العنوان المفكر المسلم رجاء جارودي وغربة الإسلام
الكاتب محمد محمود الصواف
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1983
مشاهدات 49
نشر في العدد619
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-مايو-1983
- بوكاي يقول: لا مغالطات علمية في القرآن.
- سقطت الأقنعة المزيفة للمبادئ الضالة.
- الإسلام بدأ غريبًا في وسط ظلام الشرك والكفر والوثنية.
في اليوم الحادي عشر من شهر رمضان المبارك ١٤٠٢هـ أعلن المفكر الفرنسي الكبير روجيه جارودي إسلامه أمام المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف وسمي «رجاء جارودي» وتزوج امرأة مسلمة مقدسية طيبة ومن عائلة معروفة وهي «سلمى نور الدين الفاروقي».
لقد هز هذا الحدث التاريخي الأوساط الثقافية والعلمية في الشرق والغرب خاصة وقد سبق للجراح الفرنسي الكبير الدكتور موريس بوكاي وهو صاحب كتاب «الإنجيل والقرآن والعلم» وقد نشر فيه ما توصل إليه بعد بحثه العميق وبالعلم المعملي التجريبي الثابت: أن القرآن وحي من عند الله وأن محمدًا «صلى الله عليه وسلم» نبي من عند الله... وأن ما أتى به القرآن ليس من قول البشر. ويعزي بوكاي اندهاش علماء الغرب بهذه النتائج إلى قرون الجهل بالإسلام التي عاشها الغرب بعيدًا عن معرفة الحقيقة.. ولاستسلام بنيه للأفكار الخاطئة والمسممة حول الإسلام ورسوله..
وما دروا أن القرآن خلافًا للكتب السماوية لم يتغير، ولم يتبدل. وأنه باق وصالح لكل زمان ومكان.. وأن آياته منذ أربعة عشر قرنًا مضت تحمل من الظواهر الكونية وحقيقة الإنسان وخلقه ما لم يعرفه الإنسان إلا في عصرنا هذا..
وما زالت عقولنا قاصرة عن معرفة الكثير من حقائقه ومن تصريحات «بوكاي» التي أعلنها في مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس لرابطة «أخبار العالم الإسلامي» في يوم ٢٨ شباط - فبراير ١٩٨٢ قوله:
لا مغالطات علمية في القرآن.. المسيحيون في حاجة لمعرفة أخطاء كتبهم.. الأناجيل قاصرة وتخاطب أزمانًا عابرة، وتحمل أخطاءً سافرة... الأيدلوجيات تحمل سمومًا بكلمات يضعونها في أفواه العلماء.. القرآن تحدث عن تحولات الإنسان عبر العصور.. الغرب يحمل أفكارًا خاطئة عن الإسلام... دارون مادي افتراضي.. وأصل الإنسان حقائق أثبتها القرآن انتهى.
وهكذا أصحاب العقول الكبيرة، والثقافات الواسعة تهدي أصحابها بإذن الله إلى الحقيقة الناصعة والتوحيد الخالص. إن هؤلاء الرجال الأفذاذ احترموا عقولهم الحرة الواسعة فأعلنوا إسلامهم بكل شجاعة وبطولة ورجولة، ولم يلتفتوا إلى ما قد يصيبهم من وراء ذلك من حرمان وحرب ضروس من أعداء الإسلام وهم كثر في هذا الزمان فالله معهم، يحميهم ويدفع عنهم ويثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وليوم يقوم الأشهاد.
لقد تتبعت أخبار هؤلاء العلماء الفضلاء الكبراء وقرأت أكثر ما كتب عنهم وما نشر بأقلامهم خاصة المفكر الكبير رجاء جارودي، فأعجبت بفكره النير، وفهمه العميق للإسلام ولمحاته الروحية، ولمساته الواقعية لحضارة الإسلام ومبادئ الإسلام، وتاريخ الإسلام، ودفاعه القوي الدقيق عن دين الله الحق الإسلام العظيم.
ولقد تاقت نفسي وأحببت لقاء هذا الرجل، لأحمل له التحية والتهنئة والشكر العميق، ولأرحب به أخًا مسلمًا أحببناه في الله بظهر الغيب، ودعونا له بالتوفيق والتثبيت والنصر على أعداء الله الذين أشهر في وجوههم سيف الحق، وبدأ يقارع الباطل وجحافل الباطل خاصة أعداء الله والإنسانية كلها اليهود الصهيونيون المفسدون في الأرض والذين سيهدمون صروح الإنسانية من قواعدها ويقضون على ما بقي فيها من ثمالة الخير، وبقية الروحانية والرحمة والمعروف.
حقًا لقد تطلعت إلى رؤية هذا الرجل المسلم الكبير وشاء الله أن يحقق لي ذلك فقد أكرمه الله بزيارة مكة المكرمة لأداء العمرة المباركة إلى البيت العتيق ثم التوجه إلى المدينة المنورة للصلاة بمسجدها الطاهر ثم السلام على النبي الأمين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي آمن برسالته، وصدق بنبوته، واتبع النور الذي جاءه من ربه.
وفي الرياض وعند الدكتور محمد عبده يماني التقينا اللقاء الأول وتعانقنا وتآلفنا وتحادثنا وكأن أحدنا يعرف الآخر منذ عشرين سنة، إنها الأرواح ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. وهو ذو روح شفافة وقد أسبغ عليها الإسلام قبسات من نور الإيمان، فأصبح مشرق الوجه وضاح الجبين، تنطق شفتاه بالإيمان ويخفق قلبه بحب الإسلام، وينساب متحدثًا عن عظمة الإسلام وحضارته الأصيلة الباهرة فيأسر القلوب ويحيى الأرواح، وكأنك إذ تسمعه تشاهد إمامًا كبيرًا من أئمة الدين يتحدث عن عظمة الدين ويكشف عن أنواره ومباهجه المتلألئة الوضاءة.
جلسنا قرابة نصف الساعة ثم دعانا الدكتور يماني للغداء مع المفكر الإسلامي الكبير ومع من دعا من رجال الفكر والأدب وبعض الوزراء ووكلاء الوزارات تكريمًا لهذا المسلم العالم الذي أكرمه الله بالإسلام، وأكرم به المسلمين ليشد من أزرهم، ويضع لبنة قوية في تدعيم الصحوة الإسلامية الجديدة والتي تنادت بها الركبان في كل مكان.. وكان الاجتماع في قاعة فندق كونتنتال الرياض. وانهالت الأسئلة وبدأ يجيب عليها إجابات شافية وافية. وكان مترجمه الشاب التونسي موفقًا كل التوفيق في نقل أفكاره إلينا وبأسلوب شيق وكلام عربي فصيح، كما كان ينقل الأسئلة إليه بلغة فرنسية واضحة، وقد دامت الجلسة أكثر من ساعتين قبل الغداء وأخيرًا سأل أحد الأساتذة الكرام عن رأي الأستاذ رجاء جارودي في الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ إلخ...».
وهنا أجاب الرجل إجابة الذكي اللبق وخلاصة قوله:
أنه يتحدث الآن عن عموم وشمول الإسلام وعظمة حضارة الإسلام. أما مثل هذه الأمور فمن المكن أن يعللها إخواني المسلمين ويذكروا الحكمة فيها ثم سكت:
وهنا طلبت أنا الكلام في الموضوع فأعطى لي الكلام فقلت:
غربة الإسلام:
إخواني الكرام:
إن هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي نطق بها من لا ينطق عن الهوى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» الحديث.
ومن المؤسف أن البعض فسر هذا الحديث تفسيرًا محدودًا وهو: أن الإسلام سوف يعود غريبًا، والغريب مهما سما فهو مجهول وذليل منكمش منحسر، ولا بد أن يعود الغريب إلى وطنه الأول وتنتهي عند ذاك عاليته الشاملة وينحسر مده العظيم الذي شمل أقطار الأرض ودخلت أنواره في كل صقع من أصقاع هذه الأرض وفي الحق إن هذا الحديث العظيم من المبشرات بعزة الإسلام، وعودة رسالته الشاملة الكاملة الخالدة وانتشاره في آفاق الدنيا.
فالإسلام بدأ غريبًا في وسط ظلام الشرك والكفر والوثنية والإلحاد والفساد وجابه أعداءه التقليدين الثلاثة وهم: المشركون، والمنافقون، واليهود، وقد تعاونوا جميعًا وتآمروا عليه ليطفئوا نوره، ويوقفوا زحفه وتحركه، ويطمسوا معالمه وكان بينهم وعندهم غريبًا ومنكرًا لا يعرفونه ولكنه بفضل الله انتصر وانتشر، وفتحت له القلوب، وسادت رسالته، وعمت دعوته، وقامت دولته، وفتحت له الأمصار ودخلت فيه الأمم والشعوب أفواجًا، وهي سعيدة فرحة بهداية الله لها، واتباعها لأفضل وأكمل رسل الله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وتمسكها بالدين السائد القائد إلى الهدى والرشاد وكان كما قال القائل:
نورٌ أضاء فجاوز الصحراء *** والله أكبر هزت الأرجاء
واليوم يعود الإسلام غريبًا في وسط الكفر والشرك والضلال والانحلال والفساد والإلحاد الذي كاد يعم الكرة الأرضية. بل قد يتعجب المتعجبون إذا قلنا إن الإسلام أصبح غريبًا حتى في أوساط الكثيرين من أهله الذين آمنوا به تقليدًا، وسُجلوا في سجلات المسلمين وراثة، ولكنهم لا يعلمون شيئا عن إسلامهم. ولا يفقهون له حديثًا ولا يقيمون له حُكمًا ولا يطيعون له أمرًا..
ثم يواجه الإسلام اليوم أخطر أعدائه وأشرس حساده وهم الأعداء الثلاثة أنفسهم والتاريخ يعيد نفسه والأعداء هم المشركون، والمنافقون، واليهود. وقد اجتمعت كلمتهم وتوحدت صفوفهم للقضاء على الإسلام وطمس معالمه والقضاء على أممه وشعوبه، والكفر ملة واحدة، وقد وضعوا المخططات وأنفقوا المليارات للتبشير والتدمير وضرب قلعة الإسلام، وأقاموا الدويلة المسيخة الكافرة إسرائيل لتكون خنجرًا مسمومًا في جسم الأمة الإسلامية ثم أطلقوها كلبة مسعورة وأمدوها بأسباب الحياة المال والرجال والسلاح، وكل أسباب التدمير والخراب، وانكشف الغطاء اليوم، وبرح الخفاء، وسقطت الأقنعة المزيفة للمبادئ الضالة التي أرادوا بها أن يحلوها محل الإسلام، وهي القومية، والاشتراكية والشيوعية، والعلمانية وغيرها وغيرها.
والإسلام يواجه اليوم هذه التحديات كلها مجتمعة وسوف ينتصر عليها بإذن الله وينتشر ويزدهر وتقوم دولته، وتعم دعوته وتعلو رسالته وتعز أمته.
ألا ترون معي أن إسلام هذا الرجل المفكر الكبير ومثله من المفكرين وغيرهم كثيرًا ألا ترون أنه من الأدلة الواضحة على ابتداء ازدهار دعوة الإسلام؟ ألا ترون هذه الصحوة المباركة في كل مكان دليلًا على بداية النهضة الإسلامية وانتشار الإسلام وانتصاره في كل ميدان وازدهاره وعلو كلمته، إنه حديث مبشر، بدأ الإسلام غريبًا.
فانتشر وانتصر، وازدهر وعلا وسما وساد وقاد. وسيعود غريبًا ثم ينتشر وينتصر ويزدهر ويسود ويقود بإذن الله وتوفيقه وما ذلك على الله بعزيز. وهنا انتهت الجلسة بعد أن سر الكثيرون بفضل الله بهذا التوضيح للحديث الشريف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل