; المعجزة الإسلامية والكتيبة الربانية | مجلة المجتمع

العنوان المعجزة الإسلامية والكتيبة الربانية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1281

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

معالم على الطريق

قد تمرض البصائر كما تمرض الأبدان وتعتل العقول كما تعتل الأعضاء والأجساد، ورغم مرض البصائر واعتلال العقول فإنها تظل حية ترجو الشفاء، وتأمل البرء فتدركه، وتطلب السلامة والعافية فتنالها، في أغلب أحوالها وأكثر سعيها، ولكن إذا ماتت تلك البصائر ورمت تلك العقول واندثرت كان من المستحيل إعادتها إلى الحياة وبعثها إلى النشور مرة أخرى، إلا بمعجزة ربانية أو آية إلهية، وهذا هو تمامًا ما فعله الإسلام في الأمة العربية قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث بعثها إلى الحياة بعدما رمت وانتهت وماتت واندثرت في كل شيء وهو ما عبّر عنه القرآن بأبلغ بيان وأوضح لسان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24) ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122) فكان الإسلام هو الإحياء وكانت رسالته هي النور والبعث؛ لأنه معجزة ربانية، وآية إلهية، ولا يستطيع إحياء الموت طبيب أو دواء بشري إنساني، لأن هذا شان رباني، هذه واحدة والثانية أن هذا الميت الناشر، والهالك المبعث انطلق كالعملاق ينفخ في الأجساد الهامدة والعظام النخرة فيبعثها بروحه الربانية، ورسالته الإلهية.

يقول السير توماس أرنولد، من خيرة كتاب الغرب ومفكريهم: إن انتشار الإسلام في العالمين يرجع إلى طبيعة الإسلام نفسه، ونسيجه الفطري الساحر، وقدرته على الإقناع والأخذ بالألباب ولكنه يحتاج إلى دعاة، ويوم يجد هؤلاء الدعاة سيتمكن الإسلام من غزو الشعوب مرة أخرى؛ فالإسلام بواسطة التجار والرحالة، وأسرى الحرب -وقت أن خضع المسلمون في فترات معينة لقوى أجنبية- استطاع أن يدخل الكثير في الإسلام بقوة عقيدته ومخالطته للقلوب، ومما كان يثير اهتمامي أن نشر الإسلام لم يكن من عمل الرجال وحدهم بل كان من عمل النساء ايضًا، حيث يرجع الفضل في إسلام كثير من أمراء المغول إلى تأثير زوجة مسلمة، وحتى كان المسلم الأسير يغتنم الفرص في المناسبات وهو في سجنه ليدعو إلى دينه، فقد تسرب الإسلام إلى أوروبا الشرقية أول الأمر بفضل ما قام به فقیه مسلم سيق أسيرًا وجيء به إلى بلاد البيتشنج، بين الدانوب الأعلى ونهر الدون، وقد بسط بين يدي كثير من أهل البلاد تعاليم الإسلام فاعتنقوه في إخلاص، ولم يمض وقت طويل حتى دخل شعب «البيتشنج» دين التوحيد.

وفي عهد الإمبراطورة «جهانجيز» ١٦٢٨م أدخل عالم سني السجن بتهمة ملفقة فتمكن وهو في سجنه خلال سنتين من إدخال آلاف عدة من عبدة الأوثان في الإسلام، وحكم الإنجليز على أحد علماء الهند بالسجن ونفوه إلى جزر آندمان فأدخل كثيرًا من أهل تلك الجزر في الإسلام، وكان السبب في ذلك قوة الإسلام وسحر عقيدته الفطرية، ومخالطتها لشغاف القلوب ووجود من يدعو إليها؛ لأن هذه العقيدة لا تتطلب تجربة كبيرة ولا تثير متاعب عقلية خاصة، كما أنها تدعو إلى التفتح العقلي والسمو الروحي فكانت بطبيعتها أقرب طريق إلى التقدم والتحضر والإيمان بالله، والأمة الإسلامية اليوم لا تحتاج في تحضرها إلى فرض إصلاحات على الإسلام ولا إلى تغيير في معالم التعاليم كما يظن بعض المسلمين؛ لأن الإسلام كامل بنفسه تام بذاته، ولكن الذي نحتاجه اليوم هو إصلاح موقفنا من الإسلام بمعالجة كسلنا وقصر نظرنا وبكلمة واحدة «معالجة مساوئنا نحن» إننا وللأسف نتخلى عن الإسلام ونقبل ببواعث جديدة من ثقافات أجنبية مهترئة وفاسدة، والإسلام كمؤسسة روحية، واجتماعية وعقلية وحضارية غني عن أي تحسين، وأي تغيير سنجريه نحن على مؤسساته بافتئات من ثقافات أجنبية ولو بإشراق ضئيل سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد، وسترجع خسارته حتمًا علينا نحن؛ فالإسلام بناء متين مترابط ومتراص وقدرته على التغيير ما زالت جذعة ومتقدة وفاعلة، يقول الكاتب الإنجليزي «هيلير بلوك»: «لا يساورني أدنى شك في أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين، وتتماسك أطرافها تماسكًا قويًّا، وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب، بل ستكون خطرًا على أعدائها، ومن الممكن أن يعارض الإنسان هذا الرأي، بأن الإسلام فقد سيطرته على تلك الأشياء المادية خصوصًا فيما يتصل بالحرب، فهو لم يلحق بالتقدم التكنولوجي الحديث، ولا أستطيع أن أدرك لماذا لم يعوض الشرق الإسلامي ما فاته في هذا الميدان؟ إذ لا تحتاج علوم الهندسة الحديثة إلى طبيعة خاصة بل يتطلب الإلمام بها والتفوق فيها إلى الخبرة وتوجيه الخبراء، لماذا لا يتعلم العالم الإسلامي ما تعلمناه في مجال التكنولوجيا، وهو أمر ميسور؟ وفي مقابل ذلك سوف يكون من الصعب علينا استعادة التعاليم الروحية، وهي من العوامل الأساسية للحضارة، وقد فقدتها المسيحية بينما لم يزل الإسلام يحافظ عليها.

إن الإسلام الذي أنقذ العالم في القرن السادس والسابع الميلاديين من الانحطاط قادر اليوم على إنقاذه من وهداته الأخلاقية والنفسية والاجتماعية التي ارتكس فيها، إن الأديان التي على الساحة اليوم لا تستطيع أن تنقذ هياج الإنسانية الحالي وهيامها بالحيوانية والرذيلة وعشقها للمظالم وإدمانها على الصعلكة، حتى أصبحت البشرية في العصر الحاضر فريسة العابثين والمتلاعبين والمنحرفين والمنافقين والمغامرين بمصائر الشعوب.

الإسلام اليوم قادر على الغزو الروحي والفكري والاجتماعي للأمم الحائرة والمرتكسة في الحمأة المادية، ولكنه يحتاج إلى كتيبة قادرة ومستعدة ومدربة على المهام الكبيرة وعلى مصارعة أمواج الإلحاد والإباحية والتدني، وإلى فرقة متفتحة الذهن ناضجة العقل قوية النفس متقدة العزم، تبتغي وجه الله، وتنفر خفافًا وثقالًا، مضحية بالنفس والنفيس في سبيل عقيدتها ورسالتها ومبدئها، وقد يقول قائل: وأين هؤلاء؟ وهل يمكن في هذا الخضم المائج بالتسفل والتدني أن يوجد أمثال أولئك؟ أقول: لا بد أن يوجدوا وإن لم يكن اليوم فغدًا إن شاء الله وصدق الله: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :