; المعلومات... سلاح الحروب في القرن القادم حروب الإنترنت | مجلة المجتمع

العنوان المعلومات... سلاح الحروب في القرن القادم حروب الإنترنت

الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 21-يوليو-1998

قدس برس- مركز الخليج للدراسات السياسية

* اختراق أنظمة القيادة وحل شفراتها على الإنترنت يغني عن مهاجمة القوات المعادية بالقنابل والقذائف إذ يكفي شل فعاليتها أو تضليلها لهزيمتها

* الردع الاستراتيجي بترويع الخصم وصده عن التفكير في خوض الحرب بعد إيصاله إلى حالة من الإحباط

* خطط أمريكا وبريطانيا في التدريبات المشتركة على حروب التحكم وصد الهجمات الإرهابية

* خبراء أمريكان: وقوع هجوم بيولوجي ضدنا لا مفر منه، وندعو إلى تخزين المزيد من الأمصال والمضادات الحيوية لمقاومة الأمراض الناجمة عنه

كما أطل عقد السبعينيات بمصطلح «الحروب الإلكترونية» لم تلبث أن أصبحت جزءًا رئيسًا في أي مجهود عسكري ذي شأن، بعد ذلك بدأ مصطلح «حرب المعلومات» يأخذ طريقه في الظهور في التسعينيات، وليس هناك أدنى شك في أنه مع مطلع القرن القادم سيكون أحد أساليب شن الحرب، التي ستكون لها قواعدها وأساليبها الآخذة في التطور في كافة المجالات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.

لقد أبرزت نتائج حرب الخليج الثانية أهمية حرب المعلومات، حيث كان حرمان العراق من المعلومات خلال الحرب العامل الأهم في مجال انتصار القوات الحليفة، ومن هنا، وبعد انتهاء حرب الخليج مباشرة، بدأ الاهتمام الجدي بتطوير وسائل اقتحام شبكات الاتصال والقيادة والسيطرة إلكترونيًّا بدلًا من تدميرها، وفي الوقت نفسه حددت رئاسة هيئة الأركان الأمريكية المشتركة المجالات الرئيسة لحرب المعلومات في مارس ۱۹۹۳م، وذلك على النحو التالي: الخداع العسكري- النظم المعلوماتية للخصم- تضمين إجراءات حرب المعلومات في أي تمارين مشتركة تشبيهية أو فعلية تنفذها القوات الأمريكية.

تُعرِّف رئاسة الأركان الأمريكية حرب المعلومات بأنها الإجراءات التي تتخذ لتحقيق السيطرة المعلوماتية من خلال التأثير على مصادر معلومات الخصم وإجراءاته العسكرية، وحرمانه من ممارسة نفس السلوك ضد مصادر المعلومات الأمريكية.

 ويختلف مصطلح «حرب المعلومات» عن مصطلح «الحرب المستندة إلى المعلومات» التي تُعرِّفها جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بأنها استخدام جميع المعلومات المتوافرة من كافة المصادر، وعلى مختلف المستويات، لإحراز تفوق عسكري وخصوصًا خلال العمليات المشتركة.

 ونقطة الاختلاف بين المفهومين هو أن «حرب المعلومات» ذات مجال أشمل وأوسع، ويطول المجالات المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من خلال تجهيل الخصم، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة من خلال توفير معلومات أكثر لمن يمارس تلك الحرب ضد عدوه، أما الحرب المستندة إلى المعلومات فهي تركز على إحراز التفوق العسكري.

ومع تنامي الاعتماد على الحاسبات الآلية والاتصالات الإلكترونية لتحليل المعلومات الاستخباراتية، ونقل البريد الإلكتروني، وتنظيم أعمال تخزين وصرف الذخائر والإمدادات، أصبحت الدول العظمى تعتبر أن مهاجمة نظم معلوماتها عن طريق قصفها أو تفجيرها، أمر لا يقل خطورة عن مهاجمة قواتها المسلحة، وفي ضوء ذلك تعددت أساليب حرب المعلومات، ومن بينها: العمل على اختراق شبكة القيادة من قبل الخصم، واحتلالها في الوقت المناسب لإعطاء قواته أوامر تؤدي إلى هزيمتها وتدميرها، أو إدخال معلومات مضللة إلى قواعد المعلومات لإرباك وتعطيل حركة الخصم.

في الواقع إذا نجحت الأعمال الرامية إلى تسهيل اختراق أنظمة القيادة والسيطرة عليها وحل شفراتها، فلن يكون من الضروري مهاجمة القوات بالقذائف والقنابل، إذ يكفي العبث بها إما بشل فعاليتها، أو بجعلها تعطي أوامر ترهقها، وتستنزف ذخائرها، وتجرها تدريجيًا إلى الاستسلام والهزيمة، ويأمل العاملون في هذا المجال في زرع عشرات الأهداف الجوية الوهمية في شبكات رادار الخصم؛ لاستدراجه قبل بدء الاشتباك الفعلي.

وترجع أهمية حرب المعلومات للأسباب التالية:

1- تقنيات وأساليب حرب المعلومات يمكن استخدامها في ترويع وإرهاب الخصم، وردعه عن التفكير في خوض الحرب، وإيصاله إلى الإحباط والقنوط دون التعرض لأي خسائر مادية في قواته، أو قوات الجهة التي تشن حرب المعلومات، فمن خلال تعريض الخصم لتعطيل وإرباك شبكات اتصالاته، ومراكز معلوماته لفترة مؤقتة، يتم إفهامه أي مصير ينتظره فيما لو اندلعت الحرب فعلًا، ولذلك فحرب المعلومات ستستخدم في المستقبل كسلاح ردع استراتيجي فعال.

٢- التكلفة البسيطة التي تكلفها حرب المعلومات بعكس التكلفة العالية التي تتطلبها عملية تطوير الأسلحة الحديثة القادرة على تحقيق أهداف الحرب، مثل طائرات الشبح، والصواريخ الجوالة، والقذائف دقيقة التوجيه.

3- مرونة استخدام إجراءات حرب المعلومات بهدف التأثير النفسي في الصراعات الصغيرة المحدودة، وإمكانية تطويرها وتصعيدها بشكل مفاجئ؛ لتشكل هجمة معلوماتية تصيب الخصم بالشلل والإرباك عند الحاجة.

ونظرًا للأهمية السابقة لحرب المعلومات تعمل الولايات المتحدة على الآتي:

  1. استحداث مناهج متخصصة لتدريب قواتها المسلحة على ممارسة الأساليب الدفاعية والهجومية لحرب المعلومات، وتعريفهم بوجودها، ومجالاتها، ونقاط الضعف القائمة في الأنظمة العسكرية الحالية القابلة للاستغلال في الصراعات المعلوماتية.

  2.  إعداد مناهج تتدرج من التعريف العام بمفهوم حرب المعلومات، وتطوير أساليب البرمجة لتحسين مقاومة الأنظمة للاختراق، إلى تحديد مسؤوليات صارمة للقادة المسؤولين عن تشغيل وإدارة شبكات الاتصال والمعلومات، وأخيرًا بلورة مفهوم المعلومات كأحد عناصر القوة الوطنية كالجيش والطيران والبحرية.

نصر القوة التكنولوجية:

لا شك في أن هذا التطور المذهل في المجال العسكري والذخائر سوف يغير من حسابات الصراعات بين الدول بعضها البعض، فالنصر والغلبة سوف يكون من نصيب الدولة التي تمتلك القوة التكنولوجية.

إن تكنولوجيا الذخائر العسكرية والحرب الإلكترونية، إنما تعتمد على نظام معلومات متطور يعتمد على التقدم في عالم البرامج والحاسبات الإلكترونية، والتي أصبحت تجارة رائجة عالميًّا.

وقد تنبه الغرب إلى خطورة هذه الحرب؛ فبدأ الاستعداد وفق برامج مكثفة، وتتعاون الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في تنفيذ برامج تدريبية مشتركة في هذا الصدد، إذ يجري موظفون في البلدين تدريبًا في لندن على مواجهة أخطار الحروب المستقبلية التي يتوقع خبراء كثيرون أن يواجهها الغرب، والتي ستكون من قبل أعداء إرهابيين يستخدمون الأسلحة البيولوجية أو المعلوماتية عبر الحاسوب.

 ويهدف التدريب الذي يحضره موظفون في دوائر عديدة تابعة للحكومتين الأمريكية والبريطانية إلى تدريب هؤلاء على مواجهة خطر حرب المعلومات المستقبلية، التي يمكن أن تتسبب في خلل أنظمة الحاسوب المركزية المتحكمة في معظم الأنشطة اليومية من المطارات، إلى المشافي والإشارات الضوئية والمصارف، وحتى الأسلحة النووية، بحيث تفقد هذه الأجهزة فعاليتها، وتتسبب في وقوع كوارث بشرية هائلة قد يصعب حصر آثارها.

 ويأتي هذا التدريب الذي بدأ في ٢٩ يونيو الماضي بعد تحذيرات أطلقها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حول خطر هذه الحروب، التي أكد خبراء أمريكيون عدم استعداد بلادهم لمواجهتها، وبهذه الطرق يمكن لدول ضعيفة أن تشن أكبر عمليات التحطيم للقوى العظمي في العالم، إذ إن عملية خلخلة المعلومات وأجهزة السيطرة الحواسبية لا تحتاج سوى لجهاز حاسوب صغير من نوع «لابتوب» المحمول كي تتعطل معظم الأنشطة الحياتية في الغرب من خلال اختراق دوائر معلوماتية مغلقة.

في الوقت نفسه وفي هذا الإطار خصصت الإدارة الأمريكية ميزانية ضخمة بمئات الملايين من أجل حماية أجهزة الكمبيوتر من الاختراق، واعتبر الرئيس الأمريكي خطر التخريب واختراق شبكات الكمبيوتر من أكبر الأخطار التي تواجه الولايات المتحدة، فقد تمكن هواة الاختراق فعلًا من تخريب بعض الأجهزة الأمريكية، وكشفوا بذلك عن قدرة الهواة- وأغلبهم من المراهقين، أو من طلبة الثانويات والجامعات الأمريكية- على هزيمة خبراء وكالات الإدارة الأمريكية، ودخول الشبكات من أجل أهداف مالية وتخريبية.

وتعتبر مشكلة الاختراق ذات أبعاد متعددة، تبدأ أولها بقدرة خبراء الكمبيوتر على التسلل والحصول على المعلومات الخاصة، وقدرتهم على التلاعب بالمعلومات الموضوعة في الكمبيوتر، والأخطر من ذلك كله هو قدرتهم على زرع برامج تخريبية تسمى بالفيروس المشابهة عملها بعمل الفيروس في جسم الإنسان.

الرعب الوهمي:

وعمليات الاختراق هذه تحدث رعبًا دائمًا، وتستغل العديد من الجهات حالة الرعب هذه لاختلاق قصص عن وقائع حدثت في هذا المجال، لخلق حالة من البلبلة، فقد بثت وكالة رويتر في أحد تقاريرها واحدة من هذه القصص، مشيرة إلى تسلل أشخاص إلى أجهزة الكمبيوتر في البنتاجون، وهم يسيطرون الآن على التعليمات الموجهة إلى الترسانة النووية الأمريكية، ويطالبون بفدية ضخمة وإلا دمروا العالم الغربي إذا لم تلب مطالبهم في غضون ٢٤ ساعة! إلا أن العديد من الخبراء أكدوا على صعوبة حدوث ذلك وأشاروا إلى عدة نقاط هي:

1- أن شركات الكمبيوتر التي تسعى لتسويق أحدث برامجها الأمنية تستغل هذه المخاوف وتروج لها.

2- أن بعض الحكومات التي تشعر بالقلق إزاء إمكان انخفاض ما تحصل عليه من رسوم نتيجة إبرام مزيد من الصفقات عبر شبكات الإنترنت، تعزف على هذا الوتر أيضًا، فعندما يزداد الخوف من الإرهاب ستجد الحكومات مبررًا لبسط مزيد من الهيمنة على تجارة الإنترنت وتنظيمها.

3- إن التسلل إلى شبكات المعلومات والتلاعب فيها ليس سهلًا، بل ينطوي على مشاكل هائلة، ودخول شبكة رئيسة يتطلب معرفة كيفية عملها، وقدر كبير من المعلومات، وهذا يتطلب تسلل شخص إلى المنظمة نفسها، ومعرفة كيفية كتابة الشفرة وإدخالها إلى النظام.

4- أن المواقع العسكرية تمثل هدفًا صعبًا بالنسبة للعدو، حسب رؤية أندرو راثميل بالمركز الدولي للتحليل الأمني في كينجز كولدج بلندن، الذي أضاف بأن ما يسمى تقنيات حرب المعلومات يمكن من الناحية النظرية أن تلحق ضررًا كبيرًا بالبنية الأساسية للمدينة، كشبكات الكهرباء، وخطوط السكك الحديدية، والنقل الجوي، بالإضافة إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية.

ويقلل روس أندروسن من معمل الكمبيوتر في جامعة كمبردج من شأن هذا الخطر، رغم النداء الذي وجهه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في الثاني والعشرين من مايو إلى التسلح في مواجهة إرهاب شبكات المعلومات، ويعتبر أندرسون أن الغرض من فكرة حرب المعلومات التسويق أكثر منه أي شيء آخر، فشركات برامج الكمبيوتر الأمنية تحاول زيادة مبيعاتها للحكومة الأمريكية.

من جهة أخرى فإن الأخطار التي تسببها الحرب المعلوماتية هذه لا تقل عن تلك التي يمكن أن تنتج عن هجمات بالأسلحة البيولوجية.

وتقوم التدريبات التي سوف يتعرض لها الموظفون البريطانيون والأمريكيون على عرض سيناريوهات محتملة عليهم، وتوقع ردود فعل معينة منهم، وفي حال نجاح التدريبات يتوقع أن تتم على غرارها تدريبات أخرى في المستقبل، تشمل عينات أوسع من العاملين في القطاعات الحكومية في البلدين لمواجهة الأزمات المحتملة.

وكان البنتاجون، قد حذر حلفاء الولايات المتحدة من النتائج التي توصل إليها نتيجة تدريب مماثل أجري العام الماضي على موظفين أمريكيين، حيث قال جون هامر نائب وزير الدفاع الأمريكي: إن التدريب كشف عن «تحديات خطيرة ونقاط ضعف»، بينما أوضح مسؤول أمريكي الأمر بشكل أكبر حيث قال: إن التجربة كشفت عن تشوش كامل... لم يعرف أحد كيف يتصرف، وأضاف: «ولقد كانت تجربة مؤلمة لنا». 

وأكد خبراء في مجال الصحة العامة في الولايات المتحدة الشهر الماضي أن الحكومة الأمريكية ليست على أهبة الاستعداد لمواجهة هجمات معادية بالأسلحة البيولوجية، رغم كونها هدفًا مغريًا لمثلها، وأوضح الخبراء أن عدم الاستعداد يتمثل في غياب خطط للتعامل مع موت آلاف قد يقضون نحبهم في مثل هذه الهجمات، وغياب خطط معالجة موجة الذعر والهلع التي ستلي وقوع حادث كهذا.

وأجمع الخبراء على أن وقوع هجمات من هذا النوع على الولايات المتحدة مسألة وقت ليس إلا، كما قال الدكتور مايكل أوستر هولم رئيس دائرة الأمراض الوبائية في دائرة الصحة التابعة لولاية مينيسوتا الأمريكية، وأضاف هل نحن مستعدون... طبعًا لا.... لقد فعلنا القليل في هذا البلد للتعامل بفعالية مع الإرهاب البيولوجي، هل يجب علينا أن نستعد؟ أعتقد أنه لا خيار لنا في هذا المجال، وأعرب أوستر هولم عن اعتقاده أنه «من المحتمل أن لا يقع شيء خلال الأشهر الـ ١٢ القادمة، إلا أنني أعتقد أن حادثًا إرهابيًّا بيولوجيًّا ما بين متوسط وضخم الحجم سيقع خلال ۱۸ أو ٢٤ شهرًا قادمًا، ولا سيما ونحن نقترب من حلول القرن القادم، ووقوع حادث من هذا النوع يجب ألا يفاجئنا».

ويوضح تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية أن نثر ٥٠ كيلو غرامًا من جرثومة الجمرة الخبيثة على بعد كيلومترين من العاصمة الأمريكية واشنطن يمكن أن يقتل أو يشل نحو ۲۲۰ ألف شخص بعد أن تنقلها الرياح، وعلق الأخصائي الأمريكي الدكتور أوستر هولم على ذلك بالقول: «بإمكانك تخيل النتائج التي ستترتب على مثل هذا العمل، سيشيع الهلع والخوف بين المرضى، وبين الذين تعرضوا لاستنشاق ذلك الهواء، وبين موظفي الصحة العامة، وهو أمر لم نعهده، أو نرَ له مثيلًا في السابق».

وفي حين أن الدكتور ريتشارد دوما المتخصص في الأمراض المعدية بمدينة ديتونا بيتش بولاية فلوريدا بدا أقل تشاؤمًا إزاء عدم الاستعداد المواجهة هجمات إرهابية بالأسلحة البيولوجية على الولايات المتحدة، إلا أنه اتفق مع الرأي القائل إن وقوع هجوم إرهابي بيولوجي لا مفر منه، ودعا دوما المسؤولين الأمريكيين إلى عدم تجاهل هذه الحقيقة وتخزين المزيد من الأمصال والمضادات الحيوية، وزيادة المعرفة حول الأمراض النادرة التي قد لا تكتشف مباشرة بعد وقوع هجوم بالأسلحة البيولوجية على حد تعبيره.

الرابط المختصر :