العنوان نزار قباني.... والحرب على العقيدة والشريعة
الكاتب سعيد بن ناصر الغامدي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 19-مايو-1998
■ كان نزار عدوًا وخصمًا عنيدًا لعقيدة الإسلام وشريعته لا عن غفلة وسهو وزلة وفلتة، ولكن عن إصرار مسبق وقصد مبرمج
■ إلى الذين مدحوا نزارًا أو بكوه: لو أن الشتائم التي أطلقها على الله تعالى ودينه وأنبيائه صدر مثلها لأحدكم.... هل كان يقبل ذلك!!؟
في خضم البكائيات المنصبة كثرة، وتكرارًا مملًا على موت نزار قباني، وفي خضم المدائح الهائمة. بلا حساب على من اسموه «شاعر المرأة» و«شاعر الأمة العربية» لابد من وقفة صادقة ومتوازنة ترى من خلالها الشق الأهم في حياة وشعر وأقوال نزار قباني لترى هل هذه البكائيات والمدائح في مكانها الصحيح؟ أم أن هناك قصورًا قد حصل في حق هذا الرجل؟ أم أن هذه الكتابات المسترسلة رثاء أو مدحًا قد أغرقت وتجاوزت الحدود وتخلت عن الشرط الاعتقادي الأساسي الضروري لكل مدح أوقدح أو رثاء أو إشادة؟
وقبل الدخول إلى تفاصيل هذه القضية المهمة، لابد من بيان أن كل أمة لها جذورها المعرفية وقواعدها الاعتقادية، ومنطلقاتها التاريخية وأصولها الأخلاقية، ويعتبر الخارج عن هذه القضايا والمستدير لها خائنًا لأمته هادمًا لطموحاتها ساعيًا في الإضرار بها.
ولنضرب على هذا مثالًا جدليًا، لو أن يهوديًا له قدرة كتابية أو خطابية متميزة، ثم سخر هذه القدرة للسخرية من دين اليهود، ومن تاريخهم وأنبيائهم، ماذا سيكون موقف اليهود حكومة ومنظمات وتجمعات وإعلامًا وأفرادًا من هذا الرجل؟ لاشك أن الإجابة معلومة ومعروفة، وهذا مثال ينطبق على جميع الأمم الحية، أو التي تريد الحياة، حتى أمريكا التي تعتبر عند البعض قمة القمم وسيدة التحرر والديمقراطية -كما يقال- فيها خطوط حمراء لا يسمح لأحد بالاقتراب منها، بل فيها نظم محددة وقواعد معينة تجعل الفرد ينسبك ضمن خط عام ليس لأحد الخروج عنه، وإلا لفظته الحياة الأمريكية، نظامًا وشعبًا، وأقرب دليل على ذلك أنه لم يقم أي حزب شيوعي في أمريكا حتى اليوم!! وإن وجد أفراد اعتنقوا الماركسية إلا أنهم
قلة وتحت مجهر الرصد والمراقبة، ولما أصبح «الدفاع عن السامية» عقيدة في الغرب أضحى كل من يكشف معايب اليهود وألاعيبهم، ومكرهم معرضًا لسلطة القضاء وسطوة الإعلام.
إذن فهناك حمى لكل أمة لا تسمح لأحد أن يحوم حوله أو يرتع فيه، كما أن ذلك لكل نظام ودولة، ولولا ذلك لتساوى عند الناس الخائن لأمته مع الأمين، والهادم لها مع الباني لمجدها. والمحطم لأسسها وقواعد وجودها مع الحامي لذلك، ولاستوى الجاسوس الذي يكشف أخبارها لأعدائها، مع الحارس الأمين على مصالحها، ولولا ذلك لما سمعنا في الدنيا شيئًا اسمه الخيانة الكبرى.
وإذا نظرنا إلى حمى هذه الأمة وأساس مجدها وعزتها. ومنطلق سؤددها وكرامتها فإننا لا نجد سوى «دين الإسلام» عقيدة وشريعة وشعيرة وأخلاقًا الذي من خالفه أو سعى في تشويهه فإنه يعد ممارسًا للخيانة العظمى لهذه الأمة، فضلًا عمن يسعى في هدم هذه الأسس وتقويض هذه القواعد ولا يجادل في ذلك إلا جاهل بحقيقة هذه الأمة، أو مهزوم قد غرس الأعداء في قلبه بذور الشك والانحراف والتبعية. وإذا نظرنا إلى نزار قباني وموقفه من عقيدة الإسلام وشريعته، وما يتفرع عنها، فإننا نجد فيه عدوًا لدودًا وخصمًا عنيدًا لا عن غفلة وسهو وزلة وفلتة، ولكن عن إصرار مسبق وقصد مبرمج .
وإن أول وأعظم ركن في الإسلام هو «الإيمان بالله تعالى» بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهو أصل الأصول وقاعدة القواعد في هذا الدين الحنيف، ثم تليه الأركان الخمسة الباقية. الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وبالقضاء والقدر فما موقف نزار قباني من أركان الإيمان هذه؟
هذا ما سوف نبين بعضه في هذه العجالة التوضيحية للسادرين في الغيبوبة الفكرية ممن ضعف في نفوسهم احترام هذا الدين أو هزل في قلوبهم إجلاله وتقديسه، أما الذين قد انحطوا إلى دركات معاداة الدين أو عدم المبالاة به، فهم من صنف آخر فاسد الفكر والمزاج ليس له في المناقشة والحوار علاج وسوف أوضح مواقف نزار قباني من خلال أقواله التي مات ولم يتراجع عنها، بدليل الطبعات الجديدة من دواوينه والصادرة من الدار والمسماة باسمه:
في قضية «الإيمان بالله تعالى» التي هي أهم قضية وأعظم ركن نجد في شعره السب الصريح لله تعالى والتهكم والاستخفاف بل النفي لوجوده تعالى، والتفوه بما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا، فمن ذلك قوله: «من بعد موت الله مشنوقًا على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة » الأعمال الشعرية الكاملة .٣/٣٤٢
وقضية «قتل الألوهية» أو «قتل الله» تعالى عما يقولون أصل حداثي كبير استعاره المحاكون العرب من أساتذتهم الملاحدة في الغرب.
وقد يتذرع المترددون والملتاثون من أبناء المسلمين بذرائع خادعة منها أن الأدب والفن لا يخضعان لموازين الحلال والحرام.
هذا عند من يقر منهم علنًا بأن في الإسلام حلالًا وحرامًا. ومقدسات وحدودًا يجب أن تصان وتحترم، أما من ينفي الإسلام كله ويرفض أن يكون هناك حلال أو حرام فلا ريب أنه في شطط من كفره وإلحاده أشد وأعتى من سابقه، ومن اعتقادات نزار قباني الشنيعة قوله «من أين يأتي الشعر ياقرطاجة. والله مات وعادت الأنصاب» المصدر نفسه3/637
ويعلن نزار قباني نفيه للإيمان، متوشحًا رداء العدمية والوجودية، ومعترفًا بالكفر والإلحاد، وكأنه يعترف بالفضيلة والصلاح، فيقول في سياق مخاطباته الغرامية: «ماذا تشعرين الآن؟
هل ضيعت إيمانك مثلي بجميع الآلهة» المصدر نفسه 2/338، 33/60
ومن ألوان تهكمه وسخريته بالعبادة لله، وامتداحه للكفر والإلحاد قوله «بالطعم الثلج وطعم النار
ونكهة كفري ويقيني» المصدر نفسه 2/ 39.
وقوله: «ماذا أعطيك أجيبي، قلقي إلحادي غثياني، ماذا أعطيك سوى قدر يرقص في كف الشيطان» المصدر نفسه1/406
وقوله «فاعذروني أيها السادة إن كنت كفرت» المصدر نفسه 3/277
ومن عقائده الأساسية سخريته بالعبادة لله تعالى، وبالطرق التي توصل إليها، ووصفه للمسلمين رواد المساجد بالتنبلة وهي البطالة، واستهزاؤه بالدعاء، وذلك في قوله «نقعد في الجوامع، تنابلًا كسالى، نشطر الأبيات أو نؤلف الأمثال، ونشحذ النصر على عدونا من عنده تعالى» المصدر نفسه 3/89 إن سعيه لإلغاء الألوهية، وتدنيس مقام الرب تعالى مقدمة لكل تلك الإباحيات الجنسية التي غرق في مستنقعها هذا الشاعر، وهي متصلة السبب بمزدك والقرامطة حتى الشيوعية والوجودية، يقول منير العكش في مقابلة أجراها مع نزار ونقلها في كتابه أسئلة الشعر من ١٩٦:
«والألوهية، هذه القصيدة التي مسخها المجسدون، كيف تناجيها أو تقيم حوارًا معها» والسؤال يضج بالانحراف والضلال، والإجابة من نزار أشد وأشنع حيث يقول: إن الله عندي هو دبيب شعري، وإيقاع صوفي في داخلي، والشعور الديني لدي هو شعور شعري والكفر عندي هو موت صورة الله، القصيدة في أعماقي، ثم يسأله منير العكش قائلًا: وإذن كيف يقيم إيقاع الشعر وإيقاع الدين حوارًا نغميًا في سيمفونية واحدة، ويجيب مزار قائلًا: «كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي .... كل شيء يتحول إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا والسرير يصير مديحًا وغرفة اعتراف والغريب أنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة، أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفي سوى محاولة لإعطاء الله مدلولًا جنسيًا؟»
أسئلة الشعر ص ١٩٦م.
لقد بلغ هذا القول من الانحراف والضلال ما لم يبلغه أهل الجاهلية الأولى، وانحط قائله في أودية الضلال والإضلال بما لم يسبق له نظير فالشعر عنده معبود، وكل كلمة فيه تتحول إلى طقس عبادي والشعر ديانة، والجنس ديانة.
وفي كلام نزار الكثير من هذه القواصم التي تدل بوضوح على أن صاحبها اتخذ هذا الارتكاس منهجًا يسير عليه، وينادي إليه، فهو مع نفيه لوجود الله، ومحاربته للألوهية، يعلن عبادته لغير الله، وبخاصة للجنس الذي اعترف بأنه ديانة، يقول نزار تحت عنوان «نهداك»:
«صنمان عاجيان قد ماجا ببحر مضرم
صنمان إني أعبد الأصنام رغم تأثمي» الأعمال الشعرية ١/ ٦٩
ويقول: « شيدت للحب الأنيق معابدًا وسقطت مقتولًا أمام معابدي» المصدر نفسه 1/482
ويقول في إحدى معشوقاته: «إنني أعبد عينيك فلا تنبئي الليل بهذا الخبر» المصدر نفسه ١/٢٦٦
ويقول: « وشجعت نهديك فاستكبرا، على الله حتى فلم يسجدا» المصدر نفسه 1/25
ويعترف بنرجسية استكبارية متعالية وبوجودية فاصلة فيقول «مارست ألف عبادة وعبادة . فوجدت أفضلها عبادة ذاتي» المصدر نفسه ١/٢٦٦
ويقول: «هذا الهوى ضوء بداخلنا ورفيقنا، ورفيق نجوانا.. طفل نداريه ونعبده، مهما بكي معنا وأبكانا»المصدر نفسه 1/488
ومن أقواله في التعبد لغير الله: «حبك يا عميقة العينين. تطرف، تصوف، عبادة » المصدر نفسه 1/746
ويقول: «هل تعرفين؟ لماذا أستميت في عبادة شعرك» المصدر نفسه 2/432
إن المتامل في مضامين شعر نزار يجد أن تحقير درجة الربوبية والألوهية من المقاصد الأساسية في شعره، ومن الطرق المنهجية في فكرة وأمثلة ذلك كثيرة منها قوله: «امرأة ناهية كالرب في السماء »1/523
ويقول:«أريد البحث عن وطن، ورب لا يطاردني» المصدر نفسه1 /597
ويقول « ما دمت ياعصفورتي حبيبتي إذن فإن الله في السماء» المصدر نفسه1 /737
ويقول مخاطبًا محبوبته، وأنه حين يحبها «يكون الله سعيدًا في حجرته القمرية» المصدر نفسه 2/188
ويقول عن إحدى عشيقاته «حين وزع الله النساء على الرجال، وأعطاني إياك شعرت أنه انحاز بصورة مكشوفة إليَّ وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها، فأعطاني النبيذ وأعطاهم الحنطة ألبسني الحرير وألبسهم القطن أهدى إليَّ الوردة وأهداهم الغصن، حين عرَّفني الله عليك ذهب إلى بيته فكرت أن أكتب له رسالة على ورق أزرق، وأضعها في مغلف أزرق واغسلها بالدمع الأزرق أبدأها بعبارة يا صديقي كنت أريد أن أشكره لأنه اختارك لي .. فالله –كما قالوا لي- لا يستلم إلا رسائل الحب، ولا يجاوب إلا عليها، حين استلمت مكافأتي ورجعت أحملك على راحة يدي كزهرة مانوليا بست يد الله وبست القمر والكواكب واحدًا واحدًا» المصدر نفسه 2/404 هكذا يتحدث نزار عن الله سبحانه وتعالى ويصفه بأبشع وأشنع الأوصاف - ترى ماذا سيقول المادحون لنزار والبا كون عليه، والذين يخاصمون عن الذين يختانون أنفسهم؟
ومن شناعاته قوله «لأنني أحبك، يحدث شيء غير عادي في تقاليد السماء، يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب ويتزوج الله حبيبته» المصدر نفسه 2/442
وفي مقابل هذا التلويث المقصود لمقام الله عز وجل نجده يضفي صفات الألوهية على أشياء حقيرة قارنًا بين الاستخفاف بلفظ الألوهية تأليه غير الله تعالى يقول:
«في شكل وجهك اقرأ
شكل الإله الجميل» المصدر نفسه 1/30 ويخاطب عشيقته قائلًا: «فاليوم أخلق منك إلهًا
وأجعل نهدك قطعة جوهر» المصدر نفسه 1/470
ويجعل من نفسه محاميًا عن المرأة ضد الرجل ليشبع نزواته ويدغدغ شهوات المراهقين والمراهقات والمتخلفين فكريًا، يقول على لسان امرأة تتحدث عن الرجل:«إله في معابدنا نصليه ونبتهل، يغازلنا وحين يجوع يأكلنا... إله لا نقاومه يعذبنا ونحتمل، إله ما له عمر إله اسمه الرجل» المصدر نفسه ۱/ 631
فهو يستخدم لفظ الإله استخدامًا استطراقيًّا بقصد الخفض من مكانة هذا اللفظ والحط من جلاله يقول: «إنني على الورق امتلك حرية، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب ويتلذذ باصطدام حروفه بهم؟ إن الكتب المقدسة جميعًا ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، وإلا حكم الله على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة الله في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر هي من أطراف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى الناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر» أسئلة الشعر ۱۷۸
ومن أساليبه المتعجرفة المساواة بين الله والشعر والمجاهرة بالمضادة لله تعالى، حيث يقول «الآن عرفنا أنا كنا ضد الله وضد الشعر» 3/583
ويجعل الله -تعالى الله وتقدس- جاهلًا محتاجًا فيقول «الله يفتش في خارطة الجنة عن لبنان» المصدر 2/423- 3/587
ويصف الله -تعالى وتقدس- بالجهل وعدم المعرفة بالإنسان وقلبه وعواطفه، وذلك في قوله «..القلب الإنساني قمقم رماه الله على شاطئ هذه الأرض، وأعتقد أن الله نفسه لا يعرف محتوى هذا القمقم، ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت» أسئلة الشعر ١٩٥
ويصف الله تعالى بأنه دبيب شعري وإيقاع فيقول: «إن الله عندي هو ... دبيب شعري وإيقاع صوفي داخلي» المصدر نفسه ١٩٦
ويصف الله تعالى بالغرور، فيقول: «عندي أنا لؤلؤة أين غرور الله من غروري» المصدر نفسه 1/426 وفي قصيدة له على لسان لعوب يقول: «على أقدام مومسة هنا دفنت ثاراتك ضيعت القدس، بعت الله بعت رماد أمواتك» المصدر نفسه 1/448 و 3/ - 67- 66 ويصف الله جل وعلا بالملل الذي يصيب الإنسان فيقول: «وحاولي مرة أن تفهمي مللي، قد يعرف الله في فردوسه الملا» المصدر نفسه 1/751 ويجعل لله عمرًا -تعالى الله وتقدس- ويقرنه بعمر البحور ليقول «عمر حزني، مثل عمر الله، أو عمر البحور» المصدر نفسه 1/751
ويقرن بيروت بالله تعالى، ويجعل الحب فيها مثل الله - تعالى ، ويصف الله بأنه في كل مكان كما يقول بذلك أهل وحدة الوجود فيقول « قدري أنت إلى أين، فإن الحب في بيروت مثل الله في كل مكان» المصدر نفسه ٢/٢٣
وعلى طريقته القبانية الحمراء، يجعل الله تعالى شاهدًا وحيدًا على ممارساته الغرامية، ولاشك أن الله مطلع على كل ما يعمل الخلق، إلا إنه يسوق هذا الأمر في سياق تنقصي تدنيسي واضح يقول:
«في هذه الغرفة الزجاجية المتدحرجة على الغيم كفندق صغير، وأن يكون شاهد عرسنا الوحيد هو الله» المصدر نفسه ٢/٦٨٤ وفي سياق ذكره لإباحيته وامتهانه للمرأة وجعلها مجرد إناء للشهوة والجنس، يذكر بعد ذلك أنه في معاشرته لخدينته اكتشف وجه الله تعالى. وهو تدنيس مقصود واستنقاص مراد، وتهكم واضح بالله - جل وعلا- يقول: «كان عندي قبلك قبيلة من النساء. أنتقي فيها ما أريد، وأعتق ما أريد... وحين ضربني حبك على غير انتظار، شبت النيران في خيمتي
وسقطت جميع أظافري، وأطلقت سراح محظياتي، واكتشفت وجه الله» المصدر نفسه ٢/٥٠٤ - ٥٠٥
وإمعانًا في الازدراء والاحتقار لعظمة الله وعزته وقداسته يقول: «فلا تسافري مرة أخرى، لأن الله منذ رحلت دخل في نوبة بكاء عصبية
أضرب عن الطعام» المصدر نفسه ٢/٥٦٢
ويقول: «ساعتنا واقفة، لا الله يأتينا ولا موزع البريد، من سنة العشرين حتى سنة السبعين» المصدر نفسه ٢/٦٤٨
ويأبي نزار إلا التفنن في إلقاء الشتائم والنقائص على الله العظيم الجليل فيقول: «ولماذا نكتب الشعر وقد نسي الله الكلام العربي»
المصدر نفسه ٢/٦٤٨
هذا فيما يتعلق بالألوهية والعبادة، أما فيما يتعلق بالربوبية، فإنه قد غاص في حوض الجحد والشك الآسن، مرة ينفي ربوبية الله تعالى وأخرى بنسبة الربوبية إلى غيره، وثالثة يرفع ذاته الحقيرة إلى درجة الربوبية.
فمن ذلك بث الشك في ربوبية الله تعالى كما في قوله: «يا إلهي، إن تكن ربًا حقيقيًا فدعنا عاشقينا» المصدر نفسه ٢/٦٥
ومن ذلك توسيع دائرة الارتياب والعداء لدين الله والمحاربة لكل ما يمت إليه بصلة، واعتبار ذلك من أهم مشاريع وإنجازات الحداثة والتنوير
والتقدم يقول نزار:
«حين يصير الدمع في مدينة أكبر من مساحة الأجفان، يسقط كل شيء الشمس والنجوم والجبال والوديان والليل والنهار والشطآن، والله
والإنسان، حين تصير خوذة، كالرب في السماء، تصنع بالعباد ما تشاء. تمعسهم تهرسهم تميتهم تبعثهم. تصنع بالعباد ما تشاء» الأعمال
السياسية ٣/١٠٥
ولا ينسى نرجسيته وكبره الذي يصدق فيه قول الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (يس: ٧٧)،
فيصف نفسه بالربوبية قائلاً «لا تخجلي مني فهذي فرصتي لأكون ربًا أو أكون رسولًا» المصدر نفسه ٢/٧٦١ وكيف لا يكون كذلك ومن سلالة أب متصف - حسب قوله - بالربوبية.
يقول: «أمات أبوك؟ ضلال أنا لا يموت أبي، ففي البيت منه روائح رب وذكرى نبي» الصدر نفسه ١/٣٥٤
ويقول: «لا أحد يقدر أن يغادر المكان يشتري جريدة أو كعكة، أو قطعة صغرى من اللبان، لربه، لا أحد يقدر أن يقول يا رباه لا أحد» المصدر نفسه ٣/٢٩٣
ويسعى في تدنيس أسماء الله تعالى وصفاته ويلصقها بأشياء حقيرة تهوينًا من شأنها، وترسيخًا للمبدأ المستقر عنده نحو الدين والإيمان ومن أمثلة ذلك قوله: «ونهدك هذا المليء المضيء الجريء العزيز القدير» المصدر نفسه ٢/٨٢٠
هذه شواهد قليلة من كثير جدًا أترعت به صفحات دواوين نزار قبانی وكتبه ولو ذهبت أستقصي سائر انحرافاته الاعتقادية في أركان الإيمان والإسلام لاحتاج الأمر إلى حيز أوسع من هذا المقال، وقد ألقى في كل قضية من قضايا الإسلام والإيمان الكبرى ما يدل صراحة وبلا أدنى شك على موقفه الحقيقي من الدين الإسلامي كله وأقواله الشنيعة في النبوة والأنبياء عليهم السلام، وفي محمد ﷺ خاصة، وفي الكتب المنزلة والوحي والقرآن خاصة وفي اليوم الآخر وقضاياه، وفي القدر ومسائله كثيرة مثيرة كلها تدور في دائرة الجحد والرد لها أو التشكيك والارتياب فيها، أو التهكم والسخرية بها، والشواهد حاضرة الآن بين يدي، ولكن المقام لا يتسع لذكرها، وفيما ذكرته ونقلته عن أعظم ركن في الدين وهو الإيمان بالله تعالى ما يدل على الباقي، ويكفيك من شر سماعه.
فهل بعد هذا الرفض والجحد والرد والشتم والسباب من عذر المسلم يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا أن يشيد بهذا الرجل أو يرثيه
ويبكيه أو يترحم عليه ؟!!
ومع كل هذه السوءات الفكرية العارية والماديات الصلعاء البلهاء، تجد من الحداثيين والإمعات التابعين لهم والمدافعين عنهم من يشيد ويمتدح
صاحب هذه العقائد، تحت شعارات التحديث والجمال الفني والإبداع.
إن من عبث الكلمات والتلاعب بالمصطلحات والمفاهيم والغبش في المضامين أن يمتدح المستهزئ بالله والساخر من دينه، فإذا قال غيور على دين الله لم هذا؟ قالوا: نثني على جماليات أدبية وتراكيب شعرية إبداعية، وغنائيات فنية، وثقافة واسعة، إلى غير ذلك من العبارات التي تسوق الانحدار وتمتدح أهله، وتحت عبارات خاوية أصبحت بوقًا للدعاية، ومطية للنوايا السيئة والعقائد الخبيثة، ومستنقعًا آسنًا يغر الجهلة الذين لا يعرفون عقيدة الولاء والبراء.
فليس الإبداع أو الجمال الفني أو الثقافة الواسعة، أو التجديد، ليست هذه خيرًا لذاتها، وليست دليلًا على العبقرية والعقل، لأن الذي يبدع أو يأتي بالجميل من الفن أو يطلع على الكثير من الثقافات ليس ممدوحًا محمودًا لذاته، بل إن كان إبداعه وجمالياته واطلاعه في وجه الحق ومن أجل الحق والخير والفضيلة والإيمان والتوحيد أساس كل ذلك، قهر محمود، وإن كان ما يصدر عنه في ضفة الباطل والشر والرذيلة والجاهلية.
فهو مذموم مخذول، ولا يساوي في ميزان الله ولا في ميزان المؤمنين به جناح بعوضة، ولو طار خبره في الآفاق، واعتلى عرش رأس الطواغيت
وها هنا سؤال أخير أطرحه على جميع الذين مدحوا نزار قباني أو بكوه، لو أن هذه الشتائم التي أطلقها على الله تعالى وعلى دينه وأنبيائه صدر مثلها لأحدكم، هل سيقبل ذلك؟
لو أن شاعرًا مبدعًا- كما يقولون- قال قصيدة جميلة التركيب، فنية
الشكل، ذات مضمون هجائي لأحدكم، كأن يقول بأن فلانًا خنزير، أو نجس أو أن في عرضه كذا وكذا، هل سينبري هذا المشتوم إلى امتداح جماليات هذه القصيدة وفنياتها، أم أنه سيغضب لما ناله من أذى؟
أليس الله تعالى أحق أن تغضب له؟ ثم أليس دينه وأنبياؤه وكتبه وأخباره وشريعته أولى أن تكون لها الغيرة في قلوبنا؟ فإذا لم تستطيعوا أيها المادحون والباكون على نزار أن تقولوا الحق، فلا عذر لكم في قول الباطل، والمجادلة عن أصحابه بزخرف من القول، وأوهام ذات خبيثة خاوية.