; المجتمع التربوي [العدد 1460] | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي [العدد 1460]

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1460

نشر في الصفحة 54

السبت 21-يوليو-2001

وقفة تربوية:

انزعوا النظارة السوداء

يتلذذ بعض الدعاة بذكر المثالب والجوانب السلبية في العمل الدعوي، فلا يحلو له مجلس إلا بذكر السلبيات والعيوب والنواقص، حتى تحول الكثير من مجالس الدعاة إلى ما يشبه جلسات «شاي الضحى» عند بعض النساء!. 

نحن لسنا ملائكة معصومين من الأخطاء، بل إننا بشر معرضون في أي وقت للوقوع في هذه الأخطاء، والفرق بيننا وبين الآخرين أن ثقتنا بالله كبيرة، وحسن ظننا بالله عظيم، واعتقادنا بأنه وحده يسير دفة هذه الدعوة، وما التوفيق الذي نعيش فيه من ذكائنا، وخططنا، وإدارتنا، وخبراتنا، بل هو قبل ذلك كله، من الله ، وما نحن إلا سبب هيأه المولى لإنفاذ ما يريده من قدر لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل.. يقول تعالى:﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال: 17).

إن كانت هناك عيوب في مسيرة الدعوة، ومثالب ونواقص لا بد للعمل البشري من الوقوع بها، فإن الإيجابيات والمحاسن أكثر بكثير.

إن الداعية إلى الله تعالى، لا بد أن ينظر دائمًا إلى الجوانب الإيجابية، ولابد أن يعيش بنظرة تفاؤلية، وأن يقدم الخير على الشر، فقد كانت هذه سُنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- فقد كان يحب الفأل الحسن، ويكره التشاؤم، بل وجعله من الشرك، عندما قال ﷺ: «الطيرة شرك».

ولو نظرنا نظرة سريعة لخارطة العالم الإسلامي لرأينا أن المؤسسات الدعوية تتنامى في كل مكان، والعاطفة الإسلامية تتزايد في كل بقعة، بل والنشاط الإسلامي بدأ ينشأ في الكثير من الأماكن التي لم يكن موجودًا أصلًا بها، والحركة الإسلامية في أرض الإسراء تتأصل وتتسع يومًا بعد يوم بالرغم من كل الضغوطات، والكتب الإسلامية والشريط الإسلامي، ومواقع الإنترنت الإسلامية في تزايد دائم، وأعداد المقترعين للصوت الإسلامي في البرلمانات تتزايد في كل مكان، وذلك مع تراجع واندحار للكثير من الوسائل الإعلامية المنافية للدين.. وطوابير التائبين والتائبات من الفنانين تتزايد، وغيرها الكثير والكثير من المظاهر الإيجابية التي تدل على تزايد -لا تراجع- في مسيرة الدعوة الإسلامية.. فلماذا لا يكون التفاؤل إذن؟! 

أبو خلّاد

albelali@bashaer.org

الطريق إلى إسلام الآخرين

الداعية الإسلامي محمد عباس نديم لـلمجتمع

أسلم على يديّ أكثر من ألفي شخص.. والبداية كانت مع أستاذي في بريطانيا

حوار: أحلام علي

  • الإسلام مفتوح لجميع العقائد والأجناس.. ولا بد من تنويع أساليب الدعوة حسب طبيعة كل شخص.

بسيط المظهر لكنه شعلة من النشاط والحركة، إنه الداعية الإسلامي محمد عباس نديم الذي أسلم على يديه أكثر من ألفي شخص خلال ستة وعشرين عامًا، وهو حاصل على ماجستير في تخطيط المدن، وله العديد من المؤلفات، وبرغم ذلك له تجارب رائعة في حقل الدعوة إلى دين الله  في أوساط غير المسلمين، والأخذ بيد هؤلاء من براثن الشرك والكفر إلى نور الإسلام والوحدانية.

ومن هنا كان لنا هذا الحوار معه:

● لكل إنسان ناجح في مجاله نقطة بداية.. فهلا حدثتنا عن تجربتك الأولى في دعوة غير المسلمين؟

• كنت في إنجلترا عام ١٩٧٥م للدراسة في جامعة بيرمنجهام - بريطانيا، لدراسة تخطيط المدن ومشكلات البيئة، وكان يدّرس لي أستاذ دكتور بريطاني، ثم كان مشرفًا على رسالة الماجستير التي أعدها، وشاء الله أن أجلس معه على انفراد، وقلت له: إنني أريد أن أعطيك هدية.. وظنها هدية مادية! فقال لي: لماذا تكلف نفسك، وأنت ما زلت طالبًا؟!.

استفسر عن الهدية.. فقلت له: إنها أعظم هدية ممكن أن يهديها إنسان لإنسان في حياته.. أريد أن أدعوك إلى دين الإسلام! فتأثر الرجل كثيرًا، وقال لي بهذه البساطة! قلت: نعم: وطلبت منه أن ينطق الشهادة فنطق بها، وطلبت منه أن يغتسل فاغتسل.. ثم بدأت أشرح له معالم الدين الإسلامي في جلسات متتالية.. وكان هذا الموقف سببًا في تغيير وجهة حياتي إلى دعوة غير المسلمين إلى دين التوحيد.. ثم بعد ذلك قدمت إلى المملكة متعاقدًا بكلية التربية «جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة»، مشرفًا على قسم القبول والتسجيل، ثم بعد ذلك مشرفًا على المكتبة، وكانت فترة عملي بالمكتبة أخصب فترة في حياتي، إذ قرأت خلالها كثيرًا عن وسائل وأساليب دعوة غير المسلمين.

وكنت أثناء عملي بالجامعة أباشر الدعوة كذلك.. بعدما علمت من أحد العاملين بالكلية أن هناك بعض الشركات يوجد بها عدد من غير المسلمين.

وكانت هذه أول فاتحة لي.. إذ ذهبت إليهم في مقر عملهم، وأقنعتهم بالدخول في دين الإسلام، فأتوا معي إلى مسجد الكلية، ونطقوا بالشهادة، وقدم إليهم بعض الأساتذة وحاضروا لهم مبينين عظمة هذا الدين، وأهمية الإسلام لحياتهم.

وبفضل الله استمررت في هذا العمل منذ ستة وعشرين عامًا وأنا أزور الشركات وأدعو غير المسلمين للإسلام، وأذهب إليهم في منازلهم.. وبعد أن ينطقوا بالشهادتين ويغتسلوا أخذهم إلى مركز دعوة الجاليات ليتعلموا قراءة القرآن والصلاة وتعاليم الإسلام إلى أن يؤدوا فريضة الحج.

منهج الدعوة:

● ما منهجك في دعوة غير المسلمين للإسلام؟

• هو منهج رسول الله ﷺ: فقد كان طلق الوجه قريبًا من الناس دائمًا، وكان كل من يتعامل معه يشعر بأنه أحب الناس إليه.. فالأسلوب الصحيح هو أن تكون قريبًا من الشخص، وتشاركه في مشكلاته، وهذا يُوجد قربًا شديدًا بينك وبين الآخرين، وكذلك أن يكون الداعية ذا ألفة وعزة نفس.

● كيف تقنع غير المسلم بالدخول في الإسلام؟

• بعض الأشخاص إذا جلس وسط مجموعة من غير المسلمين تجده يمتعض منهم ولكن إذا تقربت إلى هؤلاء الأشخاص، وسألتهم عن أسمائهم، وأحوالهم وأهليهم سوف يشعرون نحوك بالحب، ثم بعد ذلك تدعوهم إلى دين التوحيد وتقول للواحد منهم: «إذا نطقت بالشهادتين، ودخلت هذا الدين سوف تكون كاملًا في دينك.. كاملًا في معتقداتك.. كاملًا في عبادتك وفهمك وتشرح له قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85).. فالدعوة إلى الله يجب أن تكون بالحسنى.

وكثير من المسلمين يستصعب هذا الأمر ويستثقله، ولكن كل مسلم من الممكن أن يدعو إلى دين التوحيد إذا التزم بدينه، وكان حسن السلوك مع غير المسلم.. أما الهداية فمن الله .

كما أنني أركز على العقيدة الصحيحة، وأدعو غير المسلم بطريقة «التلمس»: بمعنى أن يتلمس الأشياء، وأشعره بقدرة الله  قال تعالى: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (هود: ٥٦) فأحاول أن أعرفه بوجود الله فوق سبع سموات، بحيث لا يكون عند هذا الشخص خلط.. وأصحح تصوره عن الوجود، كما أستخدم الإعجاز العلمي لمحاورتهم ومناقشتهم.. ومنهم من ينطق بالشهادتين فور دعوتي له..

● هل غالبية من يدخلون في الإسلام من النصارى؟!

• الإسلام يفتح الباب لجميع الأجناس والعقائد.. والخطاب القرآني له أثر عظيم في نفوس الجميع.

هل تطبق هذا على من تدعوه من الملاحدة؟ ●

• بالطبع أنوع في الأساليب حسب طبيعة الشخص ومعتقده.. والملحد أدخل له بالإعجاز العلمي وبالتفكر في خلق السماوات والأرض.. وهناك الوثني الذي أقنعه بالأدلة والبراهين بأن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع.

هل هناك مشكلة تواجهك عند دعوة غير المسلمين؟ ●

•المشكلة عند هؤلاء: الإيمان بالغيب والإيمان بالله  والملائكة واليوم الآخر قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3).. فإذا وصل الشخص إلى طور معين من القناعة أعرف إنه وصل إلى درجة من اليقين فأشرح له قدرة الله  وصفات الله.. ثم بعد ذلك وظائف الرسل والأنبياء، كما أزيل من عندهم اعتبارهم أن عيسى إله - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- ثم أبيّن لهم الفرق بين الخالق والمخلوق.

● من الملاحظ أن عدد غير المسلمين الذي يدخلون في الإسلام كثر في الجالية الفلبينية بالذات فما تفسيرك لذلك؟

• هذا صحيح، لأن الفلبين أساسًا كانت دولة مسلمة وكانت مانيلا تسمى «أمان الله» والفلبينيون لا مشقة معهم. 

والآن -بفضل الله- فإن عددًا كبيرًا من الفلبينيين دخلوا في الإسلام خاصة في لوسن Lucen ، في المنطقة الشمالية بالفلبين -أما الجنوب فما زال مسلمًا للآن- ومن يدخل منهم إلى الإسلام ويعود إلى بلده يتحول إلى داعية في قومه، وكثيرون ممن دخلوا الإسلام وعادوا إلى بلادهم يخاطبونني عبر الإنترنت ويقولون لي إنهم يحتاجون إلى مركز إسلامي ومسجد.. وإنني أناشد أهل الخير أن يسهموا في إنشاء مركز إسلامي ومسجد بأقل التكاليف في هذه المنطقة من القلبين -في الشمال- وهي Lucen.

الإنترنت والدعوة إلى الله:

● هل تستخدم وسائل الاتصالات الحديثة كالإنترنت في الدعوة إلى الله؟!

• نعم! هناك قسيس في فرنسا دخلت معه في محاورة عبر الإنترنت وناقشته وطلبت منه أن ينطق بالشهادتين ليكتمل دينه، وقلت له إن الله تفرد بالوحدانية وإنك ستكون مسلمًا لله وليس لي.. فدخل الكلام إلى قلبه.. وقلت له: أنا سوف أعلمك أمور الإسلام، ولكن بعد أن تنطق بالشهادتين وتغتسل، وسأكون لك مدرسًا عبر الإنترنت، وكان سعيدًا جدًا وشكرني، وأسلم هذا القسيس وكان ذلك في السابع من محرم -في بداية هذا العام الهجري ١٤٣٢ هـ- وتسمى بعبد الرحمن، وما زلنا نتواصل عبر الإنترنت. 

وهناك شخص آخر دعوته للإسلام من أمريكا -كاليفورنيا- عبر الإنترنت، وقال لي: أنا والله لم يدعوني أحد للإسلام قبل ذلك، وقال: أنا صديق لمحمد علي كلاي.. ونطقّته الشهادة «بالمايك»، وكتبتها له، وفرح جدًا بذلك، وتسمى بمصطفى، واتضح أن مصطفى كان ممثلًا في التلفاز الأمريكي بكاليفورنيا، وكان اسمه «ليدنّكن» ومسرور جدًا بإسلامه.. وأوصلته ببعض المسلمين في كاليفورنيا ليمدوه بالكتب والأشرطة، وما يريده لتعلم أمور دينه. 

وهكذا اعتبر أن استخدام الإنترنت وإجادة اللغة الأجنبية غاية في الأهمية الآن لدعوة أمثال هؤلاء.

● ما نصيحتكم لمن ينتهج دعوة غير المسلمين إلى دين التوحيد؟!

• أن ينتهج نهج رسول الله ﷺ، وأن يكون له في رسول الله أسوة حسنة، وألا ينفر الغير من الإسلام بعدم اتباعه للأسلوب الصحيح في الدعوة، ويحبب هؤلاء في دين الله، وأن يعرف المدخل الصحيح للنفس البشرية التي أمامه، وما يناسبها من وسائل الإقناع.

أخشى أن يذهب «حائط القوم»!

حسنة جميلة، ومنزلة عالية جليلة هي منزلة الورع.. لكن: أي ورع وعن أي شيء؟ ها هو مطرف بن الشخير يقعّد لنا قاعدة إيمانية صائبة رفيعة، في وقفة له مع أحد عامة الناس عند حائط قوم: 

فقد رأى رجلًا أخذ قبضة من حائط فقال له: أرأيت لو أن كل من مر أخذ قبضة، أليس كان يذهب حائط القوم؟ «كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل».

هنا نقف وقفة تربوية بسيطة فيها نظر وتمحيص لنصيحة مطرف بن الشخير ليزداد الفهم وعيًا بمقصود هذا التابعي الرباني الجليل. 

إنه يقصد الكثير في عمليته الاستدراكية هذه على عمل الرجل، بل لعل عمله هذا يفيد المربين كثيرًا في فقه أساسيات بناء المحاضن الجماعية التربوية في واقعنا المعاصر. 

فلو نظرنا إلى حائط مطرف فإننا ستجد له أساسًا وأركانًا ولبنات يتماسكن لثبات الحائط.. وهذا أساس في الجماعية التربوية.

أما إذا انقضى الدهر على صاحب جهالة أو طالب رئاسة أو سيئ نية أو معلول قلب، فإن الدهر سيقبض قبضة من البناء كما فعل صاحب مطرف.. فهذا واحد تنكّب، فأُسقط ركن، أو أُخذت لبنة!.

ثم لو أنه كان من بين مفاصل الهيكل التربوي من يفهم العمل منكوسًا أو خطأ.. أو يظن به شبهة عمياء جهلاء، ولم يستدرك عليه من بعد ذلك عرب فاضل عارف مجرب كمطرف.. لأزداد البناء نقصًا وهدمًا، ولأخذت منه قبضة ثانية.

وعندها ستؤخذ قبضة ثالثة قاصمة تنهي العمل وتدك الأساس، وعندها تقف قاعدة الحائط في قارعة طريق يعتاده ويرتاده العامة والسيار.. والمتردية والنطيحة فتطيش يد هذا من هنا، وهذا من هنا، فتقبض، فتتساقط اللبنات إلا ما أثبت ربك، فيحق عند ذلك توقع مطرف أنه: «سيذهب حائط القوم». 

محمد مكي سالم - المدينة المنورة

مصعب بن عمير

من الترف إلى الشظف (2 من 3).

حجازي إبراهيم عبد المجيد(*) 

  • بالإخلاص والتضحية تنتشر الدعوات وما أنصرف الناس عن الإسلام إلا بإخلاد الدعاة إلى الراحة.

  • بقدر ما يتمكن الإيمان في قلوب الدعاة يكون تأثير حديثهم في هداية الناس.

كان مصعب بن عمير  أول سفير يبعث من قِبَل الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة ليعلّم أهلها الإسلام ويدعوهم إلى الإيمان.

يروي ابن إسحاق أنه بعد بيعة العقبة الأولى، وانصراف الأنصار، بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين فعن البراء بن عازب  قال: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يقرئون الناس، فقدم علينا بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر ابن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ، ثم قدم النبي ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأت:﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾(سورة الأعلى: 1).. في سور من المفصل (1). 

ونزل مصعب على أسعد بن زرارة، فكان يُسمى بالمدينة المقرئ، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤموا بعضًا  أجمعين..

نموذج لصدق الداعية وحكمته:

عن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال له: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد لأسيد، لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا، ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا. 

قال فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما راه أسعد بن زرارة، قال لمصعب هذا سيد قومه، وقد جاءك فأصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه.

قال: فوقف عليهما متشتمًا، فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.

وقال موسى بن عقبة: فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد، ليتسفه ضعفاءنا بالباطل، ويدعوهم إليه.

فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُف عنك ما تكره؟

قال: أنصفت قال: ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟

قالا له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما، لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ.

ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد ابن معاذ مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة، خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.

قال: فقام سعد بن معاذ مغضبًا مبادرًا مخوفًا، للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده، ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما سعد، فلما رآهما مطمئنين، عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت «بلغت» هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ 

قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال: فقال له مصعب، أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟

قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة، وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن.

وذكر موسى بن عقبة: أنه قرأ عليه أول الزخرف، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام، قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم، ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته، فأقبل عائدًا إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير.

فلما رآه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله، لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم، قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله.

قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وكان شاعرًا قائدًا لهم، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق (2).

 الدروس والعِبَر:

مصعب بن عمير نموذج للداعية المخلص الصادق الذي تفتقر إليه مجتمعاتنا التي ملئت بدعاة فقراء من كل مقومات الداعية الناجح، ومن حياته نستخلص بعض الدروس والعبر وفي مقدمتها:

1- بالإخلاص والتضحية تنتشر الدعوات:

إن إخلاص الداعية وصدقه، وحبه لدعوته وشغفه بها وتضحيته العزيزة الغالية في سبيلها لهما من أهم عوامل النجاح، وإقبال الناس على دعوته.

وما أقبل الناس على الإسلام في صدره الأول، ودخلوا فيه أفواجًا إلا لتضحيات الصحابة والتابعين بكل غال ورخيص في سبيل تبليغ دعوتهم.

وما انصرف الناس عن الإسلام، وما ضعف ووهن في قلوب معتنقيه، إلا بإخلاد دعاته إلى الراحة والدعة، والإقبال على الترف الزائد، والنعيم المترف، الذي أقعدهم عن تحمل الصعاب، وحال بينهم وبين تكبد المشاق، وأفقدهم صدق كلماتهم عن الجهاد والتضحية، فلم تجد أذانًا مصغية، ولا قلوبًا واعية.

ولعل هذا هو السر في إقبال الناس على كل داعية مخلص في عصرنا وكل عصر، وكيف لا وليس لهم من زاد في دعوتهم التي ينطلقون بها، إلا الإخلاص والوفاء والصدق والتضحية الغالية، التي لا تقف عند حد.

إن صدى الكلمات المخلصة الصادقة يجوب الأرجاء ويعم الأنحاء، حتى إنه ليصل إلى كل مكان على سطح المعمورة قال تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32). 

2- نبع القلب يفيض على القلوب:

إن الدعوة النابعة من القلب تجد طريقها إلى قلوب الناس ميسرة، وقد قال ابن عطاء: «كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز».

إن لهذه الجملة من حكم ابن عطاء، لدلالات يجب أن يفطن لها الدعاة إلى الله الذين يرشدون الخلق إلى خالقهم، ويعرفونهم على طريق الهدى، الذي جاءنا به الرسول ﷺ، وليعلم هؤلاء الدعاة أنهم بقدر ما يتمكن الإيمان في قلوبهم بقدر ما يكون تأثير حديثهم في هداية الناس وإرشادهم، ولقد جاء في الحكم أيضًا: «تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير».

وعلامة الكلام الذي يسبقه التنوير، تأثيره في القلوب وتهييجه الأرواح، وتشويقه الأسرار، فإذا سمعه الغافل تنبه، وإذا سمعه العاصي انزجر، وإذا سمعه الطائع زاد نشاطه، وعظم شوقه، وإذا سمعه السائر طوى عنه تعب سيره، وإذا سمعه الواصل تمكن من حاله فالكلام صفة المتكلم، فإذا كان المتكلم ذا تنوير وقع في قلوب السامعين، وإذا كان ذا تكدير فَحَد كلامه آذان المستمعين، فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، لذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه: «من تكلم عرفناه من ساعته، ومن لم يتكلم عرفناه من يومه».

3- الحلم والصفح:

على الداعية أن يقبل السيئة بالإحسان، وأن يكون متصفًا بالحلم والصفح، وأن يعلم أن الطريق لكسب القلوب المعادية للدعوة إنما يكون بالإحسان إلى من أساء. وتذكّر قول الله تعالى دائمًا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

ألا ترى إلى مصعب وقد جاءه أسيد، ثم سعد، وكل منهما وقف عليه متشتمًا، فما غضب ولا ثار ولا تأثر، ولكنه رد عليهم الرد الجميل، وهذا من غضبهم، حتى أجلسهم للاستماع للحق الذي يغزو القلوب، ويأسرها حين تتجرد، وتسمعه من قلب صادق متجرد.. ألا تسمع القول أسعد لمصعب: «هذا سيد قومه وقد جاءك فأصدق الله فيه»؟.

4- إشراقة الإيمان تظهر في الوجه:

الإيمان حين يتسرب إلى القلوب وتتشربه الأفئدة تبدو آثاره منذ اللحظة الأولى على محيا صاحبه، ألا تتأمل في قوله: «والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله».. وحين نظر سعد بن معاذ إلى أسيد وقد أقبل یكسو نور الإيمان وجهه، فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم..

وهذا الأمر نفسه يتكرر مع سعد بن معاذ حين يؤمن.. نعم شتان بين وجه مظلم بظلمة قلب صاحبه لكفره أو لاستغراقه في المعاصي، ووجه مضيء منير بقلب صاحبه الذي مُليء بنور الإيمان والطاعة.. فالوجه مرآة: إما أن تعكس نور القلب وسناه، وإما أن تعكس ظلمته وقسوته.

وما أجمل قول الشاعر:

تريك أعينهم ما في صدورهم      إن العيون يؤدّي سرّها النظر

وقال الحكماء: العينان أنمّ من اللسان. 

وقال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا (٤).

5- أثر السيد في قومه عظيم:

إن الرجل الذي يكون سيدًا في قومه تتطلع إليه الأنظار، ويكون قدوة لمن خلفه من الأتباع، ومن ثم تكون كلمته فيهم مسموعة، وأثره فيهم كبيرًا، وهو إما أن يقودهم إلى الحق، ويرشدهم إلى الخير، أو يحول بينهم وبين الهداية، فسعد بن معاذ  حين يشرق الإيمان على فؤاده، ويحل نور الإسلام في قلبه، يتوجه إلى قومه، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة.. بينما أبو قيس بن الأسلت، يحول بين قومه وبين نور الهداية سنين، والله في خلقه شؤون. 

إن هذا يجعل المسلم الداعية يحرص على أن يتوجه بدعوته أيضًا إلى كبار القوم، ولا ييأس من أن يهدي الله منهم رجلًا واحدًا فيهدي الله به خلقًا كثيرًا، فيعظم الأجر، ويعم النفع والخير.

الهوامش

(1) فتح الباري 7/260/3925.

(2) سيرة ابن هشام 2/58.

(3) إيقاظ الهمم في شرح الحكم ٣٢١.

(4) أدب الدنيا والدين / ٢٥٦.

ثلاث لبنات للنجاح

بقلم: د. نجیب عبد الله الرفاعي

عبد الرحمن بن الجوزي أحد الصالحين الذين رسموا لنا دروب السعادة والنجاح، وقد أوضح من خلال تجاربه العديدة، كيف أن السعادة والقوة والنجاح متيسرة للعبد المسلم المتوكل على ربه، بشرط أن يكون صادقًا معه في جوارحه وأعماله وأقواله. يقول ابن الجوزي: «ضاق بي أمر أوجب غمًا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة، وبكل وجه، فما رأيت طريقًا للخلاص.. فعرضت لي هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجا﴾ (الطلاق: 2)، فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممتُ بتحقيق التقوى، فوجدت المخرج.. فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج، ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله  كافيه فلا يعلّق قلبه بالأسباب فقد قال الله : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ (الطلاق: ۳).

وبتأمل كلمات ابن الجوزي نجد أنه وضع ثلاث لبنات للنجاح في حياته، وهو ينقلها إلى قلب كل مسلم:

1- أن الهموم والمشكلات أمر لا بد منه لكل إنسان سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، ويتميز المسلم عن الكافر يكون قلبه معلقًا بالله ، وهذا سر من أسرار النجاح في حياته.

2- أن المسلم يستلهم خواطره من كثرة قراءته القرآن الكريم، ومعايشة سيرة الرسول ﷺ، فقوله: «عرضت لي هذه الآية». لا تكون إلا لقلب معلّق بكتاب الله ، وهو سر من أسرار النجاح.

3- يقين المسلم، دون أي شك أو يأس أو قنوط، بنصر الله وبفرج الله القريب، «ثم ينبغي للمتلقي أن يعلم أن الله  كافيه، فلا يعلّق قلبه بالأسباب». 

(*) من علماء الأزهر الشريف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

دعوة الإسلام في ترنداد

نشر في العدد 14

128

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 59

138

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان