; إرتيريا الجبهة الشعبية وطمس الهوية الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان إرتيريا الجبهة الشعبية وطمس الهوية الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987

مشاهدات 80

نشر في العدد 811

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 31-مارس-1987

● وحدة المجاهدين الإرتيريين على النهج الإسلامي هو الطريق الصحيح للتحرير.

إن مما يندى له الجنين ويتقطع له القلب كمدًا، أن كثيرًا من ديارنا الإسلامية- ومنها أرتيريا- إلا ما رحم ربك تعج وتموج بتيارات فكرية منحرفة، ومبادئ هدامة، ونظريات وأيدولوجيات لا تتفق ومعتقدات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، الأمر الذي جعل كثيرًا من الشباب ينجرف وراء تلك التيارات الإلحادية، والشعارات البراقة التي لا تَمُت إلى عالم الواقع بِصِلة، فتمرغ هؤلاء الشباب في حمأتها، وشربوا من مستنقعاتها الآسنة، وانصهروا في بوتقتها، وتنكروا هو يتهم الإسلامية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث أصبح الشباب دعاة ومنظرين للإلحاد، وبالتالي أضحت كثير من البلاد الإسلامية معاقل كُفر، وبؤر فساد يستشري منها الباطل، وأطل منها على المجتمع المسلم كابوس حالك وظلام دامس؛ فأصبح المسلم يتخبط في دياجير تلك المبادئ الإلحادية، ولم تكن الرؤية الإسلامية واضحة أمامهم.

والجبهة الشعبية إحدى تلك التيارات الإلحادية التي تحاول طمس الهوية الإسلامية في أرتيريا. 

وقبل أن نتحدث عن ممارساتها الإجرامية ضد الإسلام والمسلمين في إرتيريا ليستحسن أن نلقي الضوء حول أسباب قيام هذا التنظيم. 

كانت الثورة الإرتيرية تعيش تحت قيادة واحدة طيلة السنوات الخمس الأولى من تأسيسها، وعندما طبقت حرفيًا- وقبل دراسة مسبقة- تجربة الثورة الجزائرية في تقسيم الثورة حسب المناطق عام ١٩٦٥ دب الخلاف، وسرت جرثومة الإقليمية والنعرات القبلية في عروق القيادات، وبرزت الدوافع الذاتية وأطماع المناصب في القيادات، وظهرت عوامل التفرقة والانشقاق في الثورة؛ إلا أنهم تنبهوا لهذا الخطر الداهم الذي يتهدد الثورة، فحاولوا أن يعيدوا المياه إلى مجاريها، وعمدوا إلى عدة وسائل من شأنها رأب الصدع، والقضاء على جرثومة الخلاف، وجمع المقاتلين تحت قيادة واحدة، وعندما تقترب ساعة النصر كانت العناصر الانتهازية تؤجج نار الخلاف مرة أخرى؛ فيزداد الخرق على الراقع، وتتسع هوة الانقسام والتشرذم، وأخيرًا تمخضت الخلافات عام ١٩٧٠ عن تنظيم آخر عُرف بـ «قوات التحرير الشعبية»، وتطور الخلاف بين التنظيمين إلى أن تحول إلى صراع دموي وتصفية جسدية استمرت قرابة الثلاث سنوات، راح ضحيته آلاف المقاتلين الأبرياء، ومرة أخرى حاولوا تضييق هوة الانقسام؛ فانعقد مؤتمر الخرطوم في 2/9/1975، ولاحت بشائر النصر، واتفقت القيادات حول الوحدة الاندماجية، وهنا رأت عناصر أخرى ضرب مصالحها، والقضاء على مطامحها المستقبلية، وأبدت تذمرًا شديدًا عن الوحدة إلى أن أدى بهم هذا التذمر والاستياء من الوحدة إلى تشكيل تنظيم ثالث ليختلف في طبيعته ومنهجه عن التنظيمين الآخرين، وذلك في 23/3/1976، وهذا التنظيم هو الجبهة الشعبية.

والجدير بالذكر أن كل الخلافات كان سببها عودة تلك الكوادر المبتعثة من قِبَل الثورة إلى أرض الوطن؛ لأن الكل تشرّب ثقافة البلد المبتعث إليه، فعند عودته حاول أن يطبق منهج ذلك البلد في مختلف المجالات على الشعب الإرتيري شكلًا ومضمونًا، وبما أن هذه الثقافة والأيدولوجيات المستوردة تختلف من بلد إلى آخر؛ فطبيعي أن يحدث تنافس وصراع بين تلك العناصر، فتنظيم الجبهة الشعبية تنظيم صليبي في دوافعه الذاتية، وماركسي في منهجه وأنماط حياته، ومنذ اللحظات الأولى من ميلاده فرض توجهاته الدكتاتورية، وبسط نفوذه وسطوته على أماكن تواجده، وشمر عن ساعد الجِد والاجتهاد، والقضاء على الإسلام والمسلمين في أرتيريا، أو كرّس كل جهوده وطاقاته لتطبيق المبادئ الماركسية اللينينية للشعب لطمس هويته الإسلامية، وتضليلًا للجماهير رفع شعارات تحمل في طياتها السم الزعاف كشعار: «تحرير الإنسان قبل تحرير الأرض، وشعار لا بد من القضاء على الإقطاع ومحاربة البرجوازية المحلية والأجنبية» إلخ. 

والشعبية وصمت التنظيمات الأخرى بأنها تحمل في أحشائها جنين الإقطاع والرجعية، مما أدى إلى حدوث نكسات في نضال أرتيريا، وذلك لأن هذه التنظيمات لم تحاول السمو بالشعب من أوتار القيم الموروثة والتقاليد التي لا تتمشى مع مرحلة النضال والتحرر- ويعنون بذلك الإسلام وقيمه الأخلاقية - إلى المفاهيم الثورية ذات المحتوى التقدمي الاشتراكي، ولم يذكروا أنهم نتاج حزب العمل الإرتيري الذي تأسس عام ١٩٦٨، وأنهم رضعوا من لبانه، وتلقوا تعاليمهم عنه، ولكن لم يعترفوا له بشرف السبق في مضمار الإلحاد.

نعم إن الجبهة الشعبية قد بذلت قصارى جهدها فيما أسمته التغيير الاجتماعي، أي محاولة طمس الهوية الإسلامية في أرتيريا، ومما يتبجحون به مفاخرة على التنظيمات الأخرى أنهم استطاعوا في فترة وجيزة أن يحولوا بعض مفاهيم المجتمعات المحافظة ذات الأصالة الدينية إلى مفاهيم تقدمية اشتراكية، وأن مبادئهم الاشتراكية لم تعد نظريات فحسب، بل جسدوها في واقع الحياة العملية، وأن عملية تحرير الإنسان عند الشعبية تواكب جنبًا إلى جنب عملية تحرير الأراضي، حتى إذا ما جاء الاستقلال يكون المجتمع قد استوى على سوقه، وآتى ثماره اليانعة ذات الصبغة الماركسية، ولا تحتاج الدولة إلى بناء مجتمع اشتراكي جديد، ولأجل هذا كله فقد ركزوا على المرأة- أيما تركيز- تأسيًا بالصهيونية العالمية وربيبتها الماسونية؛ لأن المرأة هي المعول الأساسي لهدم الشعوب عندهم.

أخي القارئ لكي تتأكد من ممارستهم الإجرامية ضد قيم الشعب، أتركك إلى ما جاء في أدبياتهم وبرنامجهم السياسي، حتى تحكم و بنفسك على هوية هؤلاء. 

جاء في برنامج التحرر الوطني الديمقراطي للجبهة الشعبية في خصوص المرأة ما يلي: 

1- تضع الشعبية خطة شاملة والتي تمكن من تخليص المرأة الإرتيرية من العمل المنزلي، وتطوير درجة اشتراكها في العمل السياسي والثقافي والحرفي. 

2- مساواة المرأة بالرجل في العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والحياتي. إلخ.

3- تسن قوانين تقدمية للأسرة، أي ليس لها أي صِلة دينية ولا أي قيمة أخلاقية. 

وفي كتاب «وراء الحرب في أرتيريا» صفحة 132 جاء ما يلي: 

4- «إن تشريعات الزواج التي أعلنتها الجبهة الشعبية عام ١٩٧٨ تتناقض تمامًا مع قوانين وعادات المجتمع الأبوي، ووفق هذا القانون أُلغيت زيجات الأطفال الإرغامية، من ضمن أشياء أخرى في المناطق المحررة، أما بالنسبة للطلاق فإنه لم يعد وقفًا فقط على إرادة ونزوة الرجل، أي أن للمرأة أن تُطلق الرجل متى أرادت. 

5- أنشأت الجبهة الشعبية خلايا سرية للنساء لعب أعضاؤها دورًا مهمًا في عملية التحول الاجتماعي في حياة القرية. 

6- ومما يعدونه مفخرة تاريخية للجبهة الشعبية أن ما لا يقل عن ٢٥٪ من مقاتلي الشعبية هم من النساء، والمقاتلات في الجبهة يشتركن أيضًا في الزراعة والصناعات الحرفية، والعمل في المعامل الآلية، وفي الورشات الكهربائية، وورشات صيانة الأسلحة، بالإضافة إلى اشتراكهن في العمليات العسكرية. 

7- ويقولون: ليس هناك في الجبهة الشعبية عمل مخصص للرجال فقط، وأن الجبهة تسعى أيضًا لزيادة عدد القائدات من النساء.

8- ومن أجل هذا كله قامت الجبهة الشعبية بحملة تجنيد إجبارية واسعة النطاق للفتيات المسلمات حتى المتزوجات منهن، وربما الآن عدد المقاتلات في التنظيم يقارب عدد المقاتلين من الرجال.

وجاء أيضًا في برنامج مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي للجبهة الشعبية ما يلي: 

9- ترسيخ الثقافة والتقاليد والعادات ذات المحتوى التقدمي، أي غرس المبادئ الماركسية واللينينية والماوية في الشعب، وإقصاء القيم الإسلامية والتقاليد الدينية عنه.

10- فصل التعليم عن الدين، وفصل الدين عن السياسة، وهذا هو المنهج العلماني الذي أودى بحياة الخلافة الإسلامية، ولم يتضرر المسلمون من مناهج الغرب والشرق بمثل ما تضرروا من هذا المنهج الخبيث. 

11- وتحقيقًا لهذا فإن الشعبية تركز في حملات تجنيدها الإجبارية على المؤسسات الدينية من أجل إيقافها، وتعويق نشاطها، وتفريق الدارسين فيها.

12- وضمن السياسة التي تنتهجها الشعبية في توعيتها الجماهيرية أنها تعقد الاجتماعات أيام الجُمع، والأيام الأخرى قبيل الصلاة بقليل، ويا ويل من حاول التنصل من الاجتماع، أو قال: حان وقت الصلاة؛ فإن الهراوات تنهال عليه، ويضرب بالسياط حتى يغمى عليه، وبهذا يعلم بطلان قولهم أنهم يحترمون الدين وتقاليده، و يسمحون بممارسة الشعائر التعبدية.

13- والأدهى من ذلك كله ما جاء على لسان الأمين العام للجبهة الشعبية في إحدى مقابلاته من أن اشتراكية الجبهة الشعبية اشتراكية محلية، نابعة من ذات الشعب الإرتيري، وليست مستوردة، سبحانك هذا بهتان عظيم! متى كان الشعب الإرتيري اشتراكيًا؟ إنها أعاجيب وألاعيب بالشعوب المقهورة المستضعفة، وتضليل الرأي العام العالمي، وإخفاء للحقائق.

أخي القارئ، ماذا بقي للإسلام والمسلمين في إرتيريا بعد هذا كله؟! انتهاك للأعراض، ومحاربة للإسلام جهارًا، وضرب للمؤسسات الدينية، وعزل الدين عن الحياة حتى فيما يسمى بالأحوال الشخصية، وسلب الحريات حتى في إقامة الشعائر التعبدية، ورسم سياسة بلشفية حمراء للشعب، وتأميم للأراضي الزراعية وتقسيمها على النهج الشيوعي، كما حدث في قريتي الزين وزاغر وغيرهما من الأماكن التي جسدوا فيها مبادئهم الماركسية.

أبعد هذا كله نشك في أن الشعبية تريد استئصال شأفة الإسلام والمسلمين في أرتيريا؟ أو بعد هذا كله نستسيغ التقاعس عن الجهاد؟ إي وربي، إن المعطيات في الساحة الإرتيرية اليوم لتوحي بأن مصير المسلمين في أرتيريا سيكون كمصير المسلمين في الأندلس، أو كمصير المسلمين في ألبانيا إن لم يتداركنا الله برحمته.

الرابط المختصر :