العنوان المفاهيم المنحرفة في استحلال النفس والمال
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004
مشاهدات 48
نشر في العدد 1621
نشر في الصفحة 41
السبت 02-أكتوبر-2004
اُبتليَّت الشعوب العربية والإسلامية بمن يزعمون أن رأيهم هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا استحلوا النفس والمال بدون وجه حق، ولا يجهل صغار العلماء أن النبي ﷺ بوحي من الله، وأمر منه -سبحانه وتعالى- لم يجز للمسلمين القتال ولو لرد العدوان إلا بعد أن قامت دولة للإسلام في المدينة المنورة، فقبل قيام الدولة كان حكم الله هو قول الله تعالى: ﴿كُفُوا أَيْدِيكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (سورة النساء :۷۷).
ولما قامت الدولة في المدينة المنورة أصدر النبي ﷺ قرارًا بصفته الحاكم وصاحب السلطة بالعفو عن الذين ارتكبوا جرائم في حق المسلمين في الفترة المكية، وهي فترة الاستضعاف، واستثنى أشخاصًا على سبيل الحصر لجسامة جرائمهم منهم كعب بن الأشرف، ولا يخفى على أحد من الباحثين أن النبي ﷺ لم يكن في ذلك مرشدًا ولا مفتيًا، بل كان حاكمًا ورئيسًا للدولة.
فالحكم على الناس من اختصاص الحاكم، ومن يفوضه في ذلك من القضاة وليس من اختصاص الناس أفرادًا وجماعات؛ لذلك لما اعتدى الهرمزان على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقتله في صلاة الفجر وقتل معه عدة أشخاص من خيار صحابة رسول الله ﷺ لم يقبل الصحابة -رضي الله عنهم- تصرف ابنه عبيد الله بن عمر، حيث قتل الهرمزان قصاصًا في والده، وذلك رغم أن القصاص مقرر في الإسلام ورغم أن القاتل قد ضبط ومعه الخنجر الذي استخدمه في القتل، ورغم أن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ۚ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۗ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (سورة الإسراء : ٣٣).
إنه رغم أن لابن عمر هذا السلطان وهو الحق في قتل الهرمزان قصاصًا، إلا أن هذا الحق لا يمارسه ولي دم المقتول من تلقاء نفسه، بل عن طريق الحاكم المنوط به بحث الشروط بنفسه أو عن طريق القضاء للتحقق من توافر شروط العقوبة ومدى تحقق شروط الإعفاء من العقاب، لهذا طلب صحابة رسول ﷺ معاقبة عبيد الله بن عمر بن عمر لقتله قاتل أبيه دون سلطان وإذن من الحاكم.
وقد روى الطبري في إحدى رواياته أنه لما تولى عثمان بن عفان الخلافة سلم عبيد الله بن عمر إلى المئبذان بن الهرمزان ليقتله قصاصًا لقتله والده بغير سلطان ولا قضاء، فعفا هذا الابن، وأعلن إسلامه لما لمسه من العدالة المجردة، لكن الخليفة دفع الدية الشرعية من ماله الخاص إلى ورثة الهرمزان لأنه تحول من قاتل إلى مقتول (۱) ولما كان أخطر المفاهيم المنحرفة هي حجتهم في استحلال النفس والمال لمن خالفهم فنوضح أخطاء ذلك:
استحلال قتل النفس
لقد حدد النبي ﷺ الأسباب التي تهدر عصمة دم المسلم بقوله: «لا يحل دم امرئ مسلم: إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين الخارج عن الجماعة» (۲) بهذا المعنى يتولى الحاكم تحديد عقوبة القتل الأحوال الآتية:
1. قاتل النفس بغير وجه حق.
2. والزاني المتزوج والزانية المتزوجة.
3. والمرتد من المسلمين عن دين الإسلام بعد إمهاله للتوبة والعدول عن هذه الخيانة العظمى، فأصر عليها والخروج عن الجماعة هنا هو الخروج عن جماعة الإسلام التي هي أمة الإسلام بردته عن الدين، وليس أدل على ذلك من أن الذين تخلفوا عن جماعة النبي ﷺ من المسلمين بمكة فلم يهاجروا إليها مخالفين أمر الله -تعالى- لهم بالهجرة ونزل فيهم قول الله -تعالى-﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وِلَايَتِهِمْ شَيْءٌ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ۗ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة الأنفال: 72)
هذا وعند ثبوت السبب المفضي إلى إهدار دم المسلم لا يتولى ذلك الأفراد، بل يتولاه الحاكم عن طريق القضاء، وهذا إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- عندما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان.
أما دعوة المسلمين في عصرنا ودعوى جواز قتل المرتد بغير سلطان الحاكم فتحتاج إلى التفصيل الآتي:
بين ردة المسلمين وقتلهم
إن فكر التكفير في ماضيه وفي حاضره يؤمن بكفر من لم ينضم إلى جماعتهم، ولقد كانت حجتهم الأخيرة قولهم: إن الناس في هذا الزمن لا يشك أنهم من نتاج مناخ الكفر الضارب الجذور حول البشرية المعاصرة، إن ارتضاء الناس من المحسوبين على الإسلام الولاء للطاغوت البشري، والحكم بغير ما أنزل الله قد قطع الطريق أمام أي دعوى بإسلام أهل هذا العصر (۳).
والجواب على ذلك
سبق التدليل على أن المسلم الناطق بالشهادتين لا يطلق عليه اسم مرتد، وذلك محل إجماع المسلمين.
أما ما ورد من طاعة أكثر المسلمين للكافرين فلا يعد هذا ردة إلا إذا كان هذا الاتباع مقترنًا بإنكار حكم الله واستحلال مخالفته.
فالانقياد فقط مع الإقرار بأن العمل عصيان الأمر الله، فإن المتبع والمطيع بهذا المعنى عاص وليس كافرًا إلا ما ورد فيه نص أن عامله ينتفي عنه اسم الإيمان بمجرد العمل (٤).
1 - نقل كتاب «جند الله» عن فقهاء الحنفية أن الأصل أن كل شخص رأى مسلمًا يزني يحل له قتله، وعلى هذا المكابر بالظلم وقطاع الطريق وصاحب المكس وجميع الكبائر، يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم، وأفتى الفاصحي بوجوب قتل كل مؤذ ص ۳۸۲، والفصل في ذلك ما رواه مسلم من أن سعد بن عبادة قال الرسول الله ﷺ: «أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا أأمهله حتى أتي بأربعة شهداء؟ فقال: «نعم (٥).
لهذا روى مالك في الموطأ أن الإمام عليًا سئل عن رجل من أهل الشام وجد مع امرأته رجلًا فقتله، فقال الإمام علي إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته؛ أي يسلم إلى أولياء المقتول لقتله قصاصًا أو قبول الدية (٦(
وقال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين )ليس إلى أحاد الرعية إلا الدفع وهو إزالة المنكر فما زاد على ذلك فهو عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية) (۷(.
فالمتفق عليه أنه إذا كان الجاني متلبسًا بالجريمة فيمنعه أي شخص بالقوة، وذلك دون أن يتجاوز حدود منع الجريمة، وبعد ارتكاب الجريمة فلا يملك العقاب إلا الحاكم (8).
2- فليس من صلاحية كل فرد أن يقيم الحد على أحد من الناس، ولا يقتل الناس بعضهم بعضًا متذرعين بإقامة الحدود، فالقاعدة ألا يخول أ الإنسان استيفاء حقه بنفسه (۹) فإن كان الحق من حقوق الله كقتل المرتد، فليس من حق الفرد أن يتولاه من نفسه.
3 - إن المرتد لا يُقتل إلا بعد أن يقوم الحاكم بنفسه أو عن طريق من يخصصهم باستتابته «فالجمهور قالوا: يستتاب فإن تاب أعفي من القتل وإلا قتل، واحتجوا برواية أبي داود لقصة معاذ بما رواه الشافعي أنه قدم على أمير المؤمنين رجل من قبل أبي موسى من اليمن فسأله عن الناس، فأخبره قال كفر رجل بعد إسلامه، قال فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض (١٠).
وقد نقل ابن بطال عن أمير المؤمنين علي أن المرتد يستتاب شهرًا، وعن النخعي يستتاب أبدًا، بينما يقرر الجمهور أن الاستتابة ما بين يوم أو ثلاثة أيام على تنوع بينهم (١١).
هذا وقال الشوكاني: النص في موضع النزاع هو حديث معاذ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها، قال الحافظ: سنده حسن، فالدعوة هي الاستتابة.
4- أما الخلاف في أمر الزنديق هل يستتاب أم لا؟ فقد حسمه المحققون من الفقهاء. والزنديق: اسم فارسي يطلق على من يقول بدوام الدهر، وتطلقه العامة من العرب على الملحد، قال الحافظ والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك، وكانوا يقولون: إن النور والظلمة أصل العالم، وقد حدث منهما، هذا وقال مزدك بشيوعية المال والجنس حتى ظهر الإسلام، فلم تجد هذه الخفافيش ظلمًا أو ظلامًا تعيش فيه.
وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة والشافعي ومحمد أن تقبل توبة الزنديق لعموم قول الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَنْتَهُوْا يُغْفَرُ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (سورة الأنفال: ۳۸) (۱۲).
وقد أورد الشوكاني أن الاستدلال بعدم استتابة المرتد يستند إلى حديث ابن عباس
مرفوعًا: «من خالف دين الإسلام فاضربوا عنقه وقال بعد ذلك: إن بعض طرق الحديث فيها أن أمير المؤمنين عليًا استتابهم كما في الفتح، وأورد النوري رأي الأئمة الأربعة والجمهور أن يستتاب) ۱۳(
هذا والأصل أن حديث النبي ﷺ إلى معاذ تضمن الاستتابة، وبالتالي فعموم الأحاديث الأخرى ومنها حديث «من بدل دينه فاقتلوه» (رواه مسلم والبخاري).
هذا العموم يخصصه حديث معاذ الذي أوجب الاستتابة.
استحلال الأموال
إن حجة البعض في استحلال الأموال هي أن المجتمع غير إسلامي، ويجب تحويله إلى مجتمع إسلامي، والسبيل إلى ذلك هو أخذ المال من أيدي هؤلاء الكفار (١٤).
وحجة كبيرهم (١٥) الذي سبقهم إلى هذا التأويل الفاسد أن الله -تعالى- قد أباح تحطيم المجتمع المعادي بقوله -تعالي-: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّه﴾ (سورة الحشر: ٥).
إن هؤلاء الشباب يفسرون القرآن والسنة النبوية حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم، وفيما يلي القول الفصل في ذلك.
1-روى البخاري أن المغيرة بن شعبة أقبل ليعلن إسلامه، فأخبر النبي ﷺ أنه كان له أصحاب يعادون الإسلام والمسلمين، وأنه قبل أن يدخل الإسلام في قلبه قتل من هؤلاء وأخذ أموالهم فكان حكم النبي ﷺ هو قوله: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» (١٦).
2- إنه على الرغم من أن كفار مكة قد استباحوا أموال من أسلموا مع النبي ﷺ واستولوا على أموال صهيب الرومي وغيره ممن شرعوا في الهجرة إلى المدينة، إلا أن النبي ﷺ لم يعاملهم بالمثل؛ فبعد هجرة أصحابه واستيلاء كفار مكة على أموالهم، هاجر ﷺ بعد أن كلف علي بن أبي طالب أن يمكث في بيت النبي ﷺ ثلاثة أيام حتى يؤدي الأمانات التي أودعها كفار مكة عنده ﷺ (١٧) ولم يعاملهم بالمثل.
3- لقد قتل يهود خيبر أحد الصحابة وهو عبد الله بن سهل حيث وجده المسلمون مقتولًا في حصون اليهود بخيبر، وألقوه في بئر لهم، فكتب الرسول ﷺ إلى اليهود ليحاكمهم إلى تعهداتهم بالوثيقة التي ارتضوها فأنكروا أنهم قتلوه، فلم يأخذهم النبي ﷺ بهذه القرينة، وتولى دفع الدية الشرعية إلى أولياء المقتول، كما لم يلزم اليهود بهذه الدية وهي مائة بعير (۱۸).
يقول ابن حزم في ذلك: ووجد أصحابه قتيلًا من خيارهم وفضلاء أصحابه، بهذه البلاد العظيمة، فقد مثله فلم يقتص له من أجله على أعدائه اليهود الذين وجدوه مقتولًا بينهم، بل وداه مائة ناقة من صدقات المسلمين، وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به.
4- لقد خان يهود خيبر عهدهم مع النبي ﷺ واتفقوا مع قريش وغيرها على جمع جيش كبير يغزو المدينة وينهي وجود المسلمين بها.
فكانت غزوة خيبر التي أكدت حرص النبي ﷺ على تحريم أموال الناس جميعًا وحتى لو كانوا محاربين، فقد أسلم أحد رعاة الغنم أثناء حصار المسلمين الحصون خيبر، وكان أجيرًا ليهودي يحرس له الغنم، ولما أسلم كانت غنم اليهودي مع هذا، فظل يدفعها حتى دخلت حصن اليهودي.
الهوامش
تاريخ الطبري ج ٤ ص ٢٤٣.
البخاري في الديات (6۸۷۸)، ومسلم في القسامة (١٦٧٦)، وأبو داود في الحدود (٤٣٥٢)، والترمذي في الديات (١٤٠٢)، والنسائي في القسامة (٤٧٢١). وابن ماجه في الحدود (٢٥٣٤)، وأحمد (1/382).
سُنن الله الثابتة في منهج الحركة الإسلامية ص ٢٥ .
دعاة لا قضاة ص ١٦٣ .
مسلم في اللعان (1498/15).
الموطأ ج ۲ ص ۲۳۸ .
إحياء علوم الدين ج ۲ ص ۲۹۱ .
التشريع الجنائي للشهيد عبد القادر عودة ج 1 ص ٥١١ والطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٥٦ وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج1 ص ١٧٦ .
الشرح الكبير للشيخ الدرديري ص۲۳۰، والتشريع الجنائي للشهيد عبد القادر عودة ص ١٤٩.
المنافقون وشعب النفاق للأستاذ حسن عبد الغني ص ۲۹۸.
السابق ص ۲۹۹، ونيل الأوطار ج۸ ص ۸.
السابق ص ۲۹۹ .
نيل الأوطار للشوكاني ج۸ ص ٥. واللوامع الدراري جامع البخاري ج ۱۰ ص ۲۲۰.
من أقوال عادل عبد الباقي التي بثها التلفاز ونشرتها جريدة القبس الصادرة في الكويت يوم29/3/1994م.
هذا الرأي سمعه المؤلف من إمامهم شكري مصطفى أثناء حواره معه في أكتوبر ١٩٦٨م.
صحيح البخاري ج ۲ ص ١٢٠ .
السيرة النبوية لابن هشام ج ص ٤٩٣.
صحيح البخاري ج ٤ ص ۱۹۲، والموطأ للإمام مالك ص ٥٤٦ .