; المصير الوطني الفلسطيني بين تجربتي ثورة ١٩٣٦ وانتفاضة ١٩٨٧م | مجلة المجتمع

العنوان المصير الوطني الفلسطيني بين تجربتي ثورة ١٩٣٦ وانتفاضة ١٩٨٧م

الكاتب خلدون إسماعيل

تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1992

مشاهدات 95

نشر في العدد 1028

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 08-ديسمبر-1992

جذور التشابه بين ثورة 1936م والانتفاضة الفلسطينية

لقد كان هتلر يسترشد بنموذج حرب العصابات التي يشنها ثوار فلسطين وما يفعلونه بـ«بريطانيا العظمى»، وهو يحرض ألمان «السوديت» -وهي مقاطعة تقع غرب تشيكوسلوفاكيا معظم قاطنيها من الألمان- من أجل حثهم على الثورة والتمرد وذلك في عام ۱۹۳۷م.. ولقد أشارت التقارير البريطانية آنذاك إلى أن «حكومة جلالة الملك» لا تسيطر إلا على 20% من البلاد. وكادت الثورة حينئذ تصل مبتغاها.. وكاد المشروع الصهيوني يتقوض وهو في مهده.. إلا أن الدهاليز الداخلية والخارجية التي أحاطت بالثورة، والتي كان آخرها مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن ۱۹۷۹م، كسرت الأجنحة وقوضت الثورة.

والانتفاضة، النموذج الذي أثارت رمزيته وجدان العالمين.. وغدت مثالًا لمن يفكر بالانعتاق والتحرر.. وشكلت هاجسًا للديكتاتوريات المعاصرة.. فقد قدمت نموذج الإرادة والثقة بالنفس كمخزون دائم لدى الشعوب التي تسعى للتحرر من الظلم، أيضًا أحاطت بها الدهاليز الداخلية والخارجية والتي كان آخرها مؤتمر مدريد ۱۹۹۱م وما تبعه من جولات تفاوضية في واشنطن.

دعوات التهدئة تكرار لخطأ الماضي

وفي هذا المقال سيتم تسليط الضوء على بعض الجوانب والدعاوى القديمة- الجديدة التي فعلت فعلها في كسر شوكة الثورة والانتفاضة والتي تركت بصماتها على المصير الفلسطيني.

أولًا: لقد جاء في إعلان وقف إضراب الستة أشهر في ١٩٣٦م الشهير، دعوة الأنظمة العربية والسياسيين الفلسطينيين، الشعب الفلسطيني إلى الإخلاد إلى الراحة والسكينة والدعة - بعد الإنهاك الذي لحقه من ذلك الإضراب، ولكن ما درى هؤلاء بأن المتعب هو هم.. وبأن الشعب كان يملك مخزونًا وعطاء كبيرًا استمر لمدة ثلاث سنوات في حرب عصابات ضارية خسرت فيها بريطانيا أعز جنودها.. وتتجدد هذه الدعوة اليوم بثوب الحديث عن «سلبيات الانتفاضة» وأنها غدت تشكل تكلفة باهظة تورث التعب والتعنت للشعب الفلسطيني.. مع أن البطولات تتسطر، وعطاء الشعب مستمر دون كلل أو ملل والتضحيات تتواصل في المخيم والمدينة والسجن...إلخ.

لكن الخطورة في هذه الدعوة ما تساهم به في التثبيط وترويض الهمم.. الأمر الذي يحتاج من المخلصين اليوم إلى إدامة التذكير بضرورة استمرارية الفعل الانتفاضي المصادم وتأكيد مسألة «النفس الطويل» وإدامة الصراع حتى يكون ذلك خطوة من أجل حسم الصراع بتحرك قطاعات الأمة الإسلامية الواسعة من أجل قضيتها الساخنة والملتهبة، والحرص على إدامة تلك السخونة والالتهاب، لتصدير الوجع الفلسطيني ليدخل إلى مساحات الوجدان العربي والإسلامي من أجل السعي الحثيث للارتفاع بالأمة إلى مستوى التحدي.

الانقسامات الداخلية وأثرها في إضعاف الحركة الوطنية

ثانيًا: إشغال الفلسطينيين بأنفسهم.. عن طريق بث الخلافات والعصبيات القبلية من أجل السيطرة عليهم، وبالتالي إجهاض الإمكانية الصدامية الميدانية المتحركة والناطقة، ويمكن لنا هنا أن نتخيل عصبيات «نشاشبية وحسينية» في ثورة ١٩٣٦م التي أزهقت أرواحًا من وراء تلك الخلافات بذريعة التعامل مع الانتداب.. وأدت الصراعات الداخلية آنذاك إلى حدوث «التحوصلات» في حركة الثوار، الأمر الذي مهد للإنجليز إحكام السيطرة وقهر الثورة وإعدام زعمائها.. 

وفي الانتفاضة فالمشاغلة الداخلية تتخذ عدة صور منها الخلاف القبلي الملفع بالألوان السياسية.

وهذا الواقع يقتضي حاليًا تخطيه إلى بناء الوحدة واللحمة التي أكدتها الانتفاضة في سنيها الأولى، وخاصة أن المميز ما بين مدة الانتفاضة ومدة الـ١٩٣٦م هو تعميم الوعي والإدراك بمساحات الصراع مع العدو الصهيوني.. وكان الوعي من أهم العوامل التي جعلت الانتفاضة تستمر هذه الاستمرارية، وشكل الوعي صمام أمان طيلة المراحل التي مرت بها الانتفاضة، ومن المتوخى أن ينتصر الوعي على الجهل وتبقى شعلة الانتفاضة بعافيتها.

الارتهان للقرار السياسي وفشل الرهان على الحلول الدبلوماسية

ثالثًا: الارتهان للقرار السياسي.. حيث إن ثورة ١٩٣٦ م كان من أهم عوامل إجهاضها تدخل السياسيين المتواصل فيها، فمازال الشعب الفلسطيني يذكر نوري السعيد (رئيس وزراء العراق آنذاك) عندما قدم ميناء حيفا وكان يلوح بيده التي فيها حقيبته الدبلوماسية وهو يقول مبشرًا بأن «الحل في هذه الحقيبة». ولعل القول بأن «الدولة على مرمى حجر» يترجم -إن لم يتطابق- في مقولة نوري السعيد.. ومن هنا فإن الخوف على الانتفاضة حقيقي تجاه الرهان السياسي.. فالرهان دائمًا كان خاسرًا في تاریخنا الفلسطيني الحديث والمعاصر.. ومن هنا فلا خيار إلا تصعيد الفعل المقاوم والرهان كل الرهان على ذلك الفعل الذي يأخذ أحقيته ومصداقيته في كل الساحات والميادين.

4- الإقرار بالعجز وانتظار الحل من الشرعية الدولية.. وهذا ما عمل عليه السياسيون بالأمس واليوم.. حيث رفع العرائض و«مظالم شعب فلسطين» إلى عصبة الأمم.. وبعث الوقود إلى لندن وبقية عواصم أوروبا لشرح قضية فلسطين.. وما نراه اليوم أبعد مما كان بالأمس، حيث الذهاب للتفاوض بالشروط الإسرائيلية في حالة من الاستسلام للأمر الواقع.. ويسمع المرء تبريرات مطولة حول الشرعية والأخلاقية الدولية والقيم الجديدة...إلخ.

نحو وعيٍ جامع ووحدةٍ تعيد للأمة توازنها

ومن هنا فإن أحد استحقاقات الخط السلمي هو الإطاحة برأس الانتفاضة كثمن مطلوب دفعه على مذبح الاستكبار العالمي.. ولذا فإن التمسك بالانتفاضة كخيار للمقاومة والرفض هو تعبير عن حالة النهوض والحياة أولوية من أولويات العمل من أجل الحق المصاغ في فلسطين.. وأولوية تدخل ضمن اهتمامات القوى الناهضة في الأمة ضمن مشروعها النهضوي الواسع الذي عليه- حتى يتحقق بعض النجاحات- تجاوز العجزة، والعجزة أصحاب استراتيجية «التباكي أمام المحافل الدولية».

يبدو أن المصير الفلسطيني (سياسيًا، وبشريًا، وحضاريًا) محاط اليوم بما كان محاطًا به في ثورة 1936م من مخاطر التغييب والطمس.. الأمر الذي يفرض على القوى الحية في الأمة أن تأخذ دورها في الاصطفاف معًا من أجل العمل لقضية استمرارية الانتفاضة والمحافظة على دعمها معنويًا ثم ماديًا، وذلك لأنها تحارَب اليوم بأدوات الهدم المعنوي من وسائل الإعلام إلى تصريحات السياسيين وتثبيطات المنافقين مع تسخير المال والدعم المادي في اتجاه خدمة ذلك الهدم.. والمطلوب إذن هو استنفار الهمم وإعلان حالة الطوارئ من أجل تلافي دخولنا النفق المظلم الجديد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 42

134

الثلاثاء 05-يناير-1971

العلامة أبو الأعلى المودودي