العنوان المظلومون في تاريخنا.. يوسف بن تاشفين ( 5 من 6 )
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 42
السبت 29-ديسمبر-2007
العبور إلى الأندلس لم يكن أمرًا ميسورًا أو نزهة ميدانية.. ولولا أن ابن تاشفين جاء بدافع إسلامي لما فكر فيه
الجهاد في الأندلس أذهب »دولة المرابطين« حيث قدموا خيار قادتهم ومقاتليهم وعلمائهم شهداء.. وحتى أموالهم لم يبق منها شيء.,
حين انتهت معركة الزلاقة وفر « ألفونسو السادس»، هاربًا مع مئات من جنده إلى طليطلة، جعل ابن عباد يحرض على تتبع الطاغية وقطع دابره فأبى ابن تاشفين واعتذر، بأن قال: إن تتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين فيهلكهم، بل نصبر بقية يومنا حتى يرجع إلينا أصحابنا ويجتمعون بنا، ثم نرجع إليه فنحسم داءه. وابن عباد يرغب في استعجال إهلاكه، ويقول: إن فر أمامنا لقيه أصحابنا المنهزمون فلا يعجزون عنه، ويوسف مصر على الامتناع من ذلك.
كانت هذه وجهات نظر استصوب البعض رأي ابن عباد، ورجح آخرون رأي يوسف. لكن المهم أن ذلك جر إلى اتهام كليهما، على أساس أن لكل منهما هدفًا يخصه من وراء رأيه والتمسك به فقالت شيع ابن عباد: لم يخف على يوسف أن ابن عباد أصاب وجه الرأي في معالجته لكن خاف أن يهلك العدو الذي من أجله استدعاه فيحدث استغناء عنه. وقالت شيع يوسف: إنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العودة إلى جزيرة الأندلس. وقال آخرون: «كلا الرجلين أسر حسوا في ارتغاء«، وإن كان ابن عباد كان أحرى بالصواب. »وهو مثل يضرب لمن يقول أو يعمل شيئًا ويريد غيره».
أدلة نافية:
هناك أدلة كثيرة تنفي كل احتمال لمثل هذا التقول أو الظن بل وحتى الافتراض، وتجعله بعيدًا وغير ممكن ولا مقبول، ويمكن إبراز أهمها في النقاط التالية:
لا يبدو أن أحدًا منهما كان مقتنعًا أنه لو قضي على ألفونسو السادس وجيشه هذا سوف تنتهي المواجهات بين الطرفين..
إذا كان كلام ابن عباد وابن تاشفين هو رأي لكل منهما، فمن أين يتأتى لأحد أن يحمله ما لا دلالة عليه بحال؟
إن ابن تاشفين لم يأت برغبة من نفسه ابتداء، بل إن الوقود الأندلسية. علماء وأمراء وجماهير -ترددت عليه لسنين- لتقنعه بالمجيء، نجدة للمسلمين وإنقاذًا لبلادهم المعرضة للذهاب والابتلاع نهائيًا. قلبي النداء حسبة وجهادًا، وكل أقواله وأفعاله ومن معه تدل على ذلك.
لم يكن المجيء إلى الأندلس أمرًا سهلًا ولا حتى ميسورًا ولا هو نزهة ميدانية وهذه الجيوش بعشرات آلافها، وما تقتضيه من تعبئة وتجهيز ونفقات ولولا أن يوسف جاء بدافع إسلامي ما فكر في هذا الأمر قطعاً خاصة بعد ما رآه وجرب تكاليفه.
كان هذا الجهاد في الأندلس هو السبب الكبير الذي أذهب دولتهم وأطاح بها، حيث قدموا خيار قادتهم ومقاتليهم وعلمائهم شهداء، بل وحتى أموالهم التي لم يبق في خزائن الدولة منها شيء للجهاد.
قصة رائعة:
وتروى في ذلك قصة رائعة، ذلك أن يوسف حين عجزت خزينة الدولة عن تمويل الجهاد. في الأندلس وغيره، كتب إلى الجهات ليجمعوا له المال، وكان منهم »ابن الفراء« قاضي مدينة »المرية Almeria «جنوبي الأندلس على البحر المتوسط »الشهيد فيما بعد سنة 514هـ«، فكتب إلى يوسف يقول: «فما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك، وأن الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب موية اقتضاها، وكان صاحب رسول الله ﷺ وجاره في قبره، ولا يشك في عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله ﷺ، ولا جاره في قبره، ولا مَنْ لا يُشك في عدله فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة من أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين، وحينئذ تستوجب ذلك والسلام. فما كان من يوسف إلا أن نفذ ما أراد القاضي.
بجانب كل ذلك كان مجيء يوسف إلى الأندلس بدعوة من أهل الأندلس وباتفاق مبين ومشهود أمام العلماء الأندلسيين حسب رغبة ابن تاشفين نفسه »ورد في نص مجهول المؤلف نشره دوزي في مجموعته«
إن ملاحقة ألفونسو السادس- كما قال يوسف- قد تودي بالجيش المرابطي والأندلسي معًا، وتجعل كل أوروبا تجمع العزم على إرسال جيوشها مدداً لألفونسو، ردًا عليه. إلى جانب حصانة مدينة طليطلة التي اتخذها عاصمة. هناك لاحظنا كيف أن المرابطين حاصروها أكثر من مرة ولم رام يتم أخذها واستعادتها، ثم يفكون عنها حصارها، الأمر الذي يؤكد واقعية فكرة ابن تاشفين وجدية خطته وصدق قولته. وكانت هي نفس الخطة التي اتبعها يوسف في عبوره الثاني، وبعد إلحاح متكرر من قبل العلماء والجماهير وحتى من ملوك الطوائف في ربيع الأول سنة 481هـ »يوليو 1088م«، في موضوع حصار حصن »لبيط»، حيث وقد أهل الأندلس على يوسف، لا سيما من أهل بلنسية.. يشتكون ما حل بهم من صنيع الكنبيطور حليف ألفونسو السادس وتابعه الذي احتل مدينتهم بعد حصارها سبع سنين بنفس طريقة احتلال «طليطلة..»كما شكوا ما حل به »مرسية» وأعمال «لورقة» و«بسطة« بسبب حصن «لييط» وموقعه الشاهق المنيع الحصين، بعد أن تملكه ألفونسو وشحنه بالمقاتلة والعتاد والمؤن، لتعيث في تلك المناطق فسادًا، فكان فيه ألف فارس واثنا عشر ألف راجل...
واتصلت الحرب والحصار نحو أربعة شهور ليلًا ونهارًا، وظهر ليوسف ومن معه من ملوك الطوائف، ومنهم المعتمد نفسه أن لا فائدة في ذلك، مما دفع بهم إلى تركه والتأهب للقاء ألفونسو الذي سيأتي لنجدته بغرض تخليص من فيه بإخلائه فيزول ضرره، فالصواب إخلاء الطريق له. وهذا ما تم فعلًا فانسحب ألفونسو بجيشه منه بعد حرقه. عندها عاد يوسف منصرفًا إلى العدوة. بعد ما أرسل نحو أربعة آلاف فارس لنجدة بلنسية. وهذا يدل على أن ما رأه يوسف كان أجود .
الأندلس المرابطية
كذلك كان عبوره الثالث أوائل سنة 483هـ ( 1090م). استجابة لاستغاثة العلماء والناس هذه المرة لخلع ملوك الطوائف الذين عادوا إلى سابق عهدهم من التخاذل والخصومات. وتم ذلك بعد استشارة العلماء من الأندلس والمغرب والمشرق الإسلامي كذلك.
لقد كان يوسف يكثر من استشارة العلماء ويأخذ بآرائهم. وكانت هذه العبورات الثلاثة قبل التحاق الأندلس بالدولة المرابطية .
أما العبور الرابع والأخير فكان سنة 496هـ ( 1102م)، حين غدت الأندلس جزءًا تابعًا إداريًا للدولة المرابطية.
كانت تكاليف معركة الزلاقة كثيرة لا يمكن أن يقدم عليها أحد إلا جهادًا في سبيل الله ونصرة دينه وإنقاذًا لملته، وهو ما فعله يوسف بن تاشفين. وكان بالإمكان أن يذهب فيها هو وجيشه ولو تم ذلك لجرى له ولجيش الأندلس ما جرى لـ »ألفونسو السادس« في الزلاقة وجيشه وأكثر. وعندها ربما تلحق الدولة المرابطية الأخطار، وقد يصيبها بعض ما أصاب الدولة الموحدية في معركة «العقاب» التي جرت بين المسلمين من أهل الأندلس والموحدين بقيادة خامس حكامها الأمير الموحدي محمد الناصر، وبين جيش إسبانيا النصرانية ومن معهم من الأوروبيين بقيادة ألفونسو الثامن. وذلك يوم الإثنين الخامس عشر من صفر سنة 609هـ (16/7/1212م)، فكانت بداية نهاية الدولة الموحدية العتيدة.
رزء كبير
أما ما يتعلق بموضوع ملاحقة ألفونسو السادس وجيشه بعد معركة الزلاقة، فلعله ما كان ليقدم شيئًا مهمًا، من حيث إمكانية استعادة طليطلة أو من أجل القضاء على ألفونسو وجيشه، لكنه قد يؤدي إلى أن ينقلب هذا النصر ويذهب كثير من أهميته.
بل لقد ورد أن يوسف كان ينوي الدخول إلى بلاد العدو. لولا ما حدث حيث ذكرت بعض المصادر أنه في آخر أيام الزلاقة - بينما أمير المسلمين يدبر للدخول إلى بلاد المشركين - إذ وافاه كتاب بوفاة ابنه الكبير وولي عهده، فطرأ عليه من ذلك رزء كبير، ولم يكن له بد من العودة إلى العدوة.
وأخيرًا، إن إنسانًا يعف عن الغنائم ويرفض الألقاب والهدايا ليبقى جهاده خالصًا لا يمكن إلا أن يكون بريئًا من كل ذلك، وأن يكون بمستوى هذه القيم العظيمة العالية المتألقة.
المراجع:
1-الروض المعطار، الحميري.
2-نفح الطيب المقري التلمساني.
3-تاريخ الأندلس ابن الكردبوس.
4- دوزي: Abbadidis, Dozy