; المقاومة العراقية من السرية والتفتيت إلى العلنية والتجميع | مجلة المجتمع

العنوان المقاومة العراقية من السرية والتفتيت إلى العلنية والتجميع

الكاتب أحمد الزاويتي

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 20

الجمعة 21-مايو-2004

يومًا بعد يوم تنكشف أوراق الاحتلال الأمريكي سواء أوراقه الذاتية من خلال استراتيجيته التي تتضح مع الأيام، أو من خلال ردود الفعل الخارجية والداخلية لممارسات الاحتلال، وعلى رأسها ما يطلق عليه الآن مصطلح المقاومة العراقية.

 القاعدة الشهيرة تقول إن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه، فأينما يكون احتلال تكون هناك مقاومة، وقد حاولت السياسة الأمريكية في عراق ما بعد صدام أن تسمي نفسها تحريرًا تجنبًا لأي مقاومة، وساعدها في ذلك بعض القوى العراقية في ما كانت تسمى بالمعارضة في حينه عندما قدمت للحسابات الأمريكية واقعًا للساحة العراقية على غير حقيقتها، بأن الشعب العراقي سيستقبل القوات الغازية بالورود والهوسات العراقية الشعبية المعروفة، وجاءت الحسابات خاطئة لتتولد منذ اللحظة الأولى إلى الآن مقاومة لم تتوقف ولم تضمحل بل تشتد أكثر وتتحول من الارتجالية إلى التنظيم، ومن التفتيت إلى التجميع، ومن الانحصار في شرائح معينة إلى محاولة الانفتاح على الجميع.

هيئة علماء المسلمين.. حركة وجهود

 بعدما كانت المقاومة حالة تتجنب القوى العراقية العلنية النطق باسمها، وإذا ما حاولت بأسلوب تدفع عن نفسها تهمة الإرهاب التي تلصق بالمقاومة العراقية، أصبح حال بعض هذه القوى الآن التسابق كي تقود المقاومة وتحتويها داخل قوالب موجهة وأكثر تأثيرًا, وأبرز هذه القوى هيئة علماء المسلمين، هذه الهيئة التي ولدت فيما يسمى بالمثلث السني، وتعتبر أنشط مؤسسة عراقية مستقلة بعد سقوط صدام حيث استطاعت التحرك داخليًا وخارجيًا على أكثر من صعيد، وتجنبت التعامل مع الاحتلال لدفع شبهة التعاون معه, حرصت على أن تكون رؤيتها لمقاومة الاحتلال على عكس رؤية القوى السنية الأخرى التي سلكت الطرق السلمية إلى أن يتم نقل السيادة إلى العراقيين كالحزب الإسلامي والاتحاد الإسلامي الكردستاني اللذين اجتهدا وتوصلا إلى أن المشاركة في مجلس الحكم أفضل من المقاطعة لتدارك بعض الأمور التي من المحتمل أنها ستحسم المعادلة السياسية العراق ما بعد صدام.

حاولت الهيئة صنع ساحة مناسبة تنطلق منها المقاومة، وتكون لها صاحبًا، تتكلم باسمها وتقطف الثمرة المرجوة التي إن لم تتدارك فقد تقطفها قوى أخرى غريبة عن الساحة العراقية ولها حساباتها الخاصة مع الأمريكان تريد تصفيتها في العراق, وساعدت جهود الهيئة في صعود منحني وعي المقاومة في الساحة العراقية خاصة بعد أحداث الفلوجة الأخيرة وفضيحة صور الأسرى العراقيين في سجن أبو غريب، وردود الفعل العالمية والعراقية على الفضيحة وانتقال حالة المقاومة إلى الوسط الشيعي ممثلة بمقتدى الصدر بعد محاولة الاحتلال اعتقاله واقتحام المدن الشيعية «نجف، وكربلاء» واقتراب موعد ما يسمى بنقل السيادة من الاحتلال إلى العراقيين في ٣٠ يونيو القادم لتصل الهيئة بجهودها إلى هذا المؤتمر العلني والواسع والأول من نوعه.

انعقد المؤتمر -والذي سمي بالمؤتمر التأسيسي في بغداد- يوم السبت 8/5/2004, وشاركت فيه قوى سنية وشيعية إسلامية وقومية متمثلة بـ ٥٠٠ شخصية وما يقارب ٣٠ مجموعة، عقد المؤتمر بدعوة من هيئة علماء المسلمين وشاركها في هذه الدعوة الشيخ جواد الخالصي إمام مسجد الكاظمية، وأعلن في الختام ميثاق المؤتمر تحت عنوان «التفاهم والعمل الوطني» متضمنًا ثوابت منها: «رفض الاحتلال وما يترتب عليه من آثار سلبية، وعدم المشاركة في أي مؤسسة أو نشاط منبثق من الاحتلال والعمل بكل الوسائل المتاحة لمقاومته، والتأكيد على وحدة الأراضي العراقية ورفض تقسيمه على أي أساس كان، وعلى أن العراق جزء من الأمة العربية والتأكيد على هويته الإسلامية».

ويعتبر المؤتمر أكبر خطوة من نوعها لإعطاء المقاومة العراقية صبغة سياسية.

وحسب تصريحات الدكتور مثنى حارث الضاري من هيئة علماء المسلمين فإن المؤتمر جاء بعد جهود ثمانية أشهر متواصلة، وتشارك فيه قوى تمثل الطيف العراقي إضافة إلى نقابات وهيئات حقوق الإنسان وأساتذة جامعات. 

جاء انعقاد المؤتمر بعد عودة الأخضر الإبراهيمي إلى العراق لبحث مسألة نقل السيادة مع مجلس الحكم وإدارة الاحتلال في العراق وحسب مصادر من داخل المؤتمر فإن ممثلين منه اجتمعوا بالأخضر الإبراهيمي قبل المؤتمر وسيجتمعون به بعده وأنهم أبلغوا الإبراهيمي أن المؤتمر يشاطر خطوة نقل السيادة إلى العراقيين, ولكن يجب ألا يكون هذا النقل في ظل الاحتلال بل يجب أن تكون خطوة عراقية خالصة، أو أن تقوم بذلك الأمم المتحدة ممثلة بالإبراهيمي، وطالبوا أيضًا بتشكيل حكومة عراقية لا يشترك فيها من شارك الاحتلال في حربه على العراق، ممن جاءوا من خارج العراق بعد الاحتلال، وجاء في المؤتمر حسب الكلمات التي ألقيت فيه تعاطف ممثلي السنة مع ما يجري من مقاومة في المدن الشيعية وبالعكس، محاولة منهم لإيجاد ما يشبه وحدة موقف سنية شيعية من الاحتلال, ويعتبر المؤتمر أن مجلس الحكم الانتقالي الذي تشارك فيه شريحة سياسية وفكرية وقومية ودينية ومذهبية عراقية هو مؤسسة من إفراز الاحتلال ولا يجب التعامل معها.

 التحديات المستقبلية أمام المؤتمر

 مع كل ما قد يكون في صالح المؤتمر في هذا الظرف، سواء من تأييد شعبي عراقي داخلي وخارجي، وكذلك تأييد عربي وإسلامي، إلا أن هناك تحديات عدة قد تواجه مشروع المؤتمر متمثلة بالاحتلال أولًا, ومجلس الحكم الانتقالي ثانيًا، وبداخل هذا المؤتمر نفسه ثالثًا, وتحديات أخرى خارجية وداخلية من أصحاب أفكار لا ينظرون إلى الواقع إلا بمنظار «الأسود والأبيض».

 فبالنسبة للاحتلال يظهر أنه لا يمكن التراجع عن سياسته في العراق تحت أي ذريعة وفي أي ظرف وسبق له أن تقدم في حربه على العراق، ضاربًا عرض الحائط كل التحذيرات والاعتراضات الدولية والشعبية وهو مستمر في سياسته هذه وقد لا يستبعد استخدام كافة الوسائل في سبيل رفع العقبات في طريق إنفاذ سياسته هذه، وقد يكون المؤتمر من أولى عقبات هذه المرحلة، ولا يزال الاحتلال في العراق يأخذ بزمام الأمور وليست هناك بادرة تشير إلى أن الدول العربية أو الإسلامية أو الجوار العراقي يمكنها القيام بدور ما في العراق أما مبادرة الأمم المتحدة الممثلة بمشروع الإبراهيمي فلا يخفى عليها أيضًا طابع الدعم الأمريكي، الذي لا يقبل بأي شكل ترك زمام القوة في مجلس الحكم والانتقال إلى قوى مضادة لمجلس الحكم. 

هذا هو التحدي الأول الذي يجب أن تفكر القوى المشاركة في المؤتمر في كيفية التعامل معه للحفاظ على الأقل على وجوده في البداية.. أما التحدي الآخر الذي أرى أنه الأخطر فهو تحدي القوى المنضوية في مجلس الحكم الانتقالي، فيعيدًا عن وجود شخصيات في المجلس ليست لها قاعدة شعبية، وشخصيات جاءت مع الاحتلال، هناك قوى في المجلس انبثقت أصلًا من قاعدة شعبية واسعة كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والذي له مليشيات بدر المدربة عسكريًا منذ سنين طويلة في إيران، وهي الآن موجودة في العراق وتعمل تحت إمرة المجلس، فمجلس كهذا لا يمكن بأي حال القبول بتهميش دوره في أي معادلة مستقبلية وكذلك حزب الدعوة الإسلامية هاتان القوتان الشيعيتان أكثر شعبية وأكثر ممارسة للسياسة من مدرسة الخالصي المشارك في المؤتمر أو مقتدى الصدر وجيشه المؤيد للمؤتمر، أما من الجانب السني فالحزب الإسلامي العراقي والذي هو من أكثر القوى المؤثرة الآن في مجلس الحكم الانتقالي والذي أدى دورًا كبيرًا لا يمكن الاستهانة به في أحداث الفلوجة وتمكن من إنقاذ المدينة من كارثة كادت تقع لتتحول الفلوجة بعد ذلك إلى حالة أخرى سميت في بعض الأوساط بحالة نصر: قوة كهذه لا يمكن أيضًا إلغاؤها في أي معادلة عراقية كونها دخلت باجتهاد خاص منها في مجلس الحكم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه! 

هذا بالنسبة لجانبي الشيعة والسنة العرب في مجلس الحكم الانتقالي أما الجانب الكردي فيختلف تمامًا، لأن الوسط الكردي في كردستان العراق يكاد يلتف بإجماع وراء قيادته المتمثلة في مجلس الحكم. هذا الوسط ينظر إلى مستقبل العراق من خلال نظرته إلى متطلباته الخاصة التي لم تستجب لها, السلطات العراقية المتعاقبة فمنذ عام ١٩٩٢م هناك سلطات قائمة في كردستان العراق لم يحصل فيها تغير أو انقلاب إذا صح التعبير كالذي حصل في العراق بعد سقوط صدام. 

هذا جانب غاب عن مؤتمر المقاومة، إذ لم يحضر من الأكراد سوى الشيخ علي عبد العزيز مرشد الحركة الإسلامية في كردستان العراق الذي حاول أن يكون له دور في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن وكذلك في مؤتمر صلاح الدين قبل الحرب على العراق وفي مجلس الحكم بعد الحرب.. إذن الجانب الكردي الضعيف الوجود في المؤتمر والحاضر القوي في مجلس الحكم قد يكون طرفًا حاسمًا في أي مواجهة سياسية بين المؤتمر ومجلس الحكم الانتقالي ويمكن للمؤتمر مواجهة هذه التحديات بحكمة ودراية وذلك بأن يكتفي بطلب إنهاء الاحتلال دون اعتبار المجلس جبهته أو ندًا يجب أن يزول.

 وهناك تحد يتعلق بالحفاظ على النسيج المجتمع في هذا المؤتمر مستقبلًا، فالمؤتمر مكون من أفكار وأعراق ومذاهب مختلفة جمعها هدف مقاومة الاحتلال، وستكون هناك بالتأكيد محاولات كثيرة سرية وعلنية لإبعاد بعض هؤلاء عن المؤتمر أو على الأقل تضعيفهم، ويبقى نجاح ذلك أو فشله مرهونًا بالتكليفات المكلف بها هؤلاء من قبل المؤتمر والتي يمكن القيام بها.

الرابط المختصر :