; المعارضة الباكستانية ثورة أم لعبة | مجلة المجتمع

العنوان المعارضة الباكستانية ثورة أم لعبة

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986

مشاهدات 53

نشر في العدد 768

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 20-مايو-1986

 

منذ أواخر العام الماضي، دأبت وسائل الإعلام العالمية، والغربية منها بشكل خاص، على تغطية أنباء الوضع السياسي في باكستان، مركزة على دور حزب الشعب الباكستاني الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق ذو الفقار علي بوتو، وإبراز دور ابنته بينظير بوتو في قيادة هذا الحزب نحو معارضة نظام ضياء الحق.

إعلام مغرض

ومنذ أن عادت بينظير بوتو إلى باكستان يوم 10 أبريل الماضي، واستقبلتها مئات الآلاف في مسيرة ضخمة، التقى الإعلام الغربي واليساري في تسليط الأضواء على دور ابنة بوتو وحزبها، وإبراز حجم التأييد الذي تتمتع به، مع الإيحاء بأن مستقبل الحكم ربما يصير إليها في وقت قريب. وقد ركزت وسائل الإعلام بشكل خاص على تصريحات بينظير بوتو المتضمنة نعت ضياء الحق بالديكتاتورية ومطالبته بالرحيل وإجراء انتخابات في الخريف القادم. فهل تعتبر هذه التغطية من الإعلام الغربي مؤشرًا على رغبة القوى الغربية الحليفة للنظام الباكستاني بتغيير شكل هذا النظام وإبداله بنظام آخر يكون مقبولًا أكثر لدى الجماهير، أم أن الأمر جزء من لعبة لتعزيز سلطات النظام من خلال بعض الإصلاحات الديمقراطية؟ أم أنها نوع من الضغوطات الخارجية لتعديل بعض مواقف النظام الباكستاني تجاه بعض القضايا ذات الاهتمام الدولي كالقضية الأفغانية؟

حكمة مقصودة

من جهتها، رفعت بينظير بوتو شعار استعادة الديمقراطية التامة، وأوضحت أنها وحزبها لا يريدان العنف وأعمال الشغب، وإنما يفضلان الجهود السلمية لاستقطاب الجماهير نحو إجراء انتخابات هذا العام. لكنها في الوقت نفسه طالبت بإسقاط الديكتاتور كما سقط ماركوس في الفلبين، وتمنت أن تنجح كما نجحت كورازون أكينو، وأبدت إعجابها بها وبطريقتها في العمل. كما أن بينظير بوتو كانت في البداية حريصة على أن تقف موقف النظام نفسه من القضية الأفغانية، حيث طالبت بانسحاب القوات السوفييتية كي يعود اللاجئون الأفغان إلى أرضهم. وفي الأيام الأخيرة تغيرت نبرتها، فأخذت تركز على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لوجود ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني في باكستان. ولما كانت قد زارت موسكو قبل عودتها لباكستان، شاعت تكهنات بأنها ربما اجتمعت بالمسؤولين في كابول من أجل التنسيق للضغط على حكومة ضياء الحق بدفع المحادثات الدولية لتسوية القضية الأفغانية تسوية سياسية.

وتحاول وسائل الإعلام الغربية أن تظهر بينظير بوتو بأنها سياسية محنكة وحكيمة من خلال الإشارة إلى دراستها في جامعات لندن، واتباعها أسلوب التحرك السلمي والحكيم، ورفعها شعارات الغذاء والمسكن والملبس التي تلقى ترحيبًا جماهيريًّا واسعًا في بلد فقير كالباكستان. ويميل بعض المراقبين للقول بأن غرض بينظير بوتو ليس استعادة الديمقراطية، وإنما استعادة نفوذ عائلة بوتو.

ومثل هذه الأساليب ربما تكون مناسبة في بلد كالباكستان يتمتع فيه الحكم العسكري بنفوذ وسلطان واسع في ظل تشتت وضعف الأحزاب السياسية والإرث التاريخي منذ الاستقلال، حيث إن الأحكام العرفية أُعلنت في باكستان أربع مرات، بما فيها حكم بوتو والد بينظير بوتو الذي تدَّعي أنه كان ديمقراطيًّا.

نقل للسلطة

لكن إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن نظام الحكم في باكستان لا يتغير إلا بضغط الشارع، وأن بينظير بوتو تُحمد لاتخاذ هذا الأسلوب بعد أن نجحت في تزعم حزب الشعب، مع أنها لم تكن أحق من غيرها بذلك في أعقاب وفاة والدها عام 1979، فإن المراقب يسعه أن يلاحظ بأن حركة بينظير بوتو هذه ربما تكون بالفعل مقدمة لعملية تستهدف نقل السلطة في باكستان من نظام حليف للغرب إلى نظام آخر حليف أيضًا، لكن بوجه ديمقراطي وشعارات براقة كما حصل في الفلبين مؤخرًا. ولكن ماذا فعل نظام ضياء الحق؟

إصلاحات ديمقراطية

في فبراير عام 1980، أُجريت انتخابات نيابية على أسس غير حزبية، وأُجري استفتاء على حكم الشريعة مربوطًا ببقائه في سدة الحكم، وكانت النتيجة أن نجح الاستفتاء وجدد رئاسته حتى عام 1989، وحدد عام 1990 لإجراء انتخابات نيابية.

وهناك معلومات بأن الإدارة الأمريكية هي التي ضغطت على ضياء الحق لإجراء تلك الانتخابات، وذلك كمسعى لإعطاء ضياء الحق مزيدًا من القبول الشعبي. وبغض النظر عن صحة هذه الأنباء، إلا أن ضياء الحق نفسه بدأ بإصلاحات ديمقراطية منذ أواخر العام الماضي.

فقد أعلن في ديسمبر الماضي رفع الأحكام العرفية، وكان من نتيجتها رفع الإقامة الجبرية عن بينظير بوتو، والسماح لها بقيادة حزب الشعب. كما أقال معظم حكام الأقاليم العسكريين وأبدلهم بمدنيين وكذلك القضاة. وفي مارس الماضي، عين رئيسًا مدنيًّا للوزراء هو محمد خان جونيجو، عضو البرلمان المنتخب وعضو حزب الرابطة الإسلامية المفككة في الوقت الحاضر. وقد أعلن جوينجو برنامجًا حكوميًّا من خمس نقاط لمكافحة الفساد والظلم، وإقامة نظام إسلامي ديمقراطي قوي، والارتقاء بالتنمية الاقتصادية، ومحو الأمية، وانتهاج سياسة خارجية متوازنة.

 

وتعليقًا على الاستقبال الجماهيري لبينظير بوتو، قال ضياء الحق إنها شهدت «حرارة» وليس ضوءًا، وهو ما تحتاجه باكستان، يرد بذلك على أحد تصريحات بينظير بوتو، وأضاف أنه «لن يسمح بنقل السلطة عن طريق قوة الشارع»، الأمر الذي يؤيد الرأي القائل بأن قيادة بينظير بوتو للمعارضة ربما تكون مقدمة لحركة تسعى لنقل السلطة من نظام ضياء الحق العسكري إلى آخر مدني بوجه ديمقراطي.

حقائق

إلا أن ثَمة حقائق أساسية لا يمكن للمراقب تجاهلها، وهي أن العسكر هم الحزب السياسي الوحيد والقوي في باكستان، وأن هذا الحزب، إن صحت التسمية، يؤيد ضياء الحق بقوة، خاصة وأنه أزاح في ديسمبر الماضي بعض القوى التي كان من المحتمل أن تنافسه على السلطة.

والحقيقة الأخرى هي أن انتخابات عام 1985، وإن كانت غير حزبية، إلا أنها لاقت تجاوبًا شعبيًّا معقولًا وفرضت واقعًا جديدًا. ولما كانت قضايا الاقتصاد وتدبير المعيشة هي أهم ما يهم الجماهير الباكستانية التي ترتفع فيها نسبة الأمية، فإنه ليس من المتوقع نجاح المعارضة حتى لو توحدت في استقطاب هذه الجماهير.

وثمة حقيقة أخرى وهي أن توجهات الشعب الباكستاني هي توجهات إسلامية، وطالما يرفع النظام شعار الحكم الإسلامي، فإن الجماهير ستفضله على نظام يقوده حزب الشعب الليبرالي، خاصة وأن زعيمته المنتظرة هاجمت الدين في خطبها الأخيرة بشكل غير لائق.

لعبة جديدة

إذا وضعنا هذه الحقائق بعين الاعتبار، إلى جانب أن حركة بينظير بوتو تشكل ضغطًا يضاف إلى الضغط السوفييتي العسكري على الحدود الباكستانية، والضغط الأميركي من خلال تقليص المعونات الاقتصادية، فإن المرء يسعه أن يستنتج بأن إثارة موضوع المعارضة، وبإذن نظام ضياء الحق، ربما تكون لعبة منه، إما لترسيخ نظام حكمه وتحويله لنظام مدني مستبد - وهنا نشير إلى التعديل الدستوري الصالح لزيادة سلطات الرئيس، والتفكير بعمل مجلس أمن قومي - وإما إضافة لذلك لتسويغ موافقة النظام على تسوية القضية الأفغانية تسوية سياسية، وهو أمر تشير الدلائل إلى أن كلا من السوفييت والأمريكان ربما أصبحا يميلان إليه في ضوء توجه الطرفين لمزيد من التفاهم حول القضايا الإقليمية القابلة للاشتعال، وهذا الأمر تشير إليه تصريحات بعض قادة المجاهدين الأفغان الذين انتقدوا فيها موقف النظام الباكستاني.

 

مطالب

 

والحقيقة أنه يصعب، كما قلنا في البداية، ترجيح أي من هذه الاحتمالات بشأن مستقبل الوضع السياسي في باكستان. لكن الذي نملك أن نقوله هو أن تعاطف الشعب الباكستاني مع الشعب الأفغاني وارتباطهما الديني والعرقي لا يترك مجالًا للرئيس ضياء الحق إلا الاستجابة لنداء الحق والواجب بنصرة المجاهدين حتى تحقيق أهدافهم بجلاء قوات الغزو السوفييتي عن بلادهم.

 

وما نحب أن نقوله للنظام الباكستاني هو أن نصرة المجاهدين أمانة يضعها في عنقه جميع المسلمين، وهنا لا يسعنا إلا التأكيد على ضرورة رفض كل الضغوطات السوفييتية والأميركية والدولية، ووقف مفاوضات جنيف حتى تتحقق مطالب المجاهدين الأفغان، فالتحرشات السوفييتية على الحدود ما هي إلا نوع من الضغوط فقط لإنجاح مفاوضات التسوية.

 

وعلى الصعيد الداخلي في باكستان، نود أن نطالب الرئيس الباكستاني باتخاذ كافة الإجراءات الجادة لتحكيم الشريعة الإسلامية في جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والقانونية، وغير ذلك مما يتعلق بحياة الشعب الباكستاني المسلم، على أن تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة هو الطريق للقضاء على كافة الفتن وأشكال الفساد، ومن الطبيعي أن النظام الذي ينسجم مع حياة شعب باكستان المسلم هو نظام الإسلام دون غيره.

 

أما التعلل بالأزمات الخارجية، وآثار القضية الأفغانية، وكذلك ارتباطات المعارضة الخارجية فلن يغير من الأمر شيئًا، بل قد يكون مدخلًا لاستبدال النظام نفسه بنظام آخر لن يجني الشعب الباكستاني المسلم على يديه سوى الظلم والفقر والهوان، وإن في سيرة من سبق العبرة.

الرابط المختصر :