; المغرب.. وخفايا إمبراطورية المخدرات | مجلة المجتمع

العنوان المغرب.. وخفايا إمبراطورية المخدرات

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2004

مشاهدات 58

نشر في العدد 1589

نشر في الصفحة 40

السبت 21-فبراير-2004

بعد تكرار التحذيرات في تقارير دولية من خطورة الظاهرة

عرفت الأيام الأولي من عام 2004حملة أمنية مكثفة في المغرب، على ظاهرة تهريب النخدرات التي تشهد رواجا في بعض مناطق المملكة، خاصة في شمالها، حيث تنشط زراعة القنب الهندي، ونتج عن هذه الحملة تفكيك العديد من شبكات التهريب، واعتراض أطنان من المخدرات كانت موجهة إلي أوروبا عن طريق إسبانيا

جاءت الحملة بعد تقرير من ٦٠ صفحة أعده مرصد محاربة المخدرات قدم في ندوة صحفية بالرباط في نهاية ديسمبر الماضي، وهو تقرير ناتج عن عمليات تحقيق واسعة قام بها المرصد بالتعاون مع السلطات المغربية، وورد في التقرير الذي أزعج الحكومة المغربية - خاصة أنه جاء بعد الحملة الإسبانية ضد المغرب بسبب تجارة المخدرات وتأثيراتها الأمنية - أن التراب الإسباني يعتبر منطقة عبور رئيسة للمخدرات من المغرب باتجاه السوق الأوروبية، وأن أوروبا استطاعت عام ٢٠٠٢ حجز ٧٣٥ طناً من المخدرات، كانت قادمة من المغرب بينما لم يحجز هذا الأخير في نفس الفترة سوى ٦٦ طناً، مما يعني أن المغرب بحسب التقرير متساهل في القضاء على آفة المخدرات، وقال التقرير إن حوالي ٩٦٦٠٠ عائلة مغربية تعيش من مردود زراعة القنب الهندي: أي ما يعادل ۸۰۰ ألف من السكان ويمثل ٦٦ من المزارعين في شمال المغرب. 

هل زال جدار الصمت؟

وقد كشفت قضية أباطرة المخدرات التي تفجرت في شهر أغسطس الماضي، منطلقة من مدينة تطوان شمال المغرب، جانباً كبيراً من جدار الصمت الذي ظل مضروباً لعهد طويل على إمبراطورية الحشيش بالمغرب، ولكن الجانب الأكبر سيظل مخفياً تحت الطبقة السفلى لجبل الجليد، وينتظر الرأي العام الداخلي والمعنيون بالملف في الخارج رفع الستار عنه، بعد أن تصل التحقيقات إلى نهايتها الطبيعية، هذا إذا كانت هناك نهاية طبيعية لملف غير طبيعي.

ومنذ أن أثيرت القضية، بدا الأمر أقربإلى الرواية البوليسية المليئة بالألغاز والأحاجي، وبقيت هناك مناطق فراغ في فصول القضية ملأها الكثيرون بالتكهنات والإشاعات.. الرواية الرسمية أرجعت بداية الكشف عن القضية إلى حادث عرضي بين عصابتين متنافستين في تهريب المخدرات في تطوان ، قادت إلى الفاعلين الرئيسين، بحسب  ما صرح به وزير العدل لتفتح هذه الرواية الرسمية الباب أمام العديد من التساؤلات، فهل كان ينبغي على الأجهزة الرسمية أن تنتظر هذا الحادث العرضي للكشف عن وجود إمبراطورية تحت الظل، تمسك بخيوط لعبة ضخمة يختلط فيها السياسي بالاقتصادي بالتجاري والأمني؟ وهل للمتهم الرئيس في القضية «منير الرماش» وجود حقيقي في اللعبة الضخمة أم أنه لا يعدو أن يكون بطلا وهمياً لمسرحية حقيقية يقودها أبطال كبار من خلف الكواليس؟ وهل معنى هذا الكشف عبر حادث عرضي أن الدولة ظلت خلال السنوات الماضية تصم آذانها عن التقارير الدولية والأوروبية التي كانت تتحدث عن فظاعة ظاهرة تهريب المخدرات بالمغرب؟ ثم هل تعتبر الحملة التي انطلقت في أغسطس الماضي استمراراً واستئنافاً لحملة ١٩٩٦ ضد المخدرات والفساد أم شهادة على أن الحملة السابقة كانت فاشلة؟

 الرأي العام والصحافة المغربية طرحت مثل هذه الأسئلة الشائكة، ولكنها ظلتبدون إجابات نظراً لحساسية القضية وعدم الكشف عن جميع تفاصيلها.

إمبراطورية «الشر » في الشمال

كانت المفاجأة كبيرة جداً بالنسبة للرأي العام المغربي، بعد الإعلان عن أسماء المتورطين في ملف تهريب المخدرات فهي المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال عدد من المسؤولين في الأجهزة المختلفة للدولة من الأمن إلى الجيش والجمارك والقضاء مروراً بالمسؤولين في المجالس المحلية بطنجة وتطوان، وتنشر أسماؤهم وصفاتهم على الملأ، وأكثر ما فاجأ الرأي العام الداخلي - كما الخارجي - شخصية المدعو الرماش الذي أحيطت به الكثير من الأساطير حول أملاکه وثرواته الضخمة وممتلكاته العقارية ومنشآته السياحية في المغرب وإسبانيا، وعلاقاته التي تخترق مختلف قطاعات الدولة الحساسة في الشمال، والتي تسهل له تجارته غير المشروعة، فهو لم يتجاوز العقد الثالث من عمره، الأمر الذي ترك مساحة واسعة من المسكوت عنه بشأن هذا الشخص وزمن دخوله معترك هذه اللعبة الشائكة والكيفية التي توصل بها إلى مراكمة كل هذه الثروة في زمن قياسي، واستطاع أن ينال لقب الأمير في إمبراطورية الشر هذه.

تحذيرات أوروبية وحملة ناقصة

تعود قضية المخدرات بالمغرب إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وإن كانت الحملة الأخيرة تحتفظ بالكثير من التفاصيل المشتركة مع الحملة الشهيرة عام ١٩٩٦ إلا أنها تختلف عنها في اتساع دائرة المتورطين فمنذ بداية عقد التسعينيات بدأت تتوالى التقارير الأوروبية الدولية التي تتحدث عن استفحال ظاهرة تهريب المخدرات من الشمال المغربي نحو أوروبا، إلى رجة تطلبت تنبيه المغرب وحثه على محاربة الظاهرة.

 وقد أشارت مختلف التقارير إلى أن المساحة المخصصة لزراعة القنب في شمال الغرب تتسع بالتدريج، لتنتقل من ٣٥ ألف هكتار عام ١٩٩٢ إلى ٧٤ ألفاً في العام التالي، أي زيادة ١٠٠ في ظرف سنة واحدة، وفي عام ۱۹۹۰ ارتفعت المساحة المزروعة إلى ٧٨ ألف هكتار لتصل عام ١٩٩٩ إلى ٩٠ ألفاً ثم ١٠٠ أل ف عام ٢٠٠١، وهذا وحده كاف ليكون مؤشراً على مقدار الخطورة التي تهدد المغرب وعلاقاته جيرانه الأوروبيين الذين بدءوا يشتكون من ارتفاع نسبة المدمنين على الحشيش في بلدانهم، الذي يأتي جله من الحقول المغربية، وفي عام ۱۹۹7 اقترحت اللجنة الأوروبية على المغرب مساعدته في محاربة زراعة الحشيش عبر تقديم بدائل لتعويض هذه الزراعة في المناطق التي تنتشر فيها، وتلقى المغرب بمقتضى البرنامج الأوروبي لمحاربة المخدرات، مساعدات مالية تقنية أخذت في الارتفاع طيلة السنوات اللاحقة تصل في العام الماضي إلى نحو ٥٨٠ مليون يورو.

لكن تقرير المرصد الدولي للمخدرات الذي ظهر عام ١٩٩٤ وجه الاتهامات بشكل مباشر إلى وجوه من داخل السلطة، متهماً إياها بالتواطؤ مع آلة التهريب، واللافت أن التقرير المذكور تزامن تقريباً مع تقرير آخر صادر عن البنك الدولي حول ظاهرة الفساد المستشري في الإدارة المغربية ظهر عام ١٩٩٥ وقدمه الملك الراحل الحسن الثاني للبرلمان، ثم وضع أمام الرأي العام الذي لم يكن قد تعود على الحديث العلني عن الفساد وخاصة من هيئة كالبرلمان ورفع هذان التقريران حالة المنع «الطابو» التي كانت مفروضة في السابق على قضية الفساد والمخدرات في ظرفية داخلية صعبة قال عنها الملك الراحل إنها تهدد البلاد بالسكتة القلبية، وقد شكل البرلمان في ديسمبر ١٩٩٥ لجنة لتقصي الحقائق في موضوع تهريب المخدرات انتهت إلى وضع تقرير، قالت فيه إن الضغط الواقع على المغرب من الخارج بسبب هذه الظاهرة يحتم التصدي لها، وشرعت وزارة الداخلية عام ١٩٩٦ في تعقب المهربين ضمن ما سمي وقتها بحملة التطهير وقادت إلى اعتقال العديد من الأشخاص، أبرزهم المدعوان الديب و اليخلوفي، لكن الحملة تعرضت لانتقادات قوية بسبب استهدافها لأشخاص أبرياء أو بعيدين عن الملف، وما فتئت أن توقفت خشية إسقاط بعض الرؤوس الكبيرة، إذ راج أن للملف علاقة ببعض أقارب الملك وأصهاره وكما حدث في قضية الرماش حدث في قضية الديب واليخلوفي، فقد بقيت هناك مناطق فراغ شاسعة ملأها اللسان الشعبي بالأساطير والألغاز والإشاعات، ولم تصل القضية إلى نتائج ملموسة يمكن عرضها على الرأي العام، وهكذا بدت الحملة وكأنها لم تكن الأمر الذي جعل الكثيرين يؤكدون أنها كانت بغرض تصفية الحسابات أكثر منها عملية تطهير حقيقية كما صرح علناً وزیر حقوق الإنسان في ذلك الوقت المحامي محمد زيان الذي استقال من الوزارة احتجاجاً على الخروقات القانونية التي شابت الاعتقالات، واقتصار الحملة على الصغار دون الكبار، ولكن يبدو أن المغرب هذه المرة أصبح مضطراً - أمام التقارير الأوروبية والأممية والإنذارات الداخلية من خطر الفساد المالي المرتبط بالفساد الإداري -  لمتابعة الحملة على تجارة وزراعة المخدرات، فقد أصبحت القضية مطروحة في الدول الأوروبية بشكل أكثر حدة بعد ارتفاع مستهلكي ومروجي هذه الآفة، هذا دون الحديث عن المخاطر التي يتعرض لها شباب المغرب بفعل الإدمان على هذه السموم، وما يلقي على المغرب أعباء أكبر تجاه هذه الظاهرة.

 أن المرحلة اللاحقة على تفجيرات ١٦ مايو في الدار البيضاء طرحت قضية الارتباط بين تجارة المخدرات وانتشار الأسلحة في يد أباطرتها وتجارها، كما ظهر في قضية الرماش والمواجهات المسلحة بينه وبين منافسيه في الصيف الماضي، فقبل أسابيع فقط نشرت صحيفة لاراثون الإسبانية المقربة من الجيش ملخصاً لتقرير أعده المركز الوطني للمخابرات الإسبانية، حذر فيه من احتمال وقوع اضطرابات أو عمليات إرهابية في المناطق الشمالية للمغرب في حال حدوث تحالف بين تجار المخدرات وجماعات متطرفة، في هذه المناطق المحاذية لإسبانيا، وقال إن الاضطرابات في شمال المغرب من شأنها تهديد الدول الأوروبية وإسبانيا بشكل مباشر، كما حذر من احتمال وقوع عمليات تفجيرية في مضيق جبل طارق ينفذها تنظيم القاعدة، مثلما حدث في شهر مايو من عام ۲۰۰۲ قبل اعتقال ما سمي بالخلية النائمة للقاعدة بتهمة التخطيط لضرب سفن حربية أمريكية وبريطانية في المضيق، ومثل هذا التقرير في هذا الوقت بالذات ليس أمراً عادياً، خاصة أن رئيس المخابرات الإسباني هو خورخي ديسكايار الذي شغل سابقاً منصب السفير الإسباني في الرباط وعلى اطلاع جيد بالشؤون المغربية، ولأجل ذلك عين قبل ثلاث سنوات مديرًا للمخابرات.

الرابط المختصر :