العنوان المشير عبد الرحمن سوار الذهب ضيف المنتدى: أستبعد عودة العسكر للحكم بالقوة
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 54
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
•
أطماع قرنق ليست قاصرة على جنوب السودان وإنما تتعداه إلى كافة أطراف
السودان.
•
أوضاع السودان في هذه المرحلة تستدعي مشاركة كل المواطنين.
بحضور وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد محمد ناصر الحمضان ولفيف من
الإخوة الذين وفدوا للسلام عليه، التقت مجلة «المجتمع» مع الضيف الكبير الذي يزور الكويت بدعوة
من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشير عبدالرحمن سوار الذهب وباسم مجلة المجتمع
وجمعية الإصلاح الاجتماعي يسعدني أن أرحب بكم بهذا اللقاء.
سألته في البداية:
*
ما هدف زيارتكم للكويت؟
أجاب المشير سوار الذهب:
شكرًا جزيلا لمجلة المجتمع لإتاحتها لي هذه الفرصة، وعبر صفحاتها أوجه تحية طيبة
لشعب الكويت الشقيق، وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو أمير البلاد وولي عهد الأمين وجميع
أعضاء الحكومة، وأقول: لقد عودنا شعب الكويت العظيم دائمًا أنه سباق للخير، وقد جئت
بدعوة من وزارة الأوقاف بقصد الزيارة بصفة التعرف على النشاط الإسلامي الذي تقوم به
العديد من الجمعيات الخيرية التطوعية، باعتبار أن هذه الزيارة هي أول زيارة تتاح لي
بعد أن تشرفت برئاسة مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية، التي اشترك في تأسيسها نفر
كريم من كافة المسلمين في الدول العربية وعلى رأسها دول الكويت الشقيقة، والأخ محمد
ناصر الحمضان من الإخوة الذين شاركوا في تأسيس هذه المنظمة، وقد جئت من أجل تنسيق الجهد
الإسلامي الذي تقوم به منظمة الدعوة الإسلامية السودانية مع شقيقاتها التي تعمل في
الكويت، وقد أسعدني أن تتاح لي هذه الفرصة لكي أتعرف على النشاط الإسلامي الذي تقوم
به الكثير من المنظمات الخيرية بالكويت والتي تعمل في صمت، لأننا في السودان- ورغم
أننا قد لمسنا كثيرًا من خيرها وكثيرًا من النشاط الذي تقوم به- إلا أنني لم أقف على
عددها بالضبط، وقد أتيحت لي فرصة اللقاء هنا بالعديد من رجال الجمعيات الخيرية من خلال
الاجتماع الذي نظمته الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي يرأسها الأخ الكريم السيد
يوسف جاسم الحجي حيث تعرفت على النشاط الجم الذي تقوم به هذه الجمعيات.
وعن تجاوب أهل الكويت سألته:
*
كيف وجدتم تجاوب شعب الكويت مع ما جئتم من أجله؟
-
أجاب سوار الذهب:
الكويت لها باع طويل في المجال الإسلامي لكنني حقيقة لم أكن أتصور ذلك بهذا القدر
الكبير والذي لم يكن واضحًا لي من قبل، فحينما التقيت مع سمو أمير البلاد الشيخ جابر
الأحمد الصباح وجدته أولًا على علم واسع ودراية واسعة بالمخاطر التي تهدد الأمة الإسلامية
وخاصة ما يتهددنا في السودان، وسعدت كثيرًا بأنه مدرك لتلك الأبعاد التي يقوم بها الصليبيون
ويدفعون أولئك الذين يقاتلون في جنوب السودان بقصد تحجيم العمل الإسلامي الذي بدأ ينطلق
من السودان، وكيف أننا نواجه ضغوطًا شديدة من كافة المنظمات التي تعمل لهدم الإسلام.
وبحمد الله تعالى قد سعدت كثيرًا عندما لمست أن سمو أمير البلاد متحمس لقضايا العالم
الإسلامي، وكذلك حينما التقيت مع سمو ولي العهد ووزير الخارجية لمست تفهمًا واسعًا
لهذه القضايا الإسلامية، وفي ذات الوقت لمست تحمسًا للعمل، وقد شعرنا بذلك بالسودان
من خلال الجمعيات الخيرية أو من خلال جهود حكومة الكويت نفسها، الأمر الآخر هو أنني
كما ذكرت وجدت الخيرين من الكويتيين يكادون يشكلون كل الشعب الكويتي، والذي لمسته هو
أن الجمعيات الإسلامية الكويتية لها فروع في كثير من بلاد العالم سواء في آسيا أو إفريقيا
وهي تجوب كل هذه البلاد للأعمال الخيرية، مثل لجنة مسلمي إفريقيا التي يكاد يشمل نشاطها
كافة الدول الإفريقية، وقد انطلقت إلى كثير
من البلاد الإفريقية تدعو للإسلام وتعمل في صمت ولم تكن معروفة لدينا في السابق لكننا
منذ فترة عرفنا نشاطاتها الهائلة في كافة أنحاء إفريقيا.
ومن الكويت إلى السودان مع سؤال آخر:
*
سيادة المشير: السودان الشقيق يعيش في هذه الفترة محنة في جنوبه،
فما هي حقيقة المشكلة القائمة في جنوب السودان؟
سوار الذهب:
تكمن حقيقة
المشكلة في العداء السافر للإسلام، وهذا يمكن أن يكون السبب باختصار، وهذا لم يبدأ
اليوم، وإنما بدأ منذ دخول الاستعمار إلى السودان، وكان ذلك في القرن الماضي، حينما
عمل الاستعمار بكافة وسائله، إذ أدرك إن القارة الإفريقية يكاد يسيطر عليها المسلمون
شرقها وغربها، فعمل منذ أن وطأت قدماه أراضي القارة على تفتيت وحدة المسلمين وعلى محو آثارهم في إفريقيا، ونجد ذلك
واضحًا إذا نظرنا إلى قضية جنوب السودان، وذلك أنه لما وجد أن جنوب السودان له مميزات
تميزه، حيث وجد أن قاطنيه هم من الأفارقة الذين لم يختلطوا بالعرب ويدخل إليه الدين
الإسلامي إلا ما نقله التجار، عمل على قفل الجنوب، بحيث لم يكن يسمح لأي من المسلمين
أو العرب أن يدخل جنوب السودان، ولم يكتف بذلك بل منع نشر الإسلام في الجنوب، ثم إنه
فتح المجال لإدخال التبشير الكنسي، بل وأعطاه مهمة القيام بالتعليم في جنوب السودان،
حيث إن الهيئات التبشيرية هي التي قامت بفتح المدارس وبالطبع فبعد أن يدخل المسلمون
في تلك المدارس يسمونهم بأسماء مسيحية، وينصّرونهم، ويصبحون مسيحيين، وهكذا مع الأسف
كان الحال، وحين خرج الاستعمار من السودان وجدنا أن الطبقة الغالبة في المنطقة هي من
المسيحيين، وهذا في حد ذاته يشكل جزءًا كبيرًا من المشكلة القائمة في جنوب السودان..
مما يؤكد لنا أن الاستعمار يعمل عملًا جادًّا لمحو الإسلام في القارة كما حاول أن يمحو
الإسلام من جنوب السودان، وفي ذات الوقت ليفسح المجال للهيئات التبشيرية بحيث تستطيع
أن تعمل دون منافسة في إفريقيا. وإذا جاز لنا أن نقول: إن التبشير الإسلامي في واقع
الأمر لا يعادي المسيحية، وإنما يهدف إلى دعوة أولئك الذين لا يعتقدون بأية ديانة،
وفي ذات الوقت يعمل بين أوساط المسلمين لكي يأخذ بأيديهم ويرفع من شأنهم.
*
أنتم في منظمة الدعوة تقومون بنشاطات إسلامية في كل القارة الإفريقية،
ما هي العوائق التي تواجهونها وأنتم تواجهون خطر التنصير على عقائد المسلمين هناك؟
ويجيب الضيف السوداني:
منظمة الدعوة الإسلامية تضطلع بمهمتها وبتحقيق أهدافها في نشر الإسلام في جنوب
السودان وفي جميع القارة الإفريقية وتسير المنظمة بطريقة طيبة، أما العوائق الرئيسية
التي تقف أمامها فهي محصورة بالضائقة المالية وضعف الإمكانات المالية، وفي الحقيقة
فإن ضعف الإمكانات المالية يؤثر على كافة النشاطات التي تقوم بها منظمة الدعوة الإسلامية،
لأنك بدون إمكانات لا تستطيع أن تتحرك بسهولة ويسر داخل القارة، ولا تستطيع أن تقوم
بكافة المشاريع التي تنوي القيام بها ولا تستطيع أن تجاري أو أن تنافس الأعمال التي
يقوم بها الآخرون كالمنظمات التبشيرية مثلًا، أو الهيئات التي تعمل باسم الإسلام منها
براء.
وعن وسائل المنصرين سألته؟
*
ما هي الوسائل التي يتبعها المنصرون الآن في السودان وفي قارة إفريقيا
عمومًا؟
أجاب:
نعم، كما هو
معلوم فإفريقيا والسودان قد تعرضتا لنوع من الجفاف أصاب كثيرًا من أجزائها في السنين
الماضية، وتأثر المواطنون في إفريقيا بالمجاعة، وقد عرفت الهيئات التبشيرية كيف تستغل
هذا الظرف بإغاثة المنكوبين بالغذاء والكساء، بما فيهم المسلمون الذين يشكون من المرض
والفقر، فجاءت تلك الهيئات التبشيرية بالغذاء والكساء وأتاحت فرص التعليم الواسعة للأفارقة،
سواء كان في البلاد التي جاءوا إليها أو ابتاعثهم إلى نيل دراسات خارجية في أوروبا
وغيرها، وربما تكون هذه أهم الوسائل التي يعمل من خلالها المنصرون.
*
هل هناك تنسيق بين المؤسسات التنصيرية وجون قرنق؟
المشير سوار الذهب: نعم.. هذا واضح تمامًا، ولاسيما إذا علمنا
أنه قبل شهرين قد دعت هيئة الكنائس العالمية جون قرنق ودعت معه قادة الأحزاب الجنوبية
في السودان إلى اجتماع في كمبالا في أوغندا وكينيا، وفي ذلك الاجتماع تم تنسيق كامل
تحت مظلة هيئة الكنائس العالمية لما ينبغي أن يكون عليه أسلوب العمل.
*
وماذا يهدف هذا التنسيق بين هذه المؤسسة وجون قرنق؟
يؤكد المشير سوار الذهب قائلًا: بالتأكيد أدركت هذه المؤسسات التبشيرية
أن جون قرنق يمكن أن يحقق لها أغراضها، ولو علمنا أن أول الشروط التي ينادي بها جون
قرنق هو إلغاء الشريعة الإسلامية لأدركنا أن ذلك لم يكن من وحيه لوحده، بل بوحي من
الهيئات التبشيرية.
*
وما هي الأطراف الخارجية التي تدعم جون قرنق؟
ويكشف المشير سوار الذهب الأطراف الخارجية فيقول:
واضح جدًا أن الطرف الأساسي الذي يدعم جون قرنق هو أثيوبيا، فهي التي يرتكز عليها
قرنق أولًا في معسكراته التي أقام فيها، وفي التدريب وفي الإعانات العسكرية الواسعة
التي يحصل عليها، ثم الغرب والشرق بلا استثناء كلاهما يقفان مع قرنق وهذا واضح في الدعم
الغزير الذي يجده من كافة دول الغرب والشرق.
*
هل تعتقدون أن قرنق سيتمكن من فصل جنوب السودان ويؤسس دولة جنوبية
مسيحية مستقلة عن السودان؟
المشير سوار الذهب: هو بلا شك رغم أنه يعلن الآن أنه يود أن
يحرر بزعمه السودان، فسمى حركته حركة تحرير السودان! وذلك يعني أنه لن يكتفي بالجنوب
فقط وأنه يريد أن يزحف شمالًا، وقد زحف شمالًا فعلًا حينما استولى على مدينة صغيرة
هي مدينة الكرمك، وهي إحدى المدن الصغيرة خارج دائرة الجنوب. وهو مازال يعلن أنه يود
أن يحرر السودان، وهذا يعني أن أطماعه ليست قاصرة على جنوب السودان، وإنما تتعداه إلى
كافة أطراف السودان.
*
لماذا لا نقف حكومة السودان منه موقفًا حازمًا بحيث تردعه وتبطل مخططاته؟
ويجيب المشير سوار الذهب: في البداية كانت هناك بعض المراوغات السياسية،
وكانت الحكومة تأمل في أن يستجيب لبعض الوساطات السياسية التي جرت قبل سنة أو سنتين،
ومنذ ذلك الوقت سافر وفد إلى أديس أبابا والتقى بجون قرنق واتفق معه على شيء يعرف «باتفاق
كوكادانغ» وهي القرية التي جرى فيها الاجتماع في أثيوبيا، لكن فيما بعد لم يلتزم جون
قرنق لسبب أو لآخر، ولم يتم تنفيذ ما اتفق عليه، بالإضافة أن جون قرنق بدأ بأعمال تؤكد
على أنه لا يرغب في المباحثات السلمية بدليل أنه كلما دعي لكي يلقي السلاح ويأتي إلى
مائدة المفاوضات فإنه لا يستجيب، بالإضافة إلى أنه ظل يصعد من حملاته العسكرية وبصورة
جعل يهدد فيها مناطق الإنتاج الزراعي للشمال، وهي خارج دائرة الجنوب وقد أدركت حكومة
السودان مؤخرًا أنه لا فائدة من الحديث معه، ولابد من مواجهة عسكرية، لذلك فهي الآن
تحاول أن تجمع شيئًا من الدعم لأن القوات المسلحة في واقع الأمر تحتاج إلى كثير من
الدعم لكي تواجه هذه العمليات الشرسة التي يقوم بها جون قرنق وحلفاؤه.
*
وتسأل المجتمع سوار الذهب: لماذا لا يبرز موقف عربي موحد من قضية
جنوب السودان لئلا يتكرر في السودان ما حصل في فلسطين؟
ويجيب:
أشكرك جدًّا
على هذا السؤال.. وفي حقيقة الأمر إن السودان ظل يدعو القادة العرب إلى الالتفات إلى
هذه القضية، ولكنه ما عدا القلة من القادة العرب فإن الغالبية العظمى لم تعِ ذلك بالمستوى
الذي نتوقع معه الدعم الواسع الذي يتكافأ مع حجم التهديد الذي يتعرض له السودان، وحقيقة
فنحن نعذر الإخوة العرب لأنهم مشغولون بقضايا كبرى، وكما هو معلوم فإن هناك أكثر من
قضية مزعجة وقضية مصيرية في إطار العالم العربي، لكنه كما تفضلتم الآن، فإنه إن لم
يلتفت الإخوة العرب في الوقت المناسب فيخشى أن يصير على السودان ما صار على فلسطين.
ومن هذا المنطلق لابد أن يسارع الإخوة العرب فيعطوا القضية ما تستحقه من اهتمام.
*
نعتقد أن القضية تحتاج إلى شيئين: المال والسلاح، وانشغال العرب بقضايا
كبرى لا يبرر لهم ترك السودان ليصبح فريسة للصليبيين أو المستعمرين، وبالتالي ليجد
هؤلاء المستعمرون منطلقًا للتحكم في كل إفريقيا، ومعظم شعوب هذه القارة مسلمة لهذا
نعتقد نحن في مجلة المجتمع أن بحث قضية جنوب السودان أو السودان ككل يجب أن يكون في
قائمة الأولويات على مستوى التفكير العربي، ولاسيما أننا مقبلون على قمة مجلس التعاون
الخليجي قريبًا، ومن ثم فقد تنعقد قمة للرؤساء العرب، فلماذا لا يقدم السودانيون على
طرح هذه القضية على الزعماء العرب بحيث تصبح قضية السودان واحدة من القضايا الساخنة
على مائدة الدراسات العربية حتى تبحث فيها؟
-
المشير سوار الذهب: نشكرك مرة أخرى لإثارة هذه النقطة، لأنه
لابد من طرح هذه القضية بأبعادها على الإخوة القادة العرب، وأتصور أن حكومة السودان
في هذا المجال لن تقصر؛ فهي قد أرسلت إلى العديد من ملوك ورؤساء الدول العربية، وأطلعتهم
على الموقف الذي يهم السودان وبقي هل هذا الأمر يستدعي عقد مؤتمر للنظر فيه. أنا في
رأيي أنه لا يستدعي عقد قمة في الوقت الحاضر للنظر في هذه القضية، ولكن يمكن أن يوضع
في جدول أعمال أي قمة قادمة ولو أنني أتصور أن أي قمة قادمة قد تكون متأخرة عن الأحداث
التي تجري الآن في السودان، لذلك ربما كان المناسب أن يتبنى بعض القادة العرب هذه القضية
التي تهم السودان، لأن السودان بعد أن وضح الأمر لكافة زعماء العرب لا أظن أنه يستطيع
أن يلاحق الأمر بمفرده، لذا أرجو أن يتبنى بعض القادة العرب أمر هذه القضية.
*
ماذا سيكون موقف مصر وهي الجزء الشمالي من وادي النيل فيما لو تحققت
حركة انفصالية في الجنوب؟ وماذا تطلبون من مصر في هذا الصدد؟
-
المشير سوار الذهب: كما نعلم فإن هناك اتفاق دفاع مشترك بين
مصر والسودان، ولو أن مصير هذه الاتفاقية أصبح غير معروف بالضبط، وهناك من يقول إنها
ألغيت، وهناك من يقول إنها مازالت قائمة. على كل، فهذه الاتفاقية إذا كانت قائمة فهي
تنفذ عندما يكون هناك اعتداء خارجي، وحركة جون قرنق حتى وقت قصير كانت تعتبر حركة تمرد
داخلية، ولم تكن تعتبر هجومًا خارجيًّا، وإذا كان ينظر إليها حتى الآن أنها حركة داخلية
فإنها لا تستدعي التدخل، وأعتقد أن مصر تحترم اتفاقها مع السودان، ولن تتأخر عن التدخل
العسكري إذا طلب منها ذلك، وإذا لم يطلب منها ذلك فلن تستطيع التدخل طبعًا. ومادام
الأمر ينظر إليه إلى أنه حركة داخلية، فلا تستطيع مصر أن تتدخل إلا من خلال المساعدة
بالسلاح.
وننتقل بالمشير إلى جانب آخر من قضايا السودان ونسأله:
*
الأوضاع السياسية والاقتصادية في السودان هزت الحكم القائم حاليًا،
فهل تتصورون أن العسكر قد يعودون لاستلام السلطة في السودان مرة أخرى؟
فيجيب:
الأحوال الاقتصادية
في السودان ليست سليمة فعلًا، بل إن الاقتصاد السوداني يعاني من مشاكل عديدة ورغم ذلك
فلا أتصور أن يعود العسكر إلى حكم السودان.
*
وأقاطع سوار الذهب: لماذا؟
فيجيب أيضًا:
لأن الشعب
السوداني نفسه قد أكد أنه لا يقبل الحكم العسكري، كما أن العسكريين أنفسهم قد شاهدوا
أن الحكم العسكري مرفوض من قبل السودانيين ولن يستطيع أي عسكري أن يبقى في الحكم في
السودان بقوة السلاح والنار، لذلك فأنا أستبعد عودة العسكريين إلى الحكم بالقوة.
*
حتى لو قامت حالة شعبية ثائرة كالتي حصلت حينما استوليتم أنتم على
السلطة؟
-
المشير سوار الذهب: ذلك أمر يختلف، فالقوات المسلحة هي المسؤولة
عن حماية السودان داخليًّا وخارجيًّا، فإذا وضح أن أمر السلطة الحاكمة يقتضي أن تتدخل
القوات المسلحة لفرض السلام والنظام فذلك أمر يقره الدستور السوداني، لكن أستبعد حصول
انقلاب على المستوى الذي حدث من قبل على أقل تقدير في الفترة القليلة القادمة.
*
هل يمكن تسمية الفترة التي استلمتم فيها السلطة انقلابًا عسكريًّا؟
وينفي سوار الذهب قائلًا: أبدًا، فهناك فرق في الأمر، وقد أكدنا على
ذلك مرارًا، فعملنا لم يكن انقلابًا، وإنما كان انحيازًا إلى جانب الشعب واستلاما للسلطة
بالنيابة عنه حتى تم تسليمه السلطة عندما كان مستعدًا لاستلام السلطة. فلم يكن الذي
حدث انقلابًا، وإنما كان انحيازًا، وكان ذلك واضحًا في البيان الأول أن القوات انحازت
إلى جانب الجماهير.
*
هل تعتقدون أن المرحلة الانتقالية التي استلمتم فيها السلطة كانت
كافية لترتيب الأوضاع الشعبية وترتيب الأوضاع السياسية في السودان ومن ثم تسليم السلطة
للمدنيين؟
المشير سوار الذهب: في الحقيقة تحديد الفترة الانتقالية لم
يكن قرارًا من المجلس العسكري الانتقالي بل إننا تركنا أمر تحديد مدة هذه الفترة للأحزاب
السياسية وللنقابات والهيئات الشعبية، لأننا أردنا أن نشرك المواطنين في هذا وأن نثبت
لهم منذ البداية أننا حريصون على تسليم السلطة في الفترة التي يكونون مستعدين لاستلامها..
لذلك طلبنا منهم أن يتحدوا طول هذه الفترة. وقد استقر رأيهم على أن تكون سنة واحدة،
لكنهم فيما بعد استدركوا أن السنة لن تكون كافية، وحقيقة لو قدرت الفترة الانتقالية
بمدة ثلاث سنوات لكان في ذلك متسع من الوقت لمعالجة بعض القضايا، كقضية الجنوب مثلًا،
ولتوصلنا إلى نوع الاتفاق مع الجنوبيين واستطعنا أن نصلح جزءًا من الاقتصاد.
هذا يقودنا ولو من باب تحصيل الحاصل إلى الاستفسار التالي:
*
هل كان الحكم العسكري على الطريقة التي مارستموها هو خير لشعب السودان
من الحكم المدني الذي عجز عن تحقيق ما كنتم بصدد تحقيقه؟
-
ويرد سوار الذهب بقوله: أنا لا أقول ذلك، لأن الحكم المدني هو حكم
ارتضاه الشعب، وحكم جاء نتيجة لانتخابات حرة. أما الحكم العسكري الذي كنا نمثله فهو
فعلًا كان حائزًا على رضاء الجماهير، وكنا نتمتع بشعبية واسعة وتأييد متكامل من كافة
الأحزاب وكافة الهيئات بدليل أنهم تعاونوا معنا تعاونًا تامًّا أثناء الفترة الانتقالية
في تسيير دفة الحكم بطريقة فعلا كانت جيدة، لكنني مقتنع شخصيًّا بأن الحكم المدني إذا
ما قدر له أن يستوفي شروطه، خاصة أن يؤدي المواطن ما يجب أن يؤديه كمواطن قبل أن يطالب
بحقوقه فإن ذلك كفيل بأن يجعل الحكم يسير بالدولة إلى الأمام.
*
لماذا لم تستمر مشاركتك في السلطة في عهد الفترة المدنية؟
-
سوار الذهب: حقيقة قد طلب إليّ الاستمرار في السلطة
كرأس للدولة لكنني رأيت أنني وقد التزمت أني سأعيد السلطة إلى المدنيين ولتأكيد المصداقية
والتي حرصت عليها جدًّا كان من الضروري أن أتخلى عن الحكم.. لماذا؟ لأنه لو استمررت
لظن الناس أنني أنما عملت لكي أستمر، بمعنى أنه على الأقل شخصيًّا لن أكون سعيدًا لأنني
فعلًا قد التزمت بما قطعت على نفسي بتسليم السلطة إلى الشعب ولو بقيت لكان ذلك منافيًا
للوعد الذي وعدت به.
*
والآن وقد وفيتم بالوعد.. ماذا لو دعيتم إلى المشاركة في السلطة؟
-
المشير سوار الذهب: إن أوضاع السودان في هذه المرحلة تستدعي
أن يشارك فيها كل المواطنين، ومن هذا المنطلق أشارك كمواطن، أما إذا طلب إلي أن أقوم
بمسؤولية ووجدت ذلك ضروريًّا فلا بأس بذلك.
*
الحكم العسكري لفظ مخيف للشعب، إلا أن الشعب السوداني لم يكن خائفًا
لما كنت في السلطة ما رأيك في ذلك؟
-
ويجيب سوار الذهب: هذا صحيح لأننا كنا مع الشعب السوداني،
وكنا بجانبه وانحزنا إليه في مطالبه لأننا قد حققنا له ما يريد، وهو إزالة الحكم العسكري
السابق أو الحكم المايوي، وساعدناه في أن يصل إلى حكم نفسه بنفسه لذلك أعطانا تأييده
ووثق بنا وكنا نعتز بذلك.
*
هل مارستم أشكالًا إرهابية ضد خصومكم السياسيين؟
-
المشير سوار الذهب: لم نفعل ذلك البتة، وكل ما حصل هنالك هو
أنه وخاصة أولئك الذين جرى التحفظ عليهم في المعتقلات إنما كان بسبب التحقيق الذي كان
يجرى معهم وقدموا للمحاكمة من أجله.. ومن لم تصدر ضده أي تهمة أطلق سراحه، ولم يحاكم
إلا من أساء استغلال السلطة.
*
تجربتكم في تسليم السلطة للمدنيين بهذه الطريقة، هل هي تجربة أولى
في الساحة العربية! أم هناك تجارب مماثلة سبقت تجربتكم الفذة في هذا المجال؟
-
المشير سوار الذهب: أنا شخصيًّا لا أعلم ولا أظن أنني فعلت
شيئًا غير عادي في الواقع أنني قطعت وعدًا على نفسي ووفيت به فلا أرى أن هناك داعيًا
لإعطاء هذا الأمر أكثر مما يستحق.
*
ما رأيكم في الأشكال العسكرية الحاكمة في بعض بلدان العالم العربي
والإسلامي؟
-
المشير سوار الذهب: كما سمعت من بعضهم أن هنالك مبرراتهم لبقائهم
في السلطة.
*
لماذا اخترت العمل في منظمة إسلامية دعوية بعد أن تخليت عن كرسي الرئاسة
في جمهورية السودان؟
-
المشير سوار الذهب: عندما دعيت إلى العمل الإسلامي ترددت كثيرًا
لأن هذا العمل يقتضي نوعًا من التفرغ ويقتضي قدرات خارقة وتجرد، أو ربما لا أستطيع
أن أوفيه حقه، لكن عندما حاولت منظمة الدعوة الإسلامية أن أعمل معها حيث اتصل أكثر
من شخص من الإخوة في العالم العربي بي من الكويت ومن السعودية ومن قطر ومن السودان
وطلبوا إليّ أن أتولى رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية، فما كان عليّ إلا أن أستجيب لأنني
حينما فكرت جليًا في الأمر وجدت أنه ليس لي عذر يمكن أن أجيب به إذا ما سئلت غدًا لماذا
لم تستجب حينما دعيت إلى الإسلام؟ فلذا ما كان لي إلا أن أستجيب. وكذلك فإن الدعوة
الإسلامية تحقق لي رغبة أكيدة، وأقول: فقد نشأت في أسرة متدينة، وهي تعمل منذ قرون
في نشر الدعوة الإسلامية ومازالت على ذلك وحتى الآن بل إن جدنا الأكبر وهو سوار الذهب
صاحب الاسم المشهور هو أحد الذين أدخلوا الروايات المشهورة، كما أنه هو الذي أدخل ذلك
إلى السودان عندما جاء إليه لأول مرة من الجزيرة العربية ثم توجه إلى جنوب مصر.
*
كم ولدا عندك؟
-
المشير سوار الذهب: عندي ولدان وثلاث بنات وهم محمد وأحمد وعزة
ودعة وهبة. أما محمد وأحمد فهما في الجامعة والحمد لله وأما البنات فما زلن في الدراسة
الثانوية.
*
أنت الآن رئيس لمنظمة الدعوة الإسلامية.. فما أبرز ما يشغلكم؟
-
المشير سوار الذهب: الذي يشغلني الآن هو كيف أسير بدعوة الإسلام
قدمًا، وكيف نحمي أولًا الأقليات المسلمة من التنصير، وكيف نرفع من شأنهم، وكيف نجعل
من العالم الإسلامي قوة متماسكة؟
*
ما هي المكاسب والامتيازات التي حصلتها لأبنائك وأسرتك عندما كنت
على رأس الدولة؟
-
ويجيب مستعيذًا بالله: لا.. لا.. فهذا الذي لم أفكر فيه قط.. وما
أنا إلا فرد من أفراد الشعب، ومثل ذلك أولادي وبناتي.
*
قلتم إن منشأ أسرتكم كان في أم درمان.
-
المشير سوار الذهب: نعم، أسرتنا أساسًا تنحدر من عبدالله بن
عباس وأجدادنا كما تقول شجرة النسب أنهم لما خرجوا من الجزيرة العربية ذهبوا أولًا
إلى المغرب العربي ثم توجهوا إلى جنوب مصر وأخيرًا استقروا في شمال السودان في منطقة
تسمى دنقلة بالمديرية الشمالية يوجد هنالك ضريح جدنا سوار الذهب، ثم انحدرت أسرتنا
بعد ذلك إلى داخل السودان وانتشرت بعد ذلك في معظم مدن السودان.
*
هل تتمنى لابنك أن يصبح عسكريًّا مثل أبيه أو تتمنى أن يعيش في حياة
عادية؟
-
المشير سوار الذهب: أتمنى له أن يكون مفيدًا لوطنه ولأمته الإسلامية،
فأحدهما يدرس في جامعة الأردن والأصغر في جامعة السودان ولم يدخلا كليات عسكرية بناء
على رغبتهما.
المجتمع: في الختام.. جزاكم الله خيرًا.. ونشكركم على تفضلكم بالرد
على أسئلتنا، ونتمنى لكم التوفيق في مجال عملكم الجديد وهو مجال الدعوة إلى الله..
وإلى لقاء قريب معكم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل