العنوان المغناطيس الأمريكي يجذب الجزائر
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1985
مشاهدات 79
نشر في العدد 715
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-أبريل-1985
• الجزائر تطلب السلاح الأميركي والتكنولوجيا والبضائع
• الولايات المتحدة تطلب من الجزائر التوسط لدى سوريا وإيران لإحلال ما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط
• زيارة بن جديد فاتحة عهد جديد في العلاقات الأميركية – الجزائرية
• مسؤول أميركي يقول نحن والجزائر نعمل سوًيا من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط
الزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد يوم ١٧ الجاري واستغرقت خمسة أيام، بالرغم من أهميتها لكونها بداية مرحلة جديدة من العلاقات الجزائرية- الأمريكية ولأنها المرة الأولى التي يقوم بها رئيس جزائري منذ الاستقلال لزيارة واشنطن لكنها لم تجد التحليل الكافي والوافي من قبل الصحافة العربية، ولم تزد بعض المصادر التي تناولت موضوع الزيارة عن امتداح مبدأ الزيارة وتسويغها من خلال التأكيد على استقلالية السياسة الجزائرية.
فلماذا تمت الزيارة وماهي دلالاتها السياسية؟
تجمع المصادر الغربية والجزائرية على أن سبب الزيارة يعود إلى سياسة الجزائر الجديدة القائمة على مبدأ التوازن في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية التي أخذت تتبلور منذ مجيء الشاذلي بن جديد لسدة الرئاسة. ولا شك أن هنالك أسبابًا داخلية لاتخاذ مثل هذه السياسة أشارت المصادر المختلفة إلى أنها المشكلات التي نتجت عن سياسة بومدين الدولية الأحادية، فقد ثبت أن نهج التنمية السريعة عن طريق الصناعة الثقيلة قد نتج منه تخلف في إنتاج بعض القطاعات الاقتصادية المهمة كإنتاج وصناعة الغذاء، ومشاكل اجتماعية كتفاقم أزمة الإسكان وعدم توفر ما يسد حاجة السكان من متطلبات أساسية كثيرة، ولحل مثل هذه المشكلات وجد النظام الجزائري نفسه يتوجه نحو مزيد من إشراك القطاع الخاص وتنشيط قطاع التجارة والزراعة الأمر الذي يتطلب تقنية عالية، وهذه التقنية متوفرة في الأسواق الغربية الأوروبية والأميركية.
ومن ضمن الدروس التي استفادها الشاذلي بن جديد من علاقة الدول العربية بالاتحاد السوفياتي والاعتماد عليه بشكل شبه تام في مصادر التسليح الذي يعرف بأنه ذرائعي معتدل على حد قول المصادر الغربية، هو التوجه نحو تنويع مصادر السلاح خاصة وأن موقع بلاده في ضوء مشكلة الصحراء الغربية والاتفاق المغربي الليبي يحتم عليه ذلك.
وقد جاءت نتائج الزيارة كما نشرتها المصادر الجزائرية والأمريكية لتؤكد هذه النظرة.
فقد ذكرت الأنباء أنه تم التوقيع على اتفاقية بين البلدين بشأن تنشيط التبادل التجاري وتحسين الميزان التجاري بينهما، ويذكر في هذا الصدد أن الولايات المتحدة تستورد نحو ثلث النفط الجزائري ومعظم الغاز الجزائري وتبلغ قيمة هذه الواردات حوالي ٣,٥ بليون دولار فيما تبلغ واردات الجزائر من الولايات المتحدة ٥٠٠ مليون فقط.
كما تم الإعلان عن موافقة إدارة ريغان على مذكرة بالسماح بتصدير السلاح للجزائر، وكانت هذه الإدارة قد أدرجت الجزائر ضمن قائمة الدول التي ستصدر لها السلاح يوم ١٠ أبريل الجاري. أما عن نوعية السلاح فلم تذكر مصادر الأنباء أية تفصيلات حولها وسيترك أمر تحديدها لاجتماعات مقبلة بين البلدين، ولكن ماذا تريد الولايات المتحدة من الجزائر في المقابل؟
من الواضح أن اتفاق التبادل التجاري وتنشيط حركة الواردات بين البلدين وخاصة التكنولوجيا الزراعية ستكون بدون شك ملبية لبعض المطالب الجزائرية، لكنها على أية حال ستخدم المصالح الأمريكية بشكل أكبر وذلك من جهتين:
الأول: هو التحسن في الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة.
الثاني: هو توجه الجزائر نحو مزيد من الارتباط بالولايات المتحدة اقتصاديًا وسياسيًا.
والاهتمام الأميركي الرسمي والإعلامي بزيارة بن جديد ينم عن ابتهاج كبير بمعنى هذه الزيارة، خاصًة وأن السياسة الجزائرية عرفت بتصلبها من جهة، وبتناقضها من السياسة الأميركية من جهة أخرى خاصًة مواقف الجزائر من قضية إنتاج وتسعير النفط وسياسة منظمة أوبك.
وبالنسبة لما تستفيده السياسة الأميركية من الجزائر نترك المسؤول أميركي أن يوضح ذلك عشية زيارة من جديد لواشنطن.
يقول المسؤول الأميركي: الجزائر إحدى الدول القائدة في العالم العربي والعالم الثالث وهي تلقى احترامًا من القاهرة ودمشق وتشارك معنا في هدف تحقيق السلام عبر المفاوضات.. وأن لها رصيدًا مختلفًا لدينا عن باقي دول المنطقة وعلاقتهم بسوريا مثلًا هي مسألة مهمة.. أن للجزائر نفوذًا في دمشق وتكن سوريا لها الاحترام، وأي تحرك في عملية السلام فإن وجهة نظر الجزائر تؤخذ جديًا في دمشق».
ويضيف المسؤول الأميركي قائلًا: «نحن والجزائر لدينا هدف مشترك وهو تحقيق السلام في الشرق الأوسط وقال أن دور الجزائر في الحرب العراقية-الإيرانية دور معروف ويستحق الثناء وأن الولايات المتحدة لم تنس دور الجزائر بالنسبة لأزمة الرهائن».
وهذا الذي قاله المسؤول الأميركي لم تأت نتائج الزيارة بعيدة عنه فقد كشفت مصادر غربية وعربية عن أن الرئيس الشاذلي بن جديد أعرب عن عزمه لبذل مساع لدى سوريا من أجل دفع ما يسمى بعملية السلام، وكان بن جديد قد اجتمع قبل سفره لواشنطن بوفد أردني فلسطيني مشترك، ولم يعرف بعد فيما إذا كلف بشيء محدد أم لا، لكن المصادر الأميركية والجزائرية ألمحت إلى أن بن جديد شدد كما شدد غيره على إعطاء منظمة التحرير دورًا في أي محاولة للتسوية في الشرق الأوسط. لكن مصدرًا أميركيًا مسؤولًا طلب عدم ذكر اسمه قال لكونا أنه تم بحث إيجاد دور للفلسطينيين! هكذا بدون ذكر انتمائهم للمنظمة..
وفي ضوء موقف الجزائر من مسألة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني التي حرض مسؤولو المنظمة على تسويفه يميل المراقب إلى أن السياسة الجزائرية ليست بعيدة هي الأخرى عن سياسة الأنظمة العربية التي شاركت في فأس والتي تعمل جاهدة لإعطاء أمريكا دورًا جديدًا في تسوية القضية الفلسطينية، خاصًة وأن الرئيس بن جديد قد حث الولايات المتحدة على ذلك في زيارته لواشنطن.
وفيما يتعلق بالحرب العراقية-الإيرانية قالت المصادر أن الولايات المتحدة طلبت من الجزائر بحكم علاقاتها المشار إليها مواصلة القيام بوساطة لوقف الحرب خاصًة وأن إدارة ريغان كما تقول هذه المصادر باتت مقتنعة بذلك، ونحن نشك في مصداقية هذه المصادر طالما أن استمرار الحرب يؤدي إلى مزيد من توجه أنظمة الحكم العربية وغيرها لطلب الحماية الأميركية وشراء السلاح الغربي، والمساعدة على تحقيق المطالب الإسرائيلية في أية تسوية للقضية الفلسطينية.
بقيت قضية السلاح التي أشار مسؤول أميركي إلى أنها محكومة بعدة عوامل هي ألا تكون ورقة ضد المغرب أو العكس، ومدى تأثير ذلك على السلام في المغرب، ومدى تأثير ذلك على مسألة نقل التقنية، وثالثًا مصادر تمويل السلاح».
ويفهم من كلام المسؤول الأميركي أن تزويد الجزائر بالسلاح الأميركي يجب أن تغطي تكلفته وأن يكون على شكل سلاح جاهز للاستعمال وبإدارة أميركية أن تطلب ذلك بحيث لا يمكن الجزائر الاستفادة من تقنية صناعة السلاح!
وإذا كانت الجزائر قد كسبت «تغييرا ملحوظًا» في موقف الإدارة الأميركية من مشكلة الصحراء وذلك بتأكيدها على حق تقرير المصير وعدم تأييد المغرب في شن هجوم عسكري واسع النطاق على البوليساريو، كما ألمح لذلك مسؤول جزائري، فإن الحصول على السلاح بهذه الشروط يحول دون تحقيق الهدف الجزائري وبذا تكون الجزائر كغيرها من الدول العربية التي جذبها المغناطيس الأميركي رغبًا ورهبًا.
وذهب بعض المراقبين الإسلاميين إلى القول أن ملاحقة التيار الإسلامي في الجزائر منذ عام ٨٢ والتي تتوجت بمحاكمة ١٣٠ من الحركيين الإسلاميين قبل أسبوع من توجه بن جديد لواشنطن، تعتبر دليلًا آخر على توجه السياسة الجزائرية نحو الولايات المتحدة، ويقول مراقبون غربيون أن الحرارة في العلاقات الجزائرية- الأميركية بدأت تدب منذ مجيء بن جديد لكرسي الرئاسة، وأن زيارة بن جديد لدول اشتراكية ابتداء ولدول غربية من ثم قبل زيارة الولايات المتحدة إنما كانت خطوات محسوبة لإبعاد الأنظار عن أن الجزائر بدأت تتوجه نحو اليمين واليمين الأميركي بعد طول عهد باليسار والتشدد والانغلاق.
فهل حقًا انجذبت الجزائر للمغناطيس الأميركي الأمر الذي يسهل على هذا المغناطيس أن يلتقط ما تبقى من دول المنطقة ليرسم ما يشاء ويكون له ما يشاء؟! هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة، لكننا على ثقة بأن الشعوب العربية المسلمة بالرغم من كل هذا الليل الحالك بدأت تسير في الطريق الصحيح مفعمة بالإيمان والأمل والله ولي المجاهدين.