; المظلومون في تاريخنا المسجد الجامع القرطبي أرضه عذراء بلا شراء | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا المسجد الجامع القرطبي أرضه عذراء بلا شراء

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008

مشاهدات 61

نشر في العدد 1795

نشر في الصفحة 40

السبت 29-مارس-2008

  • تحفة معمارية فنية رائعة نادرة المثال ويعتبر من أكبر مساجد العالم.
  • إسبانيا تحتل المرتبة الأولى على العالم سياحيًّا بسبب الآثار الإسلامية الفريدة ومنها هذا الجامع.

للمسجد الجامع بقرطبة تاريخ حافل مجيد مليء بالقصص والأحداث السارة والمحزنة الكئيبة، كلاهما توصل إلى حد السرور الجامح في الأولى وإلى الأتراح المثقلة الغاصة المنغصة في الثانية إلى حد تكاد تنسيك الأولى أو تذهب بها والدعوة هنا لمسيرة برفقة لازمة للمسجد الميمون الأسير الحزين لكنها متعجلة ومترجلة، للوصول إلى القضية الموضوعة عنوانا، والتي للأسف خلا منها الميدان في معلوماته ودراساته الممتدة عبر القرون مثل كثير مما في تاريخنا، حتى إنها فاتت على بعض مؤرخينا، رووها دون تعليق.

لكن كاتب هذا المقال وأمثاله ممن لهم واقع حي في الميادين المرئية لهم في المشاهدة فهم أكثر قربًا من حقيقتها وأمعن نظرًا في أعماقها. وأسد حكمًا في استنتاجاتها. يشمل هذا المواقع المعمارية والمباني الأثرية والتضاريس والمتعلقات الجغرافية.

تمت مثلًا مواجهة ذلك خلال كتابة فتح الأندلس وما وراءها في الغرب الأوروبي (الأرض الكبيرة بامتداداتها). ذلك بعد عرض الروايات التاريخية لأحداثها، والانتقال إلى رسم خرائطها وتحديد مواقعها، ووجدت مشقة وصعوبة تكاد تفت في مسيرة العمل وتهدده بالفشل في إنجاز تلك المهمة اللازمة لفهم الموضوع، حيث لاحظت أن الخبر التاريخي كان يذكر دون تحديد موضعه ومعرفة طريق سيره، ووجدت أن فهم هذه الأمور عن طريق الموضحات من الرسوم والخرائط والصور يقدم للمدارس صورة حية للعمل، ويجعله ينبض بالحياة، كأنك تراه وتلمسه إن لم تكن تخاطبه. ولذلك فرؤية المسجد القرطبي الجامع وأمثاله في الأندلس على وجه الخصوص يمنحك صيغًا -فهمًا وإدراكًا وجاذبية- تفتقدها تمامًا القراءة المجردة المهددة بالجمود.

بالإضافة إلى أن كثيرًا ممن زار هذا المسجد القرطبي الجامع - وأمثاله، وغيره من الآثار الأندلسية، وأخواتها - كان قد قرأ عنه، ومع ذلك دهش وفوجئ وأخذ بما يراه. رغم ما أصاب هذا المسجد الجليل من تشويه أبعده عن حاله التي كان عليها، وهدم حوالي نصف أعمدته، وما أنشئ من مبانٍ غريبة عنه في داخل حرمه كل ذلك فتح قرائح الشعراء من أمثال أحمد شوقي ومحمد إقبال وشكيب أرسلان، وغيرهم كثير لأجمل النثر والشعر. 

لا مثيل له 

وإذا كان هذا بعد الذي جرى له، وأدخل عليه ما ليس منه، وأحل فيه ما يغيب الكثير من تفرده، فكيف إذن كان الحال في غابر عهده 19 حيث كان كل من يزوره من مدن الأندلس الأخرى، يقول فيه ما تجود به قريحته. 

وصفه العديد ممن رآه بأنه لا مثيل له بين مساجد العالم الإسلامي من أمثال الشريف الإدريسي (٦٦٠ هـ) الرحالة الجغرافي الشهير، مؤلف كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وهو الذي اعتاد أن يرى الكثير من المساجد خلال رحلاته في العالم الإسلامي، فقال عنه: يحار فيه الطرف (النظر) ويعجز عن حسنه الوصف فليس في مساجد المسلمين مثله تنميقًا وطولًا وعرضًا.. كما قال فيه الشيخ الإمام المفسر أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (نفح 1/١٥٣، ٦١٦، ٦٧٩ - ترجمته): 

بأربع فاقت الأمصار قرطبة            وهن: قنطرة الوادي وجامعها 

هاتان ثنتان والزهراء ثالثة               والعلم أكبر شيء وهو رابعها 

بل إن الإمبراطور الإسباني كارلوس الخامس (شارلكان) Carlos V. بعد السقوط سأله رهبان قرطبة يستأذنونه أن يهدموا جانبًا منه ليقيموا مكانه كنيسة. فأذن لهم، ولم يكن قد رآه قبلًا، فتم ذلك، ثم زار المسجد فيما بعد. فدهش وندم على موافقته، وقال: لقد بنيتم هنا ما كان يمكن بناؤه في أي مكان آخر، وقد قضيتم بذلك على ما كان أثرًا وحيدًا في العالم. 

شواهد تاريخية

ومن الشواهد التاريخية المؤثرة في هذا الأمر ذكر زيارتين لسفيرين مغربيين، زارا إسبانيا للتباحث مع سلطاتها حول تحرير ما لديها من الأسرى المسلمين واسترداد ما يمكن من المخطوطات التي استولى عليها القراصنة الإسبان في المياه المغربية إلى جانب ما يمكن من المخطوطات الأندلسية وربما مهمات أخرى كما يمكن أن يفهم. عن رحلته، دوَّن فيها وكتب كل منهما كتابًا. تفاصيل زيارته التي كان منها قرطبة ومسجدها الجامع.

محراب المسجد القرطبي أحد درر الفن المعماري الأندلسي بناه الخليفة الحكم المستنصر بالله اكتمل بناؤه. بعد نحو أربع سنوات من العمل في ذي الحجة سنة ٣٥٤هـ وقبة هذا المحراب العتيد رائعة مزينة بالفسيفساء

(1) السفير الوزير محمد بن عبد الوهاب الغساني (١١١٩ هـ ١٧٠٧م) الأندلسي الفاسي أرسله ملك المغرب المولى إسماعيل لملك إسبانيا كارلوس الثاني سنة ١١٠٢هـ. يقول في كتابه: «رحلة الوزير في افتكاك الأسير» زرنا مسجدها الأعظم الشهير الذكر البعيد الصيت، وهو مسجد كبير جدًّا في غاية الإتقان وحسن البناء... وهذا المسجد هو أكبر مساجد الدنيا وأعظمها صيتًا (الرحلة: ۱۹۱۸)

(۲) السفير أحمد بن المهدي الغزال (۱۱۹۱ هـ - ۱۷۷۷م)، أرسله ملك المغرب المولى محمد بن عبد الله سنة ١٧٩ ١هـ - ١٧٦٦م، إلى كارلوس الثالث ثم وضع كتابه «نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد» الذي يقول فيه عن زيارته للمسجد القرطبي العتيد ومنذ عبرنا هذا المسجد لم تفْتُر لنا عَبرة مما شاهدناه من عظمته وتذكرنا ما كان عليه على عهد الإسلام وما قرئ فيه من العلوم وتُليت فيه من الآيات وأقيمت فيه من الصلوات وما عبد الله به.

وقد تخيل في الفكر أن حيطان المسجد وسواريه تسلم علينا وتهش إلينا من شدة ما وجدناه من الأسف، حتى صرنا نخاطب الجماد وتعانق كل سارية ونقبِّل سور المسجد وجدرانه (نتيجة: ٩٧- ٩٦) 

ومن الطريف أنه كانت لي زيارة مع بعض أفراد أسرتي (مآب وأحمد) في أواخر أيام عام ٢٠٠٢م، فعلقوا إعجابًا بالمسجد. ومما قالت مآب: إنها بعد الآن ليس لديها مزيد من الأمنيات!.

مفاجأة طريفة: وإليكم مفاجأة طريفة: ذلك أنه يوم كنت في جامعة الإمارات، صحبت مجموعة من طلبتها البنين (وقبلها مجموعة من البنات)، قمنا بزيارة المسجد الميمون، ولدى أول دخولنا باحته منعنا من أداء صلاة تحية المسجد ودخلنا حرمه، ولما وصلنا المحراب العجيب الباهر المدهش، وقفنا أمامه نتملى فئه المعماري النادر، وفجأة وبدون أي تفكير سابق انطلقت بأعلى صوتي أمام المحراب مرددًا أذانًا كاملًا.. بعدها حمدت الله تعالى إذ مكنني من ذلك، ثم قلت لو أعطيت ملء بيت ذهبًا بديلًا لا أرضاه أبدًا. فالحمد لله لما هيأ وأنعم ومكَّن، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة. ومما ذكره منهم بهذه المناسبة أنه منذ نحو ربع قرن وإسبانيا لا تكاد تتخلف عن كونها أول بلد سياحي في العالم، كل ذلك بسبب هذه الآثار الإسلامية، ومن أولها المسجد الجامع القرطبي، ومما يثير التعجب كثرة الزائرين على مدار العام، وأنت تسمع منهم عبارات الإعجاب والدهشة من روعته، وقبل عدة سنوات احتفلت إسبانيا بمرور اثني عشر قرنًا على إنشائه!! ومن عجب أنك تجد أقل الزائرين والمحتفين به – وللأسف الشديد جدًّا – هم المسلمون، وأقلهم العرب، حتى  المقيمين في أوروبا! 

بداية البناء، ولدى الفتح الإسلامي وافتتاح مدينة قرطبة (١٢هـ) أقيم فيها مسجد بشكل بسيط على هيئة سقائف هندسية وحدد قبلته مهندس المساجد في الغرب الإسلامي: الفقيه حنش بن عبد الله الصنعاني (١٠١هـ). ولما قدم عبد الرحمن الداخل وبويع بالإمارة (۱۲۸ هـ)، بادر بهدم المسجد الأول القديم، وبدأ بناء هذا المسجد الجديد سنة ١٦٨ هـ (نفح 1/٥٦١) وأتمه ابنه هشام، ثم استمر من جاء بعده من الأمراء والخلفاء في زيادته وتوسعته، ليتم بناءه حوالي سبعة منهم (نفح 1/٥٤٥ ،٥٦١ نقلًا عن المغرب، مما ليس موجودًا في المطبوع منه) مستمرين في ذلك حتى بلغ الغاية بفنيته العالية التي قلما تتكرر، بزيادة الخليفة الحكم المستنصر الذي كان من أوائل الأعمال التي قام بها لدى توليه الخلافة (٣٥٠هـ) واستمرت نحو أربع سنوات توجها بالمحراب التحفة ثالث محاريب المسجد كان الحكم نفسه قد تولى الإشراف على زيادة والده الناصر، وكان ممن يعاون في الإشراف على هذه الزيادة الحكمية قاضي الجماعة بقرطبة الفقيه الأديب منذر بن سعيد البلوطي (٣٥٥هـ).

عندها بدا المسجد بأعمدته الرشيقة كأنه غابة سوار، بأعدادها التي زادت على ألف وأربعمائة عمود أو سارية التي ذهب منها قرابة نصفها. كما بدأ العبث به منذ سقوط مدينته في ٢٣ شوال سنة ٦٣٣هـ (29/٦/١٢٣٦م) حتى ذهب الكثير من نوره ورونقه وبهائية ولآلئه وإيحائه ورواته وشموخه وجاذبيته. ورغم كل ذلك ما يزال يحتفظ بكثير من هيئته التي تروي بعض قصته منذ نشأته: غابره وحتى حاضره، تتقدم ذاكرته وذكرياته تبدو كأنها مشاهد حية ماثلة.

ألَا يبدو غريبًا أنه لم يصل إلينا اسم أي من مهندسي هذا المعمار الرائع الفريد؛ لا أستبعد أن يكون «مسلمة» رئيس مهندسي مدينة الزهراء، التي بناها الخليفة الناصر (350هـ) واستمر العمل فيها سنوات. وبإشراف الحكم كذلك، هو الذي هندس زيادة الحكم المسجدية. وقال ابن حيان ألفيت بخط ابن دحون الفقيه، قال مسلمة بن عبد الله العريف المهندس بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة (نفع الطيب 1/٥٦٧). 

تحفة رائعة

إن هذا المسجد القرطبي العتيد الفريد الوحيد البعيد.. ما يزال يحتفظ مفتخرًا بكثير مما ذكر من مؤهلاته التي وصلتنا أوصافها، بلغتنا ناجية من الضياع، مما دونه مؤرخونا من رشاقته وأناقته وذوقه وقوته في مقارعة كل الأحداث التي أصابته خلال رحلته الطويلة –منذ أيامه الأولى التي بلغت نحو اثني عشر قرنًا ونصف القرن - بتوالي الزمان، ربما هو أقل من القليل، لكن أكثر منه جدًّا ما نُكب به بيد الإنسان، التي عبثت عمدًا بهذه التحفة الفنية الرائعة النادرة المثال أو عديمته، وإنك مهما زرته لا تمله. وكلما أمعنت النظر رأيت من ذلك أكثر واقتربت من فنيته وهندسته، معمارًا وأفكارًا وانبهارًا، ولقد فشلت كل المحاولات في تقليده، ولكن رغم أن بناءه في صورته الأخيرة اكتملت بعد نحو قرنين وربع القرن على يد عدة مهندسين، فإنك تشعر أن الذي قام عليه نفس المهندسين الذين لا نكاد لا نكاد نعرف أحدًا منهم.

لا تمل زيارته

إن هذا الصرح الفريد المتميز بفنيته المعمارية، لا تمل زيارته أو تتأخر عنها، وإن معرفة وإدراك وظهور هذا التميز. لا يستوعب فقط مما يكمن فيه مقارنة مع غيره من أمثاله قديمًا وحديثًا، بل وأهم منه من خلال النظر في ذات أوصافه وحقيقة بواطنه ومكنوناته، وأمامه تتوقف نظرية: النسبية: Relativity: Einstein's Theory للفيزيائي الأمريكي – الألماني المولد – ألبرت أینشتاین (١٩٥٥)Albert Einstein) )على اعتبار أن تميز المسجد ليس فقط بالنسبة لعصره، مع كل الذي وقع له ما يزال يثير إعجاب زائريه مأخوذين برائع معماريته. إذن كيف كان الأمر سيبدو لولا عبث الإنسان الشنيع به، وعجيبة أخرى أن هذه الزيادات التي استمرت نحو قرنين وربع القرن!!لكن البناء ما زال يبدو وكأنه تم بيد مهندس واحد هو نفسه الذي تولى بناءه بكل متعلقاته أليس من العجب العجاب المتعدد المرات التي منها: أن ارتفاع السقف الذي يبلغ نحو عشرة أمتار تحمله أعمدة يبلغ قطر الواحد منها ٢٥ سم كل عمود منها في حقيقته من قطعتين من الصعوبة أن يتبين ذلك زائر إلا بتفحص وتركيز وتَقَصٍّ. وهذا عندي بشير لا محالة إلى أثر العقيدة في أسلوب إظهار المعاني والتعبير عنها، التي لا تعتمد التجسيم بل التعبير والتأشير والتأثير، بأسلوب سهل (ممتنع) –مبسط عن دلائل المعاني والمعنويات الذاتية. الممتلئة المؤثرة النافذة. 

يصعب تكراره

لقد كان هذا الإبداع والسبق الفني المعماري من الصعب النادر تكراره، وجرت محاولة بعد اكتمال بنائه بعدة قرون، رغم إمكانياتها وخبرتها – وبعضها من هندسة المسجد القرطبي بالذات - وتطور المعمار وقته وإمكانياته لكنها فشلت فشلًا ذريعًا. تلك هي كنيسة نوتردام الباريسية – حيث أريد بناؤها،Paris Nutre-Dame  مشابه لارتفاع سقفها ورقة أعمدتها وأناقة منظرها - فما أدركوا شيئا من ذلك. ولا قريبهِ (حضارة العرب جوستاف لوبون ٥٧٤) كان ذلك رغم تفحصهم للمسجد والاستعانة بالخبرة الأندلسية ومهندسيها. فلم تأت بشيء، فكان سُمك الأعمدة الرئيسة ضخمًا ومنظره مترهلًا، حيث بلغ. قطر الواحد منها أربعة أمتار: ١٦ ضعف قطر عمود المسجد الميمون ٢٥سم فحسب!

وما ذكرته آنفًا كان تمهيدًا لبيان الظلم الذي وقع على المسجد وبنائه، حيث قيل: إن المسجد أقيم فوق أرض كانت كنيسة، أُخِد نصفها لدى الفتح، ثم اشترى الأمير الداخل - نصفها الثاني، مساومة لأهلها بمال. ثم بإعطاء النصارى أرضًا يقيمون عليها كنيسة جديدة في قرطبة (الروض المعطار: ۲۸۸. نفح 1/٥٦٠ –٥٦١، 4/٣٥٧)

شاعت هذه الأسطورة المروية عند مؤرخين ودارسين قدماء ومحدثين، لا تكاد تذكر أو تعرف نظرية غيرها، ولعل ذلك مما كان يستوقف النظر ويقلقه، وكانت هناك إشارة خفيفة قد يفهم منها – وليس بالضرورة نفي هذه الخرافة (نفح 1/563).

أدلة قاطعة 

لبيان حقيقة هذا الأمر وتثبيته بالأدلة والحجج، يمكن اتباع سبل ثلاثة متضافرة:

(1) العقلي المنطقي (۲) التاريخي – الرواية (۳) العملي الآثاري.

(1) لم يفعل المسلمون ذلك خلال تاريخهم بل كانوا يحافظون على كل ما يتعلق بديانة الآخرين وعباداتهم وعاداتهم يعطونهم على ذلك العهود والمواثيق ولا يخلفونها. وقد أثنى عليهم بذلك العديد من الدارسين الغربيين معجبين ومشيدين (حضارة العرب ٢٧٦-٢٧٧)، فإذا كان المسلمون يحافظون على عقائد وعبادات الآخرين. كيف يتعرضون لأماكنها؟ وانظر كتاب الأمان الذي كتبه عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) النصارى وغيرهم سنة ١٥هـ. مما جاء فيه: إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها... ثم لماذا يفعلون ذلك. والأرض الجديدة الممتدة أمامهم ما أكثرها يختارون منها ما يرونه مناسبًا؟ حتى لقد كان بإمكانهم أن يختاروا - لو اقتضى الأمر من مبانٍ أخرى. لیست معابد لأي أحد.

(۲) لا نكاد نجد ذكرًا لهذه الحكاية في أي من مصادرنا القديمة الموثقة، وإنما وجدت فيما بعد – مثل قضايا مماثلة – ربما نقلًا من كتب كنسية (قارن الروض ۲۸۸، ونفح 4/357). 

لكن توفر نص قد يفهم منه أنه لم يكن هناك أي مبنى، لا كنيسة ولا غيرها (نفح 1/٥٦٣).

(۳) استمر للأسف تناقل هذه القرية، منظر لمسجد قرطبة الجامع كاملًا، وتظهر فيه المئذنة (الصومعة) التي بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة ٣٤٤ هـ. ويبلغ ارتفاعها أكثر من أربعين مترا تقع عند مدخل الجامع على فناء المسجد (فناء التاريخ). ثم يليه حرم المسجد بكل توسعاته خلال ما يزيد على قرنين.

وقل من التفت إليها أو حاول التوقف عندها ومتابعة بحثها للتأكد من حقيقتها ونفي واقعيتها وإبطالها. لكن قلة قليلة جدًّا من الدارسين أبان غير ذلك من أن قصة بناء المسجد فوق أرض كانت كنيسة لا حقيقة لها، وتم ذلك نتيجة لجهود علمية، لعله كان في مقدمة هؤلاء بعض علماء الآثار الإسبان الذين أظهروا بطلان هذه النظرية لاسيما وقد تبين ذلك من خلال الحفريات التي تمت حول المسجد وربما في مواقع منه. أثبتوا أنه لم يكن هناك أي أثر لكنيسة أو ربما أي مبنى آخر، وإنما كانت أرضًا خالية «عذراء» وهذا كتاب بالإسبانية عن الفنون الإسبانية، يتحدث في جزئه الثالث عن الفن العربي الإسباني يشير أن لدى الحفريات وجدت بقايا أنقاض مبعثرة مدفونة لبناء روماني قديم وهذا يقترب مما ذكره المقري (نفح 1/٥٦٣) الفن الإسباني، مانويل غومس مورينو، الجزء الثالث: الفن العربي الإسباني حتى أيام حكم الموحدين

 Manuel Gomez , Ars Hispaniae Vol.III:El Arte Arabe. Moreno Espanol hasta los Almo- pp. 19-20.۱۹۵۱ Madrid.hades

وهناك دراسات أخرى – رغم قلتها وجدتها تؤكد هذا المعنى ليست متوافرة لديَّ الآن لأشير إليها، تتثبت من خلاها نفي مثل هذه الخرافة، وتؤكد هذا المعنى. إضافة للأدلة الأخرى مجتمعة أو منفردة تؤكد أن المسجد القرطبي الجامع بني على أرض عذراء وبلا شراء.. أقيم عليها البناء، حقيقة بلا مراء.

الرابط المختصر :