; المطامع الصهيونية الغربية في القرن الأفريقي | مجلة المجتمع

العنوان المطامع الصهيونية الغربية في القرن الأفريقي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-يوليو-1993

بعد تصدع المعسكر الشرقي وقيام نظام دوري- دولي أمريكي جديد، عاد الاهتمام الغربي - الصهيوني بمنطقة القرن الأفريقي بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وإلى تطلعات شعوبها إلى الانعتاق من كابوس الهيمنة الأجنبية وبروز مؤشرات وعي بأهمية هذه البوابة الأفريقية لنشر الدعوة الإسلامية في ربوع القارة السمراء.

أهمية المنطقة في التخطيط الاستراتيجي

وقد ازدادت أهمية هذه المنطقة بعد التحولات الكبرى داخل الأقطار الرئيسية فيها (الصومال - جيبوتي - إثيوبيا - إريتريا)، أو المجاورة لها والمحيطة بها (السودان - اليمن - كينيا) بالإضافة إلى تطور العلاقات بين كل هذه الأطراف المرتبطة بدورها بالتوازنات والظروف الدولية. وتتمثل المحطات الرئيسية لعملية التحول هذه في استقلال إريتريا عن إثيوبيا (الحبشة سابقًا) بعد 30 سنة من الكفاح، والتدخل الأجنبي تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة في الصومال وقيام نظام سياسي جديد في السودان، ذي مشروع إسلامي واضح والدخول في تجربة ديمقراطية عبر انتخابات برلمانية في اليمن بعد توحيد شطريها الشمالي والجنوبي وسقوط النظام الشيوعي الديكتاتوري الإثيوبي بقيادة منغستو هيلي ماريام.

التحولات الكبرى

لكن لا يمكن فهم هذه التحولات وانعكاساتها الإقليمية وتفاعل القوى الدولية معها بدون قراءة تاريخية لأهم المراحل التي مرت بها المنطقة. ويمكن تلخيصها في 4 مراحل كبرى: التعايش العربي - الأفريقي، الغزو الاستعماري، الصراع الأمريكي - السوفيتي حول مناطق النفوذ في القرن الأفريقي وأفريقيا عمومًا، والمرحلة الراهنة في ظل النظام الدولي الجديد.

تعايش عربي - أفريقي

فقد شهدت السواحل الشرقية الأفريقية تعاقب حضارات عديدة، وأدرك العرب بدورهم أهمية هذه الربوع فقاموا بهجرات متتالية ذات أهداف تجارية بدرجة أولى أيام العمانيين واليمنيين والحضارمة ثم لأسباب دينية منذ ظهور الإسلام في أرض الحجاز حيث اتجهت الهجرة الإسلامية الأولى بقيادة جعفر بن أبي طالب - ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة مركز ثقل المسيحية في أفريقيا في عهد النجاشي، وكان لهذا التسامح الديني أثر بالغ في التعايش الحضاري بين مختلف الكيانات الثقافية والدينية المنتشرة على السواحل الشرقية الأفريقية ويتحدث عدة مؤرخين عن توطيد العلاقة القديمة بين الساحل الغربي والساحل الأفريقي، بعد ظهور الإسلام، ويقول إبراهيم طرخان في كتابه «الإسلام والممالك الإسلامية بالحبشة» أن ظهور الإسلام ساعد على دفع دماء جديدة في شرايين هذه العلاقات التي شهدت ازدهارًا ملموسًا في صدر الإسلام حتى أن ممالك إسلامية، قد تكونت في الحبشة والساحل الأفريقي فيما بعد، جاورت الحكم المسيحي وتعايشت معه.

وكان هذا التعايش السمة الأساسية البارزة خلال هذه المرحلة التاريخية الممتدة حتى بداية القرن 16 الميلادي تاريخ الغزو البرتغالي للسواحل الشرقية الأفريقية، وفي تقييمه لنتائج هذه الفترة التاريخية المزدهرة استعرض صلاح الدين حافظ في كتابه «صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي» مظاهر المد الحضاري العربي - الإسلامي و«التزاوج الناجح والدائم والمستمر بين العرب والأفارقة في الصومال وإريتريا والحبشة وزنجبار وحتى موزمبيق جنوبًا، وتركت الموجات المتلاحقة من الهجرة العربية وتزاوجها المستمر بالأفارقة الوطنيين آثارًا بعيدة المدى في تدعيم العلاقات العربية الأفريقية على مر السنين وهي آثار اقتصادية وسياسية ودينية واجتماعية وثقافية، فقد انتقلت إلى الساحل الأفريقي مع اللغة العربية والإسلام مظاهر الحضارة العربية الأخرى من معمار بناء المنازل والمدن ومراكز التجارة وصولًا إلى نشر مراكز الثقافة والعلوم وهذه هي بالطبع أقوى أثار- آثار التزاوج بين العرب والأفارقة على الإطلاق، وأبقاها على مر السنين».

الغزو الأجنبي

ومع الغزو البرتغالي بدأت مرحلة جديدة هيأت للاستعمار الأجنبي وقلبت موازين القوى في المنطقة، ومن أخطر نتائج هذه المرحلة حرمان السواحل الشرقية الأفريقية على مستوى القرن الأفريقي والبحر الأحمر من الفوائد التجارية الهامة التي كانت من نصيب مراكز تجارية عربية بالدرجة الأولى، وذلك بعد تحويل الطريق التاريخي لتجارة الشرق عبر الوطن العربي نحو أوروبا إلى خط جديد يمر عبر رأس الرجاء الصالح الذي اكتشفه البرتغال، والمستفيد الجديد من هذا التحول هي القوى الأوروبية الصاعدة، والتي أصبحت فيما بعد إمبراطوريات استعمارية قدمت إلى أفريقيا لترث التركة العثمانية في شمال القارة وعلى سواحلها الشرقية.

واتسمت هذه المرحلة بتنافس استعماري كبير بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا من أجل التوسع في أفريقيا والسيطرة على مناطق التحكم الاستراتيجية والمعابر والمضايق المائية القابضة على طرق التجارة الدولية، ومعلوم أن العامل الاستراتيجي الجغرافي والسياسي لعب دورًا أساسيًا في تكييف الأحداث والتحولات الداخلية في منطقة القرن الأفريقي ومواقف القوى الدولية منها في اتجاه تكريس الأطماع الخارجية في المنطقة، إذ يحتل القرن الأفريقي من الناحية الجغرافية موقعًا استراتيجيًا هامًا بإشرافه على أحد الممرات البحرية الدولية الرئيسية أي البحر الأحمر بمدخليه الجنوبي (باب المندب) والشمالي (قناة السويس التي افتتحتها فرنسا في تشرين الثاني 1869).

ويعتبر مؤتمر برلين 1884 - 1885 النقطة الفاصلة والحاسمة في تقنين السباق الاستعماري الأوروبي بوضع حدود للمستعمرات الجديدة، وفي فرض واقع سياسي يقيم موازين قوى داخلية متفاوتة ومختلفة لفائدة الإمبراطورية الحبشية، وعلى حساب الطرف الصومالي تركت آثارًا سلبية خطيرة إلى يومنا هذا. فقد تم تقسيم الصومال إلى 4 أقسام تخضع لمناطق نفوذ الدول الاستعمارية الثلاث ولإمبراطورية الحبشة واحتلت فرنسا الصومال الشمالي وبالتحديد إقليمي العفر وعيسى (جيبوتي اليوم)، وبعد أن استولت بريطانيا على عدن عام 1839، احتلت جيوشها الساحل الصومالي المواجه لقاعدتها في عدن والمتحكم في المداخل الجنوبية للبحر الأحمر وتمكن الإيطاليون من احتلال سواحل جنوب الصومال كل ساحل «بنادر» عام 1889 من منطقة تقع جنوب خليج عدن وحتى مدينة كسمايو، بالإضافة إلى احتلال إريتريا عام 1890 وقد استغلت إيطاليا التنافس البريطاني الفرنسي والانشغال المصري - البريطاني بالثورة المهدية في السودان لفرض سيطرتها على المنطقة.

التحالف الاستعماري - الإثيوبي

إلا أن الملفت للانتباه هو التحالف الاستراتيجي بين الدول الأوروبية الاستعمارية وإثيوبيا منذ عهد منليك الثاني (1889 - 1913) والإمبراطور هيلاسيلاسي فيما بعد، ففي عهد منليك توسعت حدود إثيوبيا لتصبح إمبراطورية وضمت أجزاء عديدة من الأراضي الصومالية خاصة أوغادين وهود، وأراد منليك أن يكسب أطماعه التوسعية اعترافًا دوليًا فبعث برسالة شهيرة إلى ملوك أوروبا يبلغهم فيها بحدود الحبشة الجديدة بتاريخ 10 أبريل 1891 جاء فيها: «وإذا تتبعنا الحدود القائمة اليوم لإمبراطوريته فسأحاول إذا ما وهبني الله العمر والقوة أن أعود بهذه الإمبراطورية إلى حدودها القديمة الممتدة حتى مدينة الخرطوم السودانية وبحيرة نيانزا»، وأضاف «لقد ظلت إثيوبيا جزيرة مسيحية لمدة 14 قرنًا من الزمان وسط محيط من الملحدين الكفار فإذا كانت الدول الأجنبية التي تبعد عنها مسافات طويلة - يقصد الدول الأوروبية الاستعمارية - قد جاءت لكي تقتسم الأراضي الأفريقية فيما بينها فإنني لن أقف منها موقف المتفرج».

وانطلاقًا من هذه المعطيات يتضح أن خلفيات هذا التحالف الغربي - الإثيوبي دينية ثقافية حضارية بالأساس وسياسية بدرجة ثانية، في التقارب الديني بين إثيوبيا في عهد الإمبراطورية قبل انقلاب 1974 والقوى الغربية المسيحية دفع كلا الطرفين للتحالف ضد الحضور الإسلامي في المنطقة عبر تقسيم الكيان الصومالي، وضم ما تبقى من الممالك الإسلامية التي كانت محيطة به- بهضبة الحبشة المسيحية والمتعايشة مع نظامها قبل التدخل الخارجي، وآخر الإمارات العربية الإسلامية في القرن الأفريقي؛ سلطنة «جماء» التي ضمها إليه هيلاسيلاسي في الثلاثينيات إلى إمبراطوريته.

وتجسد هذا التحالف في معاهدات واتفاقيات بين الطرفين مثل معاهدة 1897 التي سلمت بريطانيا بمقتضاها أوغادين الصومالية بعد أن سلمتها (هرر) التي كان يوجد فيها المصريون، وفي عام 1955 سلمت بريطانيا الحبشة منطقة «هود» الصومالية، وفي مايو 1908 وقعت إيطاليا والحبشة معاهدة لتحديد حدود الأراضي الصومالية التي يحتلها كل طرف، وفيه 1906 حصل اتفاق بين الدول الأوروبية، وإثيوبيا نص صراحة على دعم ومساندة الإمبراطورية الإثيوبية والمحافظة على كيانها وحدودها حيث أكدت الدول الأوروبية الموقعة في الفقرة الرابعة من الاتفاق على التزامها الكامل بالمحافظة على وحدة الإمبراطورية الإثيوبية إذا ما تعرضت إلى أي تهديد.

وهكذا دخلت إثيوبيا شريكًا كاملًا ومباشرًا في عملية التقسيم الأوروبي لأفريقيا، وأصبح منليك الإثيوبي منشئ الإمبراطورية الحديثة يرتدي نفس الزي الاستعماري لملوك أوروبا، كما سار خليفته الإمبراطور هيلاسيلاسي في نفس الطريق وبنفس الأسلوب ووضع نفسه في موضع زعماء أوروبا متحالفًا معهم في الحرب والسلم على السواء، فإذا كان منليك قد أرسل بجيشه فيما بين 1900 و1904 لمساعدة حليفته الاستعمارية بريطانيا في إخماد الثورة المهدية في السودان، والثورة الصومالية بزعامة محمد عبد الله حسن الذي بدأ ثورته منذ 1897 فإن هيلاسيلاسي تطوع بإرسال بعض جنده أيضًا لمساعدة أمريكا في الحرب الكورية تعبيرًا عن التضامن في السيئ والحسن. وانتهت هذه المرحلة الاستعمارية بتكريس تقسيم المنطقة إلى عرقيات وقوميات متناحرة بين الصومال وإثيوبيا وفرض الهيمنة الإثيوبية على قطاع واسع من الأراضي الصومالية إذ تقدر منطقة أوغادين لوحدها بثلث مساحة إثيوبيا اليوم.

الاستقطاب الدولي

وكعادتها حرصت القوى الاستعمارية الغربية على ضمان مصالحها في المنطقة قبل جلاء جنودها وحصول بلدان القرن الأفريقي على استقلالها، وهكذا كانت المرحلة الثالثة متسمة بتداخل صراع القوى الكبرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة مع التحولات السياسية الداخلية والصراع على السلطة بين الفصائل ذات الانتماءات العرقية المختلفة إلى جانب الصراع بين الأنظمة والقوى الوطنية والإسلامية الصاعدة.

وأمام ضعف الإمبراطوريات الأوروبية الاستعمارية بعد حربين ضاريتين، برز نجم أمريكا التي تمكنت من الإشراف على خطوط مواصلات الشرق والغرب ونقاط التحكم في شرايين التجارة الدولية من خلال إقامة قواعد عسكرية وقواعد اتصالات في إثيوبيا والأراضي الإريترية المحتلة مقابل حماية نظام الإمبراطور الإثيوبي، وتمكينه من كل الصلاحيات للتوسع في المنطقة وتكفي الإشارة إلى أن إثيوبيا من أوائل البلدان الأفريقية التي استرجعت سيادتها على أراضيها قبل عشرية من موجة الاستقلال في أفريقيا وآسيا عبر تسهيلات غربية.

فبعد تنازل إيطاليا عن حقوقها في مستعمراتها القديمة على ضوء معاهدة باريس عام 1947 احتلت إثيوبيا أوغادين من جديد عام 1948 بعد انسحاب بريطانيا من هذه المنطقة الصومالية وفي 2 كانون الأول (ديسمبر) 1950 صدر قرار للأمم المتحدة رقم 1090 ينص على إقامة فيدرالية إثيوبية إريترية جاء فيه: «فالآن تأخذ الجمعية العامة في اعتبارها على ضوء تقرير بعثة الأمم المتحدة لإريتريا وتقرير اللجنة المؤقتة:

 أ- مصلحة الأمن والسلام في شرق أفريقيا.

ب- حقوق إثيوبيا ومطالبها المبنية على أسباب جغرافية وتاريخية وعرقية واقتصادية بما في ذلك على الأخص حاجة إثيوبيا المشروعة إلى منفذ مناسب إلى البحر وإذ نقر بأن التصرف في إريتريا يجب أن يبنى على مشاركتها السياسية والاقتصادية الوثيقة مع إثيوبيا توصي، بأن تؤلف إريتريا وحدة مستقلة استقلالًا ذاتيًا ومتحدة اتحادًا فيدراليًا مع إثيوبيا».

ومن خلال هذا القرار يتبين أن أحد الأسباب الرئيسية في ضم إريتريا إلى إثيوبيا الصليبية يتمثل في حصول هذه الأخيرة على منفذ إلى البحر الأحمر حتى يكون لها نفوذ وعين تراقب خليج عدن وباب المندب، مع الإشارة إلى أنها تستحوذ من جهة أخرى على منابع النيل الأزرق وسوباط وعطبرة التي توفر بنسبة 80% من مياه هذا النهر.

ومع بداية الستينات حصلت تطورات سياسية في المنطقة تمثلت في استقلال الصومال في 1 يوليو 1960 عن طريق دمج مستعمرتين قديمتين: الصومال البريطاني والصومال الإيطالي وقيام جمهورية نص دستورها الأول على العمل على استعادة سيادتها ووحدتها عبر ضم باقي الأقاليم الخمسة أي الصومال الفرنسي والعفر والعيسى وساحل الصومال الغربي و«أوجادين» من إثيوبيا والإقليم الشمالي الشرقي لكينيا، وبعد عام واحد انطلق الكفاح المسلح للشعب الإريتري بعد تشكيل جبهة تحرير إريتريا المطالبة بحق تقرير المصير والاستقلال عن إثيوبيا التي سارعت في 14 تشرين الثاني 1962، بإنهاء الفيدرالية ودمج إريتريا كليًا في الإمبراطورية دون أن يتحرك المجتمع الدولي احتجاجًا على الممارسات الإثيوبية.

التحالفات والتحالفات المضادة

وأمام الهيمنة الغربية - الأمريكية على مناطق رئيسية في القرن الأفريقي، الاتحاد السوفيتي في ظل الحرب الباردة إلى اكتساب موضع قدم في هذه المناطق الاستراتيجية من أجل الاقتراب من مصادر الطاقة ومراقبة حركة التجارة العالمية ولعب دور الشريك في الصراع العربي - الصهيوني واستطاع في خطوة أولى أن يخترق منطقة النفوذ الأمريكية بتوقيع أول اتفاقية عسكرية مع جمهورية الصومال الحديثة عام 1961، ومدها بالأسلحة بشكل واضح منذ عام 1963 في الوقت الذي توترت فيه العلاقات البريطانية الصومالية بسبب إصرار الصومال على ضم الإقليم الشمالي والشرقي لكينيا التي كانت لا تزال تحت احتلال التاج البريطاني.

وقد أدرك الأمريكان خطورة خروج الاتحاد السوفيتي من سياسة العزلة داخل المعسكر الشرقي ولقد كانت الصومال مشروع فيتنام جديدة يحاول السوفيت فتح جبهتها لاستنزاف الجهد الأمريكي في القرن الأفريقي.

وانعكست المخاوف الأمريكية على المواقف الإثيوبية إذا استغلت إثيوبيا احتضانها لمنظمة الوحدة الأفريقية للتأثير على قراراتها وتوصياتها حيث رفض رؤساء أفريقيا في المؤتمر الأول للمنظمة في أديس أبابا في مايو 1963 الطلب الصومالي بالاعتراف بحق تقرير مصير المناطق الصومالية الواقعة تحت السيطرة الإثيوبية والكينية باسم «عدم المساس بالحدود الراهنة بين الدول الأفريقية» كما نص عليه ميثاق المنظمة، وعلى هذا الأساس تدخلت المنظمة لإيقاف المواجهة المسلحة بين الصومال وإثيوبيا في إقليم أوغادين عام 1964، كما دعا كل من الاتحاد السوفيتي وأمريكا إلى تسوية النزاع بطريقة سلمية.

توازنات جديدة

لكن مع نهاية الستينات وبداية السبعينات حدثت تحولات هامة في الخريطة السياسية بمنطقة القرن الأفريقي، فأمام ضعف الحكومة المدنية الصومالية وتخفيض مطالباتها بصومال كبرى وتنازلها أمام الاستعمار الفرنسي لجيبوتي حصلت أزمة سياسية في مقديشو قتل على أثرها الرئيس شرماق يوم 15 تشرين الأول 1969 وحصل انقلاب عسكري يوم 21 من نفس الشهر تسلم على إثره سياد بري مقاليد السلطة وأعلن عن قيام جمهورية تعتمد الاشتراكية العلمية كأساس مبدئي في سياستها، وارتمى النظام الجديد في أحضان الاتحاد السوفيتي الذي قدم مساعدات ضخمة عسكرية واقتصادية، لكن النظام الصومالي ربط علاقات مع أطراف أخرى مثل الصين وكوبا والعربية السعودية خاصة بعد أن أصبح عضوًا في الجامعة العربية.

وفي المقابل دخل نظام بري في مواجهة مع الحركة الإسلامية الناشئة أهم محطاتها إعدام عشرة علماء عام 1975 ومثول 25 آخرين أمام محكمة أمن الدولة بتهمة توزيع مناشير والتحريض على الاعتراض على قانون الأسرة الجديد الذي يضع الشريعة الإسلامية في الميزان، فقد وقفت الحركة الإسلامية أمام التوجه الشيوعي العلماني للنظام ودفعت الضريبة غالية.

أما على مستوى الطرف الإثيوبي، فقد شهدت نهاية الستينات وبداية السبعينات ضعفًا وتدهورًا لأوضاع الإمبراطورية، وانتهى الأمر بانقلاب عام 1974 وتسلم منغستو ماريام مقاليد السلطة، وإقامة نظام شيوعي راديكالي وجد فيه الاتحاد السوفيتي حليفًا استراتيجيًا، واستغل منغستو موقعه القوي للقيام بهجوم مضاد على منطقة أوغادين واستطاع بفضل مساعدة سوفيتية كوبية دحر الهجوم. كما هاجم منغستو منذ يوليو 1978 الحركات الثورية الإريترية واحتل الجزء الكبير من إريتريا، وفي يوم 20 تشرين الثاني 1978 تم إمضاء معاهدة صداقة وتعاون بين موسكو وأديس أبابا.

وتفرد النظام الثوري الإثيوبي باعتماد نظام الحزب الواحد واتباع سياسة استبدادية أطلق عليها نعت القمع الأحمر بلغ ضحاياها حوالي 25 ألف شخص منهم نسبة كبيرة من المسلمين الذين طالبوا بحقوقهم الدينية والمدنية.

ووجد الاتحاد السوفيتي في هذا الحليف الجديد تعويضًا كبيرًا عن النكسة التي لاحقته في كل من مصر والسودان ثم في الصومال، بعد طرد خبرائه العسكريين من مصر واتهام موسكو بالوقوف خلف الانقلابيين في الخرطوم عام 1971، وتحول توجهات نظام بري نحو الغرب إثر تدهور علاقات الصومال مع موسكو في حرب أوغادين عامي 77 و1978 وطرد الخبراء السوفيت من مقديشو.

اختراق صهيوني

ومنذ ذلك التاريخ دخلت منطقة القرن الأفريقي في توازنات وتحالفات جديدة وعادت الهيمنة الغربية - الأمريكية على السواحل الشرقية في الوقت الذي برز معطى هام تمثل في الاختراق الصهيوني للمنطقة وربط علاقات استراتيجية مع إثيوبيا باعتبارها الطرف الوحيد غير العربي في المنطقة وتلتقي المصالح الصهيونية - الإثيوبية في مراقبة شرايين رئيسية والامتداد في القارة الأفريقية وتطويق الانتشار الإسلامي.

واستمر وضع الاستقطاب الدولي هذا حتى انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام نظام دولي جديد أحادي القطبية بزعامة أمريكية ودخلت المنطقة في مرحلة جديدة. من أهم هذه المعطيات سقوط النظام الشيوعي في أديس أبابا آخر مايو 1991 ودخول متمردي الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي وانتخاب ميليس زيناوي رئيسًا للجمهورية، أما في الصومال فقد نتج عن سقوط نظام سياد بري في يناير 1991 وضع دستوري غامض اتسم بصراعات قوية انتهت بتدخل أجنبي أمريكي تحت راية الأمم المتحدة.

من ناحية أخرى حصل انقلاب في السودان في يونيو 1989 قام على إثره نظام ذو توجه إسلامي واضح، في حين دخل اليمن تجربة برلمانية جديدة برزت فيها حركة الإصلاح الإسلامية، وتمكن الشعب الإريتري من تحقيق استقلاله يوم 24 مايو 1991 بعد 30 سنة من الكفاح المسلح.

تحالف إثيوبي - صهيوني

فالنظام الإثيوبي الجديد وطد علاقاته مع المعسكر الغربي والكيان الصهيوني مقابل مساعدات مالية وسياسية وعسكرية هامة. من ناحية أخرى، صدر تقرير من وكالة قدس برس للأنباء بتاريخ 10/5/1993 عن مصادر في الخارجية الإسرائيلية قولها أن «إسرائيل» قررت منح إثيوبيا صفة الدولة ذات الأولوية في المساعدات الاقتصادية والتكنولوجية، وقد وصف بيريز العلاقة بين الطرفين بقوله: إنها علاقات تاريخية وجغرافية واستراتيجية مشيرًا إلى أهمية إثيوبيا الجغرافية.

ويؤكد هذا التقرير العلاقات القديمة التي كان أحد معالمها تهجير يهود إثيوبيين عرفوا باسم الفلاشا، كما يؤكد علاقات نظام إريتريا الجديد بزعامة أفورقي مع الكيان الصهيوني. وتحدث عن اتفاقيات أمنية بين الكيان الصهيوني وحكومة أفورقي استعادت إسرائيل على ضوئها قواعدها العسكرية في جزر دهلك مما يعد تهديدًا لمنطقة القرن الأفريقي ودول حوض البحر الأحمر والخليج العربي.

التدخل الأجنبي في الصومال

أما الطرف الصومالي فقد وقع نتيجة الحرب الأهلية والمجاعة في فخ القوى الخارجية متمثلًا في التدخل الأمريكي في الصومال، ولكن في هذه المرة تحت غطاء إنساني اسمه «إعادة الأمل». وفي تصريح لمجلة «المجتمع» صرح الناطق الرسمي باسم الحركة الإسلامية في الصومال الدكتور إبراهيم الدسوقي، بأن التدخل الأمريكي في الصومال ليس إلا حملة صليبية جديدة لتطويق العالم الإسلامي.

وكل المؤشرات تؤكد بأن التدخل الخارجي في مقديشو ليس وقتيًا وإنما سيكون مقدمة لتدخلات أخرى في مناطق مجاورة باسم حق التدخل الإنساني فالقرار رقم 794 الصادر عن مجلس الأمن ينص على تعبئة 40 ألف جندي من 20 بلدًا منهم أكثر من 30 ألف أمريكي.

أما كينيا التي فتحها العرب في القرن 7 الميلادي وتضم أكثر من 15% من المسلمين فإنها غير مستعدة بدورها لإعادة المنطقة الشمالية الشرقية التي كانت تابعة للصومال، وسلكت سياستها خطوات في المعسكر الغربي مع التأكيد على تكريس الهوية المسيحية للبلاد على حساب المسلمين الذين يعانون الاضطهاد.

تطويق العالم الإسلامي

من خلال الرابط بين تطورات الأوضاع داخل منطقة القرن الأفريقي وحولها يلاحظ بأن القوى الغربية - الصهيونية أحكمت تطويقها للعالم الإسلامي من خلال البوابة الأفريقية الشرقية لمنع انتشار حركة الوعي الإسلامي الصاعدة ووضع ستار حديدي أمام كل محاولات التقارب العربي الإسلامي من جهة والأفريقي المسيحي والزنجي من جهة أخرى.

وبالتالي، فإن منطقة القرن الأفريقي دخلت مرحلة حرجة في تاريخها حيث سيتحول الصراع من عملية استقطاب دولي بين معسكرين شرقي وغربي كما كان قائمًا في السبعينات والثمانينات إلى صراع بين المعسكر الغربي - الصهيوني والقوى الصاعدة المطالبة بالتحرر من التبعية الأجنبية والتصالح مع هويتها الإسلامية.





منطقة القرن الأفريقي.. تاريخ يضـج بالصراعات الدولـية

القرن الأفريقي في عام 2020م.. صراعات أزلية وتحديات مستقبلية

 

الرابط المختصر :