرازق ونحوهم، ثم في فنون الأدب الساخرة بالدين والوحي، وهي نشاز في البيئة الإسلامية؛ ولذا بقيت مرفوضة ثم ملفوظة من عموم الأمة إلا المجموعات المتعيشة عليها.
الدعوة الإسلامية تمر بمرحلة اختبار لمدى قدرتها على التكيف مع المتغيرات العالمية
الدعوة الإسلامية الآن في مفترق طرق... كيف تنظرون إلى واقعها؟
الدعوة الإسلامية بكل صور جهودها التربوية والفكرية والمؤسساتية تمر الآن بمرحلة اختبار لمدى قدرتها على تكييف نفسها مع متغيرات ربما لم تعهدها من قبل، وعلى إحسانها استثمار ما أمامها من تحديات أو فرص في سبيل تدعيم وجودها والتمكين لرسالتها.
إن الأحداث الجارية تنتقل بها من المحلية والخصوصية إلى التفاعل الحضاري الأوسع، ومن الجهود شبه الارتجالية فردية وتعاونية إلى أعمال تخطيطية ومواقف استراتيجية، فهل تحسن الانتقال؟ أنا متفائل بخير كثير إن شاء الله.
ماذا عن طبيعة المعرفة في الإسلام، وكيف بينتم منهج الإسلام في تصنيف مصادر المعرفة في كتابكم مصادر المعرفة»؟
الكتاب بحث علمي شامل لكثير من مصادر المعرفة وليس محصورًا بالعقل والوحي على ما هو المعتاد في هذا المجال.
لقد كان الهدف الأساس إبراز موقع (الوحي) بصفته مصدرًا للعلم اليقيني، وإثبات وجود معطى موثوق النسبة إلى هذا الوحي متمثلًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهاتان هما العقدة الكبرى في نظرية المعرفة في الفكر الأوربي الحديث إنكارًا للوحي بصفته مصدرًا للمعرفة، أو افتراض إمكانية الوحي مبدئيًّا، لكن مع إنكار حاسم لوجود معارف ثابتة النسبة لهذا الوحي المفترض.
الهدف الثاني هو إبراز موقع الوحي بين مصادر المعرفة الأخرى، وخلاصة ذلك أن للعلم مصدرين رئيسين هما العقل والوحي:
الفكر الأوروبي أنكر الوحي كمصدر للمعرفة وقصره على العقل
1- العقل يتمثل في مبادئ أولية طبع الله مجال معرفة الإنسان بها، كما فطره عليها.
2- أخصب مجال هيئ العقل للحركة فيه هو عالم الشهادة (عالم الطبيعة والحياة الإنسانية بما فيهما من سنن وقوانين) والعقل هو الدليل المرشد للإنسان نحو المصدر الثاني (الوحي) من حيث التحقق من صحته، وسلامته، وضرورة الاعتصام به.
3- الوحي هو التعليم من الله مباشرة، أو بواسطة الملك إلى أنبيائه بعلم ما يحتاجه الإنسان مما لا يستطيع في الأغلب تحقيقه بالمصدر السابق.
4- من أعظم اختصاصات الوحي مصدرًا لمعرفتها الوجود الغيبي. كما أن منها تحديد منهج السلوك الإنساني في هذه الحياة.
5- ولكن هذين المصدرين ليسا منفصلين عن بعضهما البعض؛ فضلًا عن أن يكونا ضدين يعمل كل منهما في مجال مستقل - تمامًا - عن الآخر، إنهما مصدران للمعرفة الإنسانية في كل مجالاتها، حتى وإن كثف علم كل منهما في مجال أكثر من الآخر.
6- لكن أساسيتهما في مصدرية المعرفة وتكاملهما فيها والانسجام التام بينهما لا يعني أنهما ندان متعادلان في يقينية ما يقدمانه.
إن أحدهما حق مطلق فيما يقدمه من علم، ومن ثم فهو يمثل الأصل، وهو الوحي؛ لأنه علم مباشر من علم الله المطلق الصدق، أما العقل فهو محدود بحكم كونه ملكة إنسانية، ومن ثم فهو تابع للوحي.
7- أما المصادر الأخرى للمعرفة، فإنها تعتبر تابعة لهذين المصدرين ومتفرعة عنهما:
أ- فالحواس وسيلة الإنسان لإدراك الطبيعة من حوله، ما هي إلا أدوات يستعين بها العقل؛ إذ لو جردت الإدراكات الحسية من حركة العقل فيها لفقدت قيمتها.
ب- أما الإلهام والرؤى، فإنها من حيث الأصل مصدر للمعرفة وهي نوع الوحي، لكنها في المجال الواقعي لا تمثل مصدر معرفة موثوق بما يقدمه؛ وذلك لعدم يقينية مصدرها هل هو الله أو الشيطان أو النفس؟
وعدم يقينية المعرفة الصادرة عنها؛ لأنها فردية تختص بالشخص المدعى لها - وحده - دون استطاعته إقناع غيره بصدق دعواه، ومن ثم لا يعدو ما يأتي عن طريقها أن يكون توقعًا واحتمالًا لا علمًا، باستثناء رؤى الأنبياء فهي حق؛ لأنها وحي من الله دائمًا.
ج- أما الحدس الوجداني الذي يتمثل في الكشف الصوفي، على أي صورة من صوره، والذي يتصور صاحبه أنه يحقق له بعد تخليص النفس من آثار المادة وتأثيرات الجسم تساميًا، يطلع من خلاله على حقائق عالم ما وراء الطبيعة التي لا تأتي بها المصادر الأخرى، فإنه لا يتجاوز كونه فرديًّا لمن اتجه إليه، ومفتقدا وسائل التحقق من صدقه؛ بل إن الواقع يؤكد وقوع الأخطاء فيه من خلال التناقضات التي يقدمها الإشراقيون عن طريق كشفهم، أو قولهم بما يرفضه الوحي والعقل مصدرا المعرفة الأصليان وبالتالي يفتقد مبرر اعتماده مصدرًا للمعرفة العلمية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل