العنوان المعركة الانتخابية في السودان والاضطرابات المفتعلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-فبراير-1986
مشاهدات 75
نشر في العدد 754
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-فبراير-1986
الانتخابات
بعد أن وافق المجلس العسكري الانتقالي على قانون الانتخابات أصبحت الحدث الساخن في الشارع السياسي، ذلك لأن هذا القانون قد عارضه بشدة التجمع النقابي والحزبي لإنقاذ البلاد واعتبره مخيبًا لآماله لتجاهل القانون تمثيل القوى الحديثة واعتماده نظام الدوائر الجغرافية، وهو نظام يجعل لكل مواطن صوتًا واحدًا فقط. كما اعتبرته بعض أحزاب اليسار الحديثة التكوين مجحفا إذ أنها تدرك جيدًا أنه لا مجال لها في الدوائر الجغرافية، وذلك لغرابتها عن المجتمع السوداني وعدائها السافر لتطبيق الشريعة الإسلامية التي يؤيدها القطاع الأوسع من المواطنين. بينما اعتبرته الجبهة الإسلامية قانونًا جيدًا يلائم ظروف السودان الحالية.
ورغم رفض وتحفظات التجمع والأحزاب اليسارية القانون إلا أن الإعداد للانتخابات يسير على قدم وساق حتى أن رئيس المجلس العسكري سوار الذهب قد أدلى بتصريحات شديدة اللهجة يحذر فيها المعارضين من مغبة السعي لتأجيل أو عرقلة سير الانتخابات.. كما تم تكوين لجنة الانتخابات وتحديد الدوائر الجغرافية التي خصصت منها بعض الدوائر للخريجين وبدأت عملية التسجيل الفعلي للناخبين.
إلا أن قوى اليسار لم تصمت على ذلك فنظمت مجموعة من الإضرابات شملت بعض المرافق الحيوية، كما تعطلت حركة الطيران بمطار الخرطوم الدولي وتوقف البث الإذاعي من إذاعة أم درمان لمدة يومين.. وانتهى إضراب الطيارين وعادت حركة الملاحة الجوية سيرتها الأولى.
ومن ناحية أخرى تحدثت الأوساط الهندسية عن تخريب تم في شبكات الإرسال اللاسلكي بدار الهاتف وذلك من قبل المهندسين الفنيين العاملين بها، وفي محطة المايكرويف التي تربط المحطة الأرضية العالمية والمحلية بقلب الدوائر العالمية، وأوضحت الأوساط الهندسية أن التخريب تم بإدخال قطع من الورق والبلاستيك في الدوائر الهندسية بمحطة أم حراز، ومحطة دوائر التلكس، إلا أن المهندسين الفنيين قد تصدوا للاتهامات المذكورة ونفوا أن يكون التخريب قد تم من جانبهم.
ويقول المراقبون إن موجة الإضرابات الحالية ينظمها التجمع الوطني وذلك للضغط على الحكومة لتعديل قانون الانتخابات وتمثيل القوى الحديثة إلا أنهم يشككون ني نجاح هذه الإضرابات وذلك لضعف التجمع الوطني بعد انسحاب أحزاب كبيرة من مائدته كالحزب الاتحادي الديمقراطي والوطني الاتحادي.
مؤتمر الشعب العربي
كان التجمع الوطني قد اتفق مع مؤتمر الشعب العربي على أن يعقد جلساته في الخرطوم وذلك لبحث دور المنظمات العربية في دعم الاقتصاد السوداني، إلا أن مجلس الوزراء ووزارة الخارجية أبديا اعتراضًا شديدًا على ذلك، بحجة أن المؤتمر محوري وبعض وفوده معاد لحكومات عربية قائمة، وطالب التجمع بتأجيل المؤتمر فرفض التجمع التأجيل وأكد أمينه العام أن المؤتمر سوف ينعقد رغم أنف الحكومة وبكامل وفوده.. إلا أن المؤتمر قد انعقد وتخلفت عنه كل الوفود غير المرغوب فيها وذلك لأن وزارة الخارجية رفضت السماح لها بدخول السودان.
وراحت تأكيدات أمين التجمع أدراج الرياح. والمؤتمر في مجمله لا يخدم قضية الاقتصاد السوداني، بل قد يضر بها، وليست للسودان أدني مصلحة في انعقاده بأراضيه وتساءل المراقبون عن نوع الدعم الذي يمكن أن تقدمه منظمات هي ذاتها مدعومة كما أبدى أغلبهم ارتياحًا حيال موقف الحكومة الحكيم.
ومن داخل أحزاب التجمع عارض حزب البعث العربي انعقاد المؤتمر، وذلك لأن المؤتمر يضم وفدًا مناهضًا للحكومة العراقية، وحذر التجمع من مغبة المشاركة في المؤتمر ملوحًا بانسحابه إذا ما تبنى التجمع المؤتمر.. إلا أن التجمع لم يأخذ تهديداته مأخذ جد.. ونظم وشارك في المؤتمر. ويتوقع المراقبون تطورًا خطيرًا قد يؤدي إلى انسحاب حزب البعث من التجمع.
والجدير بالذكر أن التجمع يسيطر عليه الشيوعيون ويتخذ قرارات يدعي أن لها صفة الإجماع بينما يعارضها بعض أحزابه بما أدى لانسحاب الحزب الاتحادي الديمقراطي والوطني الاتحادي ولم يبق فيه مع الشيوعيين سوى حزب الأمة جناح الصادق المهدي وبعض أحزاب اليسار الحديثة والصغيرة التي لا تقوى على العيش إلا في إطاره.
مؤتمر الوفاق الوطني
بعد الضربات الموجعة والخسائر الفادحة التي كبدتها القوات المسلحة السودانية لعصابات العقيد المتمرد جون قرنق وإعلان قانون الانتخابات وجدولها الزمني تراجعت أخبار الحوار معه إلى الصف الثاني، إلا أنها عادت وبرزت من جديد بعد اعتراض الدكتور الجزولي دفع الله عقب عودته من الخارج على ما تم الاتفاق عليه بين التجمع الوطني وبين نائبه صمويل أرو، وذلك بتفويض السيد أرو تكوين لجنة للتحضير للمؤتمر المرتقب ويبدو أن معارضة الدكتور الجزولي أتت لتجاهل اللجنة لهيئة أماني السودان، وهي هيئة أثبتت مكانتها بعد أن سيرت مسيرة أنها أكثر من مليون مواطن لإدانة المارق قرنق ورفع معنويات القوات المسلحة، ويأتي اعتراض التجمع على هذه الهيئة لأنها خارجة عن إطاره، إذ أنها هيئة كونها الإسلاميون.
ويأتي اعتراض الجزولي عل لجنة أرو بأنها لجنة غير قومية وحدد رؤيته بأن أي لجنة تكون يجب أن تضم كافة القوى السياسية، ويعني دكتور الجزولي بالقوى السياسية الجبهة الإسلامية القومية، التي يعمل الشيوعيون وحليفهم الصادق المهدي من داخل التجمع لعزلها.
ومن جهة أخرى عارضت الجبهة الإسلامية تكوين لجنة جديدة لمؤتمر الوفاق الوطني وطالبت بإعادة الحياة للجنة القديمة وامتنع التجمع عن ذلك بحجة أن اللجنة يجب أن تضم الموقعين على ميثاق التجمع فقط، ذلك الميثاق الذي اقترحته قوى اليسار وتحالف معها في إطاره حزب الأمة جناح الصادق المهدي، ورفضته الجبهة الإسلامية جملة وتفصيلًا. ورفض مندوبوها التوقيع عليه بعد دعوتهم لذلك بحجة أن الجبهة لا تحالف الشيوعيين.
هذا وكان الشيوعيون قد غيروا اسم المؤتمر لمؤتمر الجنوب، ثم المؤتمر الدستوري إلا أن رئيس المجلس العسكري سوار الذهب صرح بأن اسم المؤتمر لم يحسم بعد، وقد يتغير حسب التحضير له.. وبينما الصراع يدور رحاه بالداخل حول التمثيل في لجنة مؤتمر الوفاق طار أحد الوزراء في زيارة سرية غير معلنة لأديس أبابا قد تأتي نتائجها بتطورات جديدة في الموقف.
أما عن المتمرد قرنق فهو مازال متمسكًا بمطالبه المستحيلة وهي استقالة المجلس العسكري ومجلس الوزراء كما أنه يتهم وبشدة القوات المسلحة بخرق وقف إطلاق النار المعلن، ويتمسك أيضًا بإيفاد كتيبة تحرس منادييه للمؤتمر إذا انعقد الأمر الذي رفضته السلطات الداخلية واعتبرت البوليس هو المسؤول الأوحد عن سلامة الوفود سيما وأن خدعة كتيبة قرنق التي صاحبت رسالته لرئيس مجلس الوزراء والتي حاولت فيها احتلال مدينة الناصر جنوبي السودان مازالت ماثلة للعيان.. بينما إذاعته التي تبث إرسالها من الأراضي الإثيوبية تؤكد أن المجلس العسكري ما هو إلا امتداد لمايو وتسمى قادته بعصابة الأربعة.
هذا وبعد انقضاء أكثر من ثلثي الفترة الانتقالية ولم يتبق منها إلا القليل.. مازال الخلاف قائمًا حول لجنة التحضير لمؤتمر الوفاق الأمر الذي يرى معه المراقبون عدم إمكانية انعقاده في الفترة المتبقية من عمر الانتقال، وهي وجيزة وتشهد أهم حدث هو إجراء الانتخابات العامة بما تتطلبه من إعداد وما تحمله في طياتها من معان قد تهم أكثر من عقيد متمرد رفض أن يستجيب لصوت العقل والوطن.. كسرت القوات المسلحة الباسلة شوكته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل