; المفاوضات العربية اليهودية: هل تستطيع صنع السلام في الشرق الأوسط؟ | مجلة المجتمع

العنوان المفاوضات العربية اليهودية: هل تستطيع صنع السلام في الشرق الأوسط؟

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 53

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 12

الأحد 15-مارس-1992

1- مقدمة

بالرغم من أن المنطقة بكاملها مشغولة بالقضية الفلسطينية، وبالعدوان الإسرائيلي المستمر الذي لم يعد مقتصرًا على أجزاء من فلسطين حددتها الأمم المتحدة عام 1949 لتقيم عليها إسرائيل دولتها، بل امتد ليشمل كامل فلسطين وجزءًا من الأردن وأجزاء من لبنان وسوريا، وبالرغم من الحروب اليومية التي تشنها إسرائيل على هذا الجانب أو ذاك، والقتل وسفك الدماء والدمار الذي تخلفه في أوساط الشعب الفلسطيني واللبناني، ومع ذلك ونتيجة للسياسة الارتجالية التي يمارسها العالم العربي منذ حوالي نصف قرن من الزمان، فإن فكرة الصراع اليهودي-الإسلامي ما زالت شبه غائمة، وقليلون من أبناء جيلنا من يتصور القضية في كامل أبعادها، الأمر الذي يقتضي أن نضع بعض المعالم من أجل القضية.

 

في عام 1897: عُقد مؤتمر بازل بسويسرا برئاسة تيودور هرتزل، وعندما سُئل عن المؤتمر قال: لقد أقمنا دولة إسرائيل.

 

في عام 1917: أصدرت بريطانيا وعد بلفور لتمنح أرض فلسطين لليهود ليقيموا عليها دولتهم اليهودية.

 

في عام 1947: أوصت الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين: فلسطينية ويهودية.

 

في عام 1948: أعلن اليهود دولتهم وضمّت إسرائيل مناطق شاسعة زيادة على المنطقة التي حددتها لها الأمم المتحدة. وبقيت الضفة الغربية «تحت الإدارة الأردنية» وقطاع غزة «تحت الإدارة المصرية».

 

في عام 1956: شنت إسرائيل بالتعاون مع فرنسا وإنكلترا حربها الثانية ضد العرب، احتلت بموجبها قطاع غزة وسيناء وعندما اضطرت للانسحاب بقيت سيناء منزوعة السلاح. وفتحت الملاحة أمام إسرائيل تحت حماية قوات الأمم المتحدة.

 

في عام 1967: شنت إسرائيل حربها الثالثة ضد العرب فاحتلت كامل سيناء وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وكامل الضفة الغربية.

 

في عام 1969: سيطرت حركة فتح التي تأسست عام 1964، على منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت بموجب قرار من الجامعة العربية الممثل الشرعي للقضية الفلسطينية.

 

في عام 1973: قامت الحرب الرابعة بين مصر وسوريا من جانب وإسرائيل من جانب آخر.

 

في عام 1977: ذهب الرئيس المصري إلى إسرائيل وفي عام 1978 وقعت مصر وإسرائيل معاهدة كامب ديفيد، وفي عام 1979 استعادت مصر شبه جزيرة سيناء، وتركت قطاع غزة والقضية الفلسطينية للتسلط الإسرائيلي.

 

في عام 1982: إسرائيل تغزو لبنان وتحاصر بيروت ويضطر المقاتلون الفلسطينيون إلى مغادرة لبنان.

 

في عام 1982: في نوفمبر، تعترف الجامعة العربية في مؤتمرها المنعقد في فاس ضمنيًّا بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد حرب 1967.

 

ديسمبر 1987: اندلعت الانتفاضة المباركة.

 

نوفمبر 1988: المجلس الوطني الفلسطيني يعلن قيام دولة فلسطين ويعترف ضمنيًّا بإسرائيل.

 

أغسطس 90: العراق يحتل الكويت.

 

مارس 1991: الرئيس الأمريكي بوش يدعو إلى حل النزاع العربي-الإسرائيلي.

 

30 أكتوبر 91: يُعقد مؤتمر السلام أولى جلساته في مدريد.

 

2- مؤتمر مدريد للسلام

بعد ثماني جولات مكوكية قام بها وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، تم الاتفاق على عقد مؤتمر مدريد للسلام في 30 تشرين الأول «أكتوبر» 1991. وأكدت الأوساط الأمريكية أن هدف المؤتمر سيكون سلامًا حقيقيًّا ومصالحة بين إسرائيل من جهة والدول العربية والفلسطينيين من جهة أخرى.

وقال: إن المفاوضات على ترتيبات الحكم الذاتي المؤقتة ستُجرى بهدف إنجازها خلال عام واحد، وإن مرحلة الحكم الذاتي الانتقالية ستستغرق 5 سنوات، وستبدأ في مطلع السنة الثالثة المفاوضات على الوضع النهائي للأراضي المحتلة.

افتتح المؤتمر الرئيسان بوش وغورباتشوف وحضرته 9 أطراف هي: أمريكا والاتحاد السوفيتي وإسرائيل ومصر والوفد الأردني-الفلسطيني وسوريا ولبنان والمجموعة الأوروبية ومجلس التعاون الخليجي، وتم تمثيل الأمم المتحدة بمراقب صامت. وقبل المضي مع مؤتمر مدريد والجولات التالية التي أُجريت في واشنطن والمؤتمر الإقليمي الذي عُقد في موسكو، يستحسن بنا أن نحدد بعض المفاهيم والمواقف لكل طرف من الأطراف حتى نكون على بينة من أمرنا.

 

3- مفهوم الليكود للسلام

لخص إسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل وزعيم حركة الليكود مفهومه للسلام فقال:

إن إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر هي عقيدتي وحلمي شخصيًّا، وإنه بدون هذا الكيان لن تكتمل الهجرة ولا الصعود إلى أرض الميعاد ولا أمن الإسرائيليين وسلامتهم. هذا باختصار مفهوم الليكود للسلام، وكل ما عدا ذلك فتمييع للمواقف وكسب للوقت وتعطيل لكل سلام من أي نوع كان.

ويحاول الليكود أن يصبغ هذا النوع من السلام الإسرائيلي بصبغة توراتية، فهذه هي أرض الميعاد التي وعد بها الرب نسل إبراهيم أبناء إسحق، وهو يناشد في ندائه هذا بطريقة مباشرة البروتستانتية خصوصًا في الولايات المتحدة ليقول: إن إسرائيل التوراتية المسألة تتعرض لإجبارها على التعرض لمذبحة أخرى إذا ما تنازلت عن الأرض.

 

4- مفهوم حزب العمل للسلام

لخص بيريز زعيم حزب العمل مفهوم حزبه للسلام بمقالة نشرتها له الجيروزاليم بوست «بتاريخ 14/4/1991م»، فقضية أمن إسرائيل تشغل بال بيريز ضد الأخطار والتهديدات الكثيرة هذه الأيام، فالقوة العسكرية العربية ستفوق في زمن قريب قوات حلف الأطلسي مجتمعة، ومن أجل ذلك فإن إسرائيل تحتاج إلى أسلحة جديدة ومتطورة. وعلى إسرائيل أن تجدد سلاحها مرة كل 7 سنوات وهذا يحتاج إلى المال.

يقول بيريز: إن الاقتصاد الإسرائيلي في انحدار ولن يستطيع الإسرائيليون تعزيز طاقاتهم الاقتصادية إلا باجتذاب رؤوس الأموال وتوظيفها في مشاريع جديدة ومفيدة، غير أن رأس المال يحتاج إلى أرض وظرف مناسبين: استقرار سياسي، أمان اقتصادي، وتسهيلات صناعية، فهل تتوفر هذه الظروف في إسرائيل؟

يعتقد بيريز أن هذه الظروف غير متوفرة حاليًّا لإسرائيل، ولن تتوفر إلا بإقامة سوق شرق أوسطية تلعب فيها إسرائيل دورًا رئيسيًّا. هذه السوق تقوم على تكامل الطاقات: النفط الخليجي، المياه التركية، السوق المصرية، والخبرة والمهارة الإسرائيلية. ويخلص بيريز إلى القول بأن الشرط الرئيسي لقيام السوق هو إيجاد حل للقضية الفلسطينية، فعلى إسرائيل أن تقبل بالتنازل عن غزة وعن بعض أراضي الضفة الغربية المكتظة بالسكان لكي تُدمَج في اتحاد فيدرالي أردني-فلسطيني، وعندما تقدم إسرائيل هذه التنازلات تكون قد تخلت عن حق تاريخي لها لكنها في الوقت نفسه تكون قد أدت واجبًا تاريخيًّا تجاه نفسها. إن أمام إسرائيل خيارين: إما أن تكون إسرائيل الكبرى التي تضم أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين أو تكون إسرائيل الكبرى اعتمادًا على حجم واتساع السوق الواقعة تحت تصرفها. وحزب العمل اختار بالطبع الرأي الثاني.

 

5- المراقب الصامت للأمم المتحدة

ولكن لماذا تعارض إسرائيل أي دور للأمم المتحدة في عملية السلام العتيدة، خاصة وأن وجودها ذاته كان نتيجة لإحدى قرارات المنظمة الدولية؟

تصر إسرائيل على أن قيامها ليس وليد قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، بل إنها تتفادى مجرد الإشارة إلى قرار الجمعية العامة الصادر عام 1949 بقبول عضويتها في الأمم المتحدة؛ لأن القرار جعل ضمها مشروطًا بقبولها القرارين الآخرين:

1- قرار التقسيم الذي يقضي بقيام دولة فلسطينية إلى جوار الدولة اليهودية.

2- القرار المتعلق بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم أو تعويض من يرفض العودة منهم.

 

لهذه الأسباب فقد رفضت إسرائيل باستمرار قرارات الأمم المتحدة، بل إن إسحق شامير وصف المؤتمر الدولي بأنه مجرد وسيلة ضغط لفرض حلول يمكن أن تهدد أمن الدولة العبرية. وما مؤتمر مدريد في رأيه أكثر من محكمة دولية تمثل فيها إسرائيل دور المتهم المُدان، وعندما ترفض إسرائيل فعلى الجميع القبول. وإذا كانت الولايات المتحدة وهي تبشر بالنظام العالمي الجديد تجعل الأمم المتحدة «ولو من الناحية الشكلية» هي صاحبة اليد الطولى في هذا النظام، ولكن الأمر عندما يصل إلى إسرائيل فلا بد من شرط الصمت إذا أراد مندوب الأمم المتحدة الحضور.

 

6- الحدود الآمنة

وهي فكرة ماكرة روجت لها إسرائيل فترة طويلة، حتى صار الإعلام العالمي يرددها كالببغاء. فالقانون الدولي لا يعترف إلا بالحدود الدولية، ومنذ عدوان عام 1967 خرجت إسرائيل على العالم بفكرة الحدود الآمنة التي يمكن الدفاع عنها.

وعندما تطالبها بخريطة توضح هذه الحدود الآمنة، ترفض إعطاءها بالطبع، فخرائطها مرتبطة بمدى توسعها، والأمر في سعة على ما يبدو.

وتتساءل إسرائيل وأنصارها فتقول: على كل جانب من جوانب الصراع العربي-الإسرائيلي هناك جيوش جرارة: مدرعات وطائرات حديثة وأسلحة مرعبة وصواريخ، فإذا عادت إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967 وهو ما يريده العرب، فإن تلك الحدود سوف تمر من قلب القدس وتنحرف إلى مسافة 9 أميال فقط من تل أبيب، ولا توجد أي دولة في العالم -دع جانبًا دولة لها ذكريات كذكريات إسرائيل- تحس بالهدوء والراحة في حالة كهذه «الايكونومست 4/11/91».

وجواب إسرائيل بالطبع أنها إذا كانت لا تحس بالراحة في حدودها السابقة، فلأن هذه الحدود لم تكن حدودًا آمنة.

 

7- المستوطنات

يصرح حزب الليكود على لسان رئيسه باستمرار أنه لا توجد أرض محتلة ويستغرب منطق العرب أو من يفكر بطريقتهم، فالعرب يملكون 14 مليون كيلومتر مربع من الأراضي، بينما لا تملك إسرائيل غير 28 ألف كيلومتر مربع فقط. وإذا كان العرب يتحدثون عن الشرعية، فاليهود هنا منذ آلاف السنين!

ورقم الـ 28 ألف كيلومتر مربع الذي يذكره شامير هو مساحة كل فلسطين التي قضمتها إسرائيل قطعة إثر قطعة، ولم يتبق منها اليوم للمفاوضات ولمؤتمرات السلام غير 2,270 ميلًا مربعًا هي مساحة الضفة الغربية و135 ميلًا مربعًا هي مساحة غزة. وحتى هذه المساحة الصغيرة والتي تمثل 23% من مساحة فلسطين يجري الاستيلاء عليها شبرًا بعد شبر، فقد بنت إسرائيل 130 مستوطنة في الضفة الغربية منذ عام 1967 وأصبحت تسيطر على 60% من أراضي الضفة ومياهها، ونسبة تقترب من ذلك في غزة. ووفقًا للإحصاءات السكانية فقد غرست إسرائيل 100 ألف مستوطن في الضفة الغربية وحوالي 140 ألفًا في القدس. وهذه الأرقام هي التي تفزع العرب وتدفعهم لحضور مؤتمرات السلام لعلهم ينقذون بعض الأرض من التهويد، وهي نفس الحجة التي تدفع إسرائيل إلى التريث وعرقلة كل مباحثات السلام بانتظار استكمال تهويد كامل أرض الميعاد.

 

8- موقف منظمة التحرير من مؤتمر السلام

أصبحت مصر أول دولة عربية مجاورة لإسرائيل تعترف رسميًّا بالكيان اليهودي على أرض فلسطين، وكان ذلك من خلال معاهدة كامب ديفيد التي وقعها الرئيس السادات عام 1979.

وقد بدأ جيران إسرائيل واحدًا بعد الآخر السير على درب السادات، ففي مؤتمر القمة العربي الذي عُقد عام 1982 في المغرب أُعلن عن استعداد الدول العربية لمناقشة خيار السلام مع كل دول المنطقة، والقرار وإن لم يذكر إسرائيل بالاسم، إلا أنه كان يعنيها.

وعلى نفس الطريق سارت منظمة التحرير التي قامت أساسًا لتحرير فلسطين وإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم، ولكن المنظمة التي مُنيت بنكسات سياسية وعسكرية وفكرية كثيرة اتخذت قرارها في المجلس الوطني الذي عُقد عام 1988 بالاعتراف ببقاء إسرائيل وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، وخاصة قرار التقسيم الذي أُنشئت على أساسه دولة الكيان اليهودي.

فلما نشبت حرب الخليج واحتل العراق الكويت، وتدخلت القوى الكبرى لتحرير الكويت، وطرحت الولايات المتحدة فكرة إمكانية عقد مؤتمر للسلام بين إسرائيل وجيرانها، عندها عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته العشرين في 23-28/1/1991 واتخذ قراره بالانضمام إلى المبادرة الأمريكية-السوفيتية المشتركة التي دعت إلى مؤتمر السلام.

ولم تكن جميع الفصائل الأخرى العاملة على الساحة الفلسطينية موافقة على قرار منظمة التحرير، فقد أعلنت منظمة حماس الإسلامية -وهي أكبر القوى الفاعلة في داخل فلسطين المحتلة- رفضها لقرار منظمة التحرير وعللت رفضها بالنقاط التالية:

1- ترفض حماس المشاركة الفلسطينية في مؤتمر بيع فلسطين لأن هذا المؤتمر يهدف إلى مصادرة حق شعبنا البطل في تحرير كامل أرضه.

2- تؤكد حماس أن المجلس الوطني الفلسطيني بتشكيلته الحالية لا يمثل القوى الفلسطينية الفاعلة في مواجهة العدو وهو بالتالي غير مخول لاتخاذ قرار مصيري وتاريخي يعبر عن شعبنا المجاهد.

3- تؤكد حماس أن أي وفد يتم تشكيله لحضور مؤتمر السلام هو وفد غير شرعي ولا يمثل شعبنا الفلسطيني.

4- ترى حماس أن موافقة المنظمة على حضور مؤتمر التصفية إنما هي استجابة واضحة للضغوط الأمريكية الصهيونية.

5- تدعو حماس إلى بناء وترسيخ الوحدة الوطنية الحقيقية وتدعو إلى مواصلة الجهاد وإلى تصعيد الانتفاضة المباركة وعدم التنازل عن أي شبر من أرضنا المباركة وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني مهما كانت الظروف.

6- تدعو حماس كافة الفصائل الفلسطينية إلى التحرك لتصحيح النهج الخاطئ الذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني.

 

كما أصدرت حركة حماس بالتفاهم مع حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح-المجلس الثوري»، وحركة التحرير الوطني «فتح-الانتفاضة» والاتجاه الإسلامي المجاهد، بيانًا بتاريخ 9/10/1991 استنكروا فيه موقف منظمة التحرير وأعلنوا تمسكهم بالوحدة الوطنية التي تقوم على الأسس التالية:

1- وحدة التراب الفلسطيني واعتبار فلسطين من البحر إلى النهر وحدة كاملة لا تتجزأ.

2- عدم الاعتراف بأي حق للكيان الصهيوني.

3- تطوير الانتفاضة.

4- السبيل الوحيد للتحرير هو الجهاد.

 

كما أصدرت حركة الإخوان المسلمين العالمية بيانًا باسم المرشد العام بتاريخ 17/10/91 جاء فيه:

إن هذا المؤتمر يهدف إلى الإجهاز على القضية الفلسطينية وتذويبها والوصول بإخواننا الفلسطينيين إلى حكم ذاتي هزيل تحت الهيمنة الصهيونية. وتوجه البيان بالنداء إلى المجاهدين من أبناء فلسطين الذين يخوضون حربًا ضروسًا في انتفاضتهم المباركة بأن يثبتوا والأمة المسلمة من ورائهم، فطريقهم هو الطريق الصحيح الذي لا تفريط فيه.

أما منظمة التحرير وبقية الأنظمة العربية فقد هاجمت هذه التحركات الأصولية واعتبرتها تحركات غير مسؤولة، وأعلنت عن تصميمها على حضور جلسات المؤتمر، وحتى تلك الدول التي كانت على رأس دول الصمود والتصدي كانت أسرع من غيرها في التجاوب مع جولات بيكر.

 

القضايا الرئيسية التي يطرحها مؤتمر السلام

ضمن هذه المعادلات والمواقف المبدئية انعقد مؤتمر مدريد للسلام في 30/10/1991 ثم تحولت اللقاءات إلى واشنطن، وفي واشنطن أصبحت اللقاءات ثنائية.

وشغلت إسرائيل العالم بقضايا إجرائية، فهي تريد أساسًا نسف المؤتمر، أما الوفود العربية فمتهالكة للأسف الشديد على التنازلات وعلى السلام الأمريكي المنتظر.

وأهم القضايا المطروحة على بساط البحث هي:

 

1- القرار 242:

مؤتمر السلام يقوم أساسًا على تنفيذ بنود القرار 242 الذي أقرته الأمم المتحدة في أعقاب حرب عام 1967. العرب يتمسكون ببنود القرار التي تنص على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة ويطالبون بالتالي إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة ومن الجولان ومن جنوب لبنان. أما إسرائيل فترفض الانسحاب من الأرض، بل وتزعم أن القرار 242 يضم بنودًا لا وجود لها أصلًا، وأن الضفة الغربية وغزة هي يهودا والسامرة وهي جزء من أرض إسرائيل وكذلك الجولان والقدس. ليس ذلك فقط، بل ويتهم شامير العرب بأنهم ضد عملية السلام لأنهم يطالبون بالأرض، فالأصل عنده السلام من أجل السلام وليس السلام من أجل الأرض. وكان كيسنجر هو أول من شكك بالقرار 242 عندما وصفه بالقرار الغامض؛ لأنه لا يحدد بدقة الأراضي التي يتعين على إسرائيل الانسحاب منها، كما أنه من غير الممكن أو المرغوب فيه إجبارها على الانسحاب.

 

2- الحكم الذاتي:

اتفاقات كامب ديفيد التي وقعتها مصر مع الكيان اليهودي بمشاركة الولايات المتحدة نصت على إعطاء الفلسطينيين حكمًا ذاتيًّا. وكانت هذه النقطة بالذات هي المنطلق في حل القضية الفلسطينية من وجهة النظر الأمريكية، والتي كانت تطمح منظمة التحرير إلى تطوير الحكم الذاتي خلال 5 سنوات إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ترتبط مع الأردن برباط كونفدرالي.

ولقد أعلن شامير مؤخرًا أنه غير ملزم بتطبيق بنود الحكم الذاتي التي وردت في اتفاقات كامب ديفيد.

أما المشروع الذي طرحه المفاوض الإسرائيلي على الوفد الفلسطيني في مفاوضات واشنطن فهو الدعوة إلى ممارسة الحكم الذاتي ضمن ما يسمى «كوندومينيوم» إسرائيلي-أردني متصل ومشترك فوق أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، فبدلًا من صيغة الاتحاد الأردني-الفلسطيني، حرصت الصيغة الجديدة على إيجاد اتصال بين الأردن وإسرائيل.

أما الفلسطينيون فيُعطَون حكمًا ذاتيًّا ضمن قوانين وحماية إسرائيلية، أما المستوطنات فلن تتوقف والمستوطنون سيخضعون للقانون الإسرائيلي، بينما سيطبق قانون آخر عسكري على الفلسطينيين. وباختصار فالحكم الذاتي من وجهة نظر إسرائيل لا يعني شيئًا ذا بال، أكثر من ضبط التحركات والانتفاضات الفلسطينية بيد الفلسطينيين أنفسهم.

 

3- وأخيرًا

فإن إسرائيل لا تقيم كبير وزن لمؤتمرات السلام، بل وتعمل على عرقلتها لأنها تعمل ضد منطقها وضد الفلسفة التوراتية التي تقوم عليها. ولقد تأكد لليهود كما يقول فلاديمير جابوتنسكي أن العرب لن يقبلوا بوجود إسرائيل، وأن الصهيونية لا يمكنها أن تزدهر إلا خلف الستار الحديدي للقوة المسلحة. وإنه في يوم بعيد في المستقبل سوف يقبل العرب حقيقة عجزهم من اختراق هذا الستار وعندها سوف يتعلمون كيف يتعايشون مع الدولة اليهودية.

إن منطق القوة وحده هو الذي أفهم المصريين، ومن بعدهم الفلسطينيين والعرب أجمعين كيف يكون التعايش مع إسرائيل، وها هم اليوم يركضون للاعتراف ولمؤتمرات السلام.

فهل من الحكمة أن تمضي إسرائيل إلى المؤتمر المؤامرة التي تستهدف تمزيق ستارها الحديدي مقابل سلام من ورق؟

وكذلك يمكننا أن نقول: هل من الحكمة أن نندفع بمثل هذه القوة إلى مؤتمرات السلام مراهنين على أية تسوية من أي نوع كان حتى ولو كنا في مثل هذا الزمن الرديء؟

سؤال مطروح، ولا نعرف هل سيتمكن جيلنا من تقديم الإجابة، أم أن الأمور متروكة للأجيال القادمة.

الرابط المختصر :