العنوان المشكلة الإريترية العرب خارج اللعبة. والأمريكان يخططون
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 931
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
بعد كفاح استمر أكثر من ربع قرن من الزمن
ومعاناة شعب بأكمله دامت عقودًا من السنين، ظهرت ملامح المؤامرة النهائية على إرتيريا
وشعبها الذي يجاهد من أجل الحرية والاستقلال وذلك عندما تم الإعلان عن بدء الحوار بين
الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا والوفد الإثيوبي تحت إشراف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي
كارتر، مع غياب عربي واضح عن قضية هذا الجزء العزيز من الوطن العربي المسلم، وهذا من
شأنه إنهاء القضية الإريترية وإغلاق ملفها وإهدار دماء مئات الألوف من الأبرياء الذين
راحوا ضحية العدوان الإثيوبي خلال (28) عامًا من نضالهم من أجل الحق والوطن ومن أجل
الحفاظ على العقيدة والذود عن حمى الدين، ومن الواضح أن الأصابع الصليبية المتمثلة
بالإثيوبيين والجبهة الشعبية التي يسيطر عليها النصارى.. والأميركي كارتر.. قرروا جميعًا
الاتفاق على شكل للحل بغية ضرب الجهاد الإسلامي الصادق.. أما أداة التنفيذ فهي الجبهة
الشعبية التي أعلنت حربًا على المجاهدين.
إن نشأة الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا
في منتصف السبعينيات كانت لإنهاء نشاط جهاد الشعب الإرتيري المسلم، ويقع اللوم في ذلك
على قادة جبهة تحرير إرتيريا بفصائلهم المختلفة حيث إنهم كانوا وراء انحراف الجبهة
عن مسارها الصحيح وتغلغل العناصر العلمانية والشيوعية في الجبهة وفي النهاية دخول أعداد
هائلة من المسيحيين فيها وامتلاكهم ناصية الأمر في غفلة من القادة المسلمين الذين لم
تكن عندهم رؤية إسلامية شاملة حول أبعاد القضية ولا تصورًا واضحًا عن مصير الشعب الإرتيري
بعد الكفاح والنضال.
وقد اغتنم النصارى الفرصة فبدأوا يتدفقون
في أعداد هائلة على قواعد الثوار وأعلنوا انضمامهم إلى الحركات التحريرية تحت خطة مدروسة،
ولما تمكنوا من الاستيلاء على مرافق وممتلكات الجبهة أعلنوا عن قيام الجبهة الشعبية
لتحرير إرتيريا.. وسرعان ما أصبحت الجبهة الشعبية ذات نشاط ملحوظ في إرتيريا حيث بدأت
تتلقى الدعم المعنوي والمادي من مجمع الكنائس العالمي، ودول السوق الأوروبية كما أن
العناصر المسيحية من داخل إثيوبيا بدأت تساند الجبهة بهدف إبادة المسلمين وتهيئة المناخ
لإقامة دولة نصرانية قوية في هذا الجزء الحساس من القرن الأفريقي، ولما تمكنت الجبهة
من طرد أعداد كبيرة من المسلمين إلى الأراضي السودانية قامت بحملة واسعة ضد المسلمين
العزل من سكان القرى والأرياف كما حصل في سبتمبر من عام 1988 حيث قامت الجبهة الشعبية
بشن هجوم مع أكثر من 60 قرية من قرى المسلمين وقتل عدد كبير منهم وسبي النساء المسلمات
وإجبار الأطفال على قبول المسيحية بعد انتزاعهم من المدارس والكتاتيب.. وهكذا فإن أقل
ما يمكن أن يقال عن الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا إنها تنظيم نصراني ينتهج نظامًا
علمانيًا ويحارب اللغة العربية ويضمر العداء والحقد ضد المسلمين، وتنفيذًا للمؤامرة
فقد قامت الجبهة الشعبية بتقسيم الشعب الإرتيري إلى قوميات وأثارت فيهم الأحقاد والنوازع
العرقية واعتبرت القومية التجرينية من أكبر القوميات لأن معظم المنتمين إليها يعتنقون
النصرانية.
وتهدف الجبهة الشعبية من خلال هذه التقسيمات
إلى محاربة الإسلام، وتغيير الخارطة الإريترية عن طريق التشكيك في بنية الشعب الإرتيري
والتقليل من شأن المسلمين، وهذا الوضع هو الذي دفع العناصر المخلصة من المسلمين إلى
إعلان البراءة من كافة التنظيمات الموجودة في الساحة الإريترية وإنشاء «حركة الجهاد
الإسلامي لتحرير إرتيريا» ليتمكنوا من إرجاع الثورة الإريترية إلى مسارها الصحيح حيث
إن المسلمين هم الذين يشكلون أغلبية مطلقة بين الشعب الإرتيري.
وتركز حركة الجهاد الإسلامي لتحرير إرتيريا
على الاستمرار في الكفاح المسلح والاهتمام بنشر الثقافة الإسلامية بهدف إنقاذ أبناء
المسلمين من براثن الإرساليات التبشيرية وقد أنشأت الحركة بهذا الهدف مئات من المدارس
والمعاهد داخل إرتيريا وفي معسكرات للاجئين الإرتيريين بالسودان.
كما أن حركة الجهاد الإسلامي تؤكد على الروابط
العضوية والتاريخية والثقافية بالأمة العربية والإسلامية، وتعمل من أجل توحيد الثورة
الإريترية والقضاء على الخلافات والتشرذم القائم بين فصائل الثورة المختلفة.
واليوم بعد أن كشفت الجبهة الشعبية لتحرير
إرتيريا عن وجهها الحقيقي بقبولها التفاوض المنفرد مع النظام الإثيوبي وتحت إشراف أميركا
أصبح من الواجب على كافة الفصائل الأخرى أن تراجع نفسها وتتوحد تحت راية الإسلام وتبتعد
عن الشعارات العلمانية التي جعلتهم في مؤخرة الصف.
إن الولايات المتحدة الأميركية، كان لها
دور مباشر في خلق الأزمة الإرتيرية وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها في منطقة القرن
الأفريقي ومن أجل تقوية ربيبتها إسرائيل على سواحل البحر الأحمر وفي موقع استراتيجي
وعسكري هام لتكون عامل ضغط دائم على الدول العربية المجاورة.. وكعادتها ظلت الولايات
المتحدة الأميركية على الحفاظ بعلاقاتها مع فصائل الثورة الإرتيرية المختلفة غير أن
نصيب الأسد من الدعم الأميركي كان للجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا.. وها هي أميركا تحاول
بشكل علني أن تدمر جهود ربع قرن من جهود الإرتيريين، وذلك بتقوية الجبهة الشعبية وتخصيصها
دون غيرها للدخول في المفاوضات مع النظام الإثيوبي ويشرف على المفاوضات الرئيس الأميركي
السابق جيمي كارتر بنفسه، وتعقد المفاوضات في أتلانتا بعيدًا عن العواصم العربية..
ليكتمل الغياب العربي نهائيًا عن المؤامرة التي تديرها الولايات المتحدة ضد شعب عربي
مسلم، وليتم تمييع القضية واستدراج شعب إرتيريا إلى إلقاء السلاح وقبول الاستسلام والركض
وراء سراب الحكم الذاتي مع تقسيم إرتيريا إلى منطقتين: منطقة المرتفعات وتكون خاضعة
للعناصر المسيحية ومنطقة المنخفضات وتكون تحت سيطرة المسلمين وتتم عملية بلقنة إرتيريا
على أساس ترجيح كفة المسيحيين على المسلمين.
هذه هي الخطة التي كانت تدبر منذ سنين وقد
جاء الآن وقت تنفيذها.. فهل يعي الشعب الإرتيري المسلم ما يخطط من أجل حرمانه من الحرية
والاستقلال.. وفرض حياة الذل والاستسلام عليه؟
وهل تدرك جبهات الإرتيريين المتناثرة التي
ضيعت الكثير من إمكانياتها تحت شعارات العلمانية والبعثية والاشتراكية الخادعة مع أنها
تتخذ من المسلمين قاعدة لها ومسارًا؟
إن القضية في إرتيريا قضية دينية بحتة،
وإن الجهود الدولية التي تديرها أميركا سوف تنصب في ترجيح كفة المسيحيين على المسلمين،
وكفة القوميات الأخرى على القومية العربية.
على أن هذا الواقع المرير الذي يكتنفه تدخل
أميركي سافر يجعلنا نحمل الأسرة العربية والإسلامية المسؤولية كاملة.. وإذا كانت إرتيريا
العربية الإسلامية جزءًا من الجسد العربي والإسلامي.. فلماذا تترك قضيتها.. وتترك مأساة
شعبها لكارتر الأميركي.. ومنغستو الصليبي؟
إننا ندعو كلًا من الجامعة العربية ومنظمة
المؤتمر الإسلامي إلى تحمل المسؤولية والعمل على إيجاد الحل العربي الإسلامي لمأساة
أشقائنا في إرتيريا المنكوبة.. ولن يكون ذلك إلا بدعم المجاهدين الحقيقيين وكشف زيف
الجبهة الشعبية وفق ما بيناه.. وليتذكر المسؤولون في أمتنا الإسلامية -وهم دعاة الأمة-
حديث رسول الله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».. وليتذكروا أيضًا: «المسلم أخو المسلم»
فهل نحقق -على مستوى شعوبنا وحكامنا- صفة الإيمان في نفوسنا بنصرة هؤلاء الأشقاء المظلومين؟
نأمل ذلك.