العنوان المفكر الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي: المقاومة..بوابة نهضة الأمة الإسلامية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 24-فبراير-2007
مشاهدات 63
نشر في العدد 1740
نشر في الصفحة 34
السبت 24-فبراير-2007
السنوات العشر القادمة تحمل بشائر التغيير لصورة العالم الإسلامي
لقد أثبت الإسلام أنه «كسار» الإمبراطوريات.. فبعد أن كسر الإمبراطورية السوفييتية في أفغانستان.. ها هو اليوم يصد الهجوم الغربي واضعًا المشروع الإمبراطوري في خطر.
الصعود الإسلامي صار الظاهرة الأبرز بما يؤكد أن الإسلام قد كسب مجتمعاته التي أصبحت أكثر أسلمة.. انظر للانتصارات السياسية التي حققها الإسلاميون في مصر وفلسطين وموريتانيا.
تجربة حماس قدمت بالدليل إمكانية الجمع بين الجهاد والعمل السلمي.. بعدما اختطفت كتابات العلمانيين مفهوم الجهاد وألبسته ثوب التشدد والعنف.
الحرب الدائرة على الحجاب تعبير عن إفلاس النظام.. والشعب التونسي برهن أكثر من مرة على تمسكه بهويته الإسلامية.
الحساب الختامي والمراجعات بات أمرًا مألوفًا في الأدبيات الاجتماعية، لتدارك الأخطاء وقياس ما تحقق من أهداف، وفي نهاية كل عام غالبًا ما يكون للمؤسسات والأفراد والجماعات - بل والدول والأمم - وقفات ملية أمام ما مر بها من أحداث.. ومع نهاية العام الهجري ١٤٢٧هـ الذي توافق مع نهاية العام الميلادي ٢٠٠٦م كان لـ «المجتمع» وقفة تأمل في أحداث العام الماضي مع المفكر الإسلامي راشد الغنوشي الذي قدم رؤية استشرافية المستقبل العالم الإسلامي.. فإلى تفاصيل كشف حساب الأمة الإسلامية في عامها المنقضي:
● ما أهم الأحداث التي عايشتها الأمة الإسلامية في نهاية العام الهجري المنقضي؟
كانت سنة عصيبة سالت فيها دماء المسلمين أنهارًا في أكثر من موطن في الجسم الإسلامي في العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان وبورما وكشمير...وغيرها.
كما ازدحمت السجون العربية والإسلامية بدعاة الإسلام، فلا يغادرها فوج إلا وتستقبل أفواجًا ولا يغادرها منتمون لحركة، حتى يلجها منتمون لحركة أخرى. كما استمر الهجوم الدولي على الإسلام بدرجة لم يصل إليها من قبل، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على كاتب أو رسام كاريكاتير، وإنما أصبح يشمل رؤساء دول يصفون الإسلام بالفاشية، ورؤساء ديانات كبرى تطاولوا على مقام رسول الله r زاعمين أنه لم يأتِ بخير، وأن دينه انتشر بالسيف. وللأسف شارك في الهجوم بعضالمنتمين للإسلام، فرأينا حكومات في العالم الإسلامي تهاجم الحجاب مثل تونس وبعض الوزراء في مصر...
واستمرت الأقليات المسلمة تحت الحصار، حتى تلك التي تعيش في دول ديمقراطية، واستمر صدور القوانين المضيقة للحريات، والمستهدفة للأقلية المسلمة.
انهيار المشروع الأمريكي
ومن جهة أخرى، شهد العام الماضي انهيار المشروع الأمريكي الذي انطلق عقب نهاية الحرب الباردة منذ بداية التسعينيات، الذي اتخذ الإسلام عدوًا بديلًا عن الشيوعية.
وبدأ الهجوم على العالم الإسلامي، إلا أن هذا الهجوم يشهد اليوم انهيارًا كبيرًا في العراق، جعل بعض الباحثين يعتبرونه نهاية المشروع الإمبراطوري.
ويسجل الإسلام مرة أخرى أنه كسار الإمبراطوريات بعد أن أسهم بصورة معتبرة في كسر الإمبراطورية السوفييتية في أفغانستان.
كما سجلت انتصارات أخرى على المستوى السياسي في موريتانيا والبحرين والكويت ومصر وفلسطين.. حيث كان الصعود الإسلامي الظاهرة الأبرز.. بما يؤكد أن الإسلام قد كسب مجتمعاته التي أصبحت أكثر أسلمة مما كانت عليه منذأكثر من قرن.. وباتت المجتمعات اليوم ترى أن الحركة الإسلامية هي الأمل في إصلاح السياسة وإصلاح الحكم والاقتصاد وتحرير فلسطين وتوحيد الأمة واستعادة العزة، وتطهير السياسة من العفن.
هل يمكن أن تحددوا لنا فترة زمنية لتحقيق هذا الأمل الذي تنتظره الأمة منذ قرون؟
أتصور أنه خلال السنوات العشر القادمة ستتغير صورة العالم الإسلامي إن شاء الله وهذه ليست رؤية مفرطة في التفاؤل.. ولننظر إلى تزايد عدد الحجاج والمعتمرين كل سنة، وتزايد عدد الملتزمات بالحجاب، وكذا الكتاب الإسلامي بات الأكثر انتشارًا والخطاب الإسلامي الأكثر استقطابًا للناس والأحزاب الإسلامية والحركات الإسلامية الأوفر حظًّا في كل انتخابات سواء على الصعيد النقابي أو الطلابي أو السياسي، فأوضاع العالم الإسلامي على طريق التغيير اليوم، وقد حققت الشعوب هذا النضج.
ثقافة المقاومة
● كيف تقرؤون موازين القوى في الظروف الراهنة، وإمكانية تغيرها في المستقبل؟
بصفة عامة، موازين القوى مائلة لصالح أعداء الإسلام في الداخل والخارج، ولكن شرف الإسلام والإسلاميين أنهم في المقاومة، فيعارضون بفعالية وبالوسائل المتاحة المناسبة.. ففي دفع الاحتلال يعلنون الجهاد، وفي إصلاح الأوضاع الداخلية يعتمدون أساليب السياسية والإعلام والكلمة.
● يتحدث البعض عن دور علماء الأمة الإسلامية في مواجهة الأزمات التي تواجهها، مثلما يدور في العراق كيف ترى ذلك؟
«اتحاد العلماء المسلمين» طالما تحرك ودعا إلى وحدة المسلمين، ووقف هدر الدماء، واستباحة دم المسلمين ولا يفتأ عقلاء الأمة من الطرفين -وخاصة منالطرف السني -يعلون الصوت للتصدي الدعوات التطرف والتكفير والاقتتال الطائفي.
● ما انعكاسات الأوضاع العراقية على القضية الفلسطينية؟
من انعكاسات هزيمة الولايات المتحدة في العراق.. تخفيض الضغط على الشعب الفلسطيني، والكف عن الاستمرار في مطلب إسقاط الحكومة الديمقراطية التي شكلتها حماس والسماح بتكوين ائتلاف وطني، دعت إليه حماس، ولم تجد تشجيعًا من النظام الدولي والكيان الصهيوني بالرغم من أن هناك بعض الأصوات التي ترتفع في أوروبا تدعو إلى رفع الحصار عن الفلسطينيين والقبول بحكومة ائتلاف وطني.
• ماذا تقدم تجربة حركة حماس الفلسطينية للحركة الإسلامية؟
تقدم خيرًا كثيرًا منه إمكانية الجمع بين العمل السياسي والمقاومة، فكثيرًا ما ورد في الأدبيات الفلسطينية، أن هذين الخيارين لا يجتمعان فإما أن تقاوم وتسحب يدك من العمل السياسي وإما أن تمارس العمل السياسي، وتكف يدك عن المقاومة.
لكن حماس أثبتت أنها مشروع للجمع بين المقاومة والعمل السياسي لها يدها الطولَى في المقاومة ويدها في خدمة الشعب الفلسطيني عن طريق العمل الاجتماعي والصحي والثقافي، وتوجت ذلك بالعمل السياسي.. وهذا درس مهم جدًا للحركة الاسلامية، ثم إن الجهاد في فلسطين تميز عن الكثير من دعوات الجهاد في المنطقة بأنه يجري على أرضية الإسلام المعتدل الإسلام الوسطي، على حين أريد أن يختطف الجهاد، أريد للجهاد أن يرتبط ارتباطًا حتميًا بدعوات التكفير والتشدد واستباحة دماء المسلمين.
تجربة حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين، قدمتا لنا صورة جميلة للجهاد.
أن الجهاد يجري ويغرف من نبع الوسطية الإسلامية التي تعترف بالتعدد وبالاختلاف، وبالديمقراطية، ولا تعتبر الجهاد نقيضًا للديمقراطية، ونقيضًاللوسطية، ونقيضًا للاعتدال فهذا مهم جدًا، قدمته حركة الجهاد في فلسطين حماس والجهاد.
أزمة الحريات في تونس
● تعيش في المنفى بعيدًا عن وطنك تونس.. ولكنك تتابع أوضاعها السياسية والاجتماعية حيث الإصرار على التضييق على كافة فصائل المعارضة.. كيف ترى مستقبل تلك الأوضاع؟
تونس تعيش وضعًا سياسيًّا شاذًّا، ولا يعني ذلك أن الأوضاع السياسية في المنطقة عامة والعالم العربي عادية ولكن حنانيك بعض الشر أهون من بعض.. ففي الجزائر هناك حركات إسلامية معترف بها وممثلة في الحكومة، وممثلة في البرلمان. وفي المغرب حركات إسلامية إماممثلة في البرلمان أو مسموح لها بالعمل عندها فسحة من النشاط والعمل مثل جماعة العدل والإحسان... كما أننا نرى في ليبيا قدرًا من الانفتاح على جماعة «الإخوان المسلمون» وهناك حوار يجري معهم وأطلق سراح معظم سجناء الإخوان وأعيدوا إلى مواقعهم، بل وتتفاوض معهم الحكومة على إطار عمل مناسب.
وموريتانيا اليوم لها وضع سياسي متقدم جدًّا، ومخجل للتونسيين في الحقيقة، فقد كانوا يحسبون أنفسهم وربما لا يزالون مستمرين في النظر إلى أنهم متقدمون على موريتانيا، وفي البحرين وفي غيرها، بما يسفه كل الدعوات بأن ارتفاع مستوى التعليم والتنمية شرط ضروري للديمقراطية ففي موريتانيا مستوى التعليم أقل من تونس ومستوى التنمية أقل كذلك وبكل المقاييس، ومع ذلك هناك حياة سياسية معقولة في موريتانيا اليوم تشارك فيها كل الاتجاهات، بما فيها الحركة الإسلامية.
أما الوضع في تونس، فيفسره فيالحقيقة تطرف الموروث عن النخبة العلمانية التي تولت الحكم بعد «الاستقلال» والتي احتكرت ميراث الحركة الوطنية وانطلقت من مشروع سلخ الشعب التونسي من هويته العربية والإسلامية.
فمشروع دولة الاستقلال كان بمثابة صفقة بين بورقيبة وجماعته من جهة وفرنسا من جهة أخرى على أساس استمرار مشروع سلخوتفسيخ الهوية العربية الإسلامية حيث تعرضت هذه الهوية في عهد «الاستقلال» العدوان وتدمير أشد مما تعرضت له زمنالاحتلال المباشر.
ورغم أن الشعب التونسيبرهن أكثر من مرة على تمسكه بهويته الإسلامية، ولكنه كلما ازداد تمسكًا بهويته الإسلامية وتعبيرًا عنها، إلا وكثفت الدولة عملها التدميري حتى بلغ عدد السجناء السياسيين في التسعينات ٣٠ ألفًا، ووصل الأمر إلى الهجوم على الحجاب وعلى الصلاة والعدوان حتى على المصحف فضلًا عما هو موروث عن بورقيبة من سخرية بالقرآن والسخرية من شخصية الرسول r ومعجزات الأنبياء.
إذن هناك ميراث. فمنذ نشأة هذه الدولة وهي في صراع مع هوية الشعب وفي صراع مع مبدأ العدالة.
سر الحرب على الحجاب
● رغم الحرب على الحجاب مازالت مظاهر التدين مستمرة في تونس حتى الآن، فلماذا يضيق النظام التونسي بتلك المظاهر؟ ولماذا التركيز تحديدًا على منع الحجاب؟
عندما انبعثت صحوة جديدة في السنوات الأخيرة لم تعجب النظام فرغم تطبيق خطة تجفيف المنابع، على نطاق واسع -مما جعل احتمال رؤية شاب يصلي أو فتاة محجبة أمرًا مرفوضًا -ومع ذلك انبعثت صحوة دينية ملأت المساجد، وانطلق الحجاب يملأ الشوارع وبدلًا من أن تتفاعل الدولة إيجابيًّا مع هذا التحول الاجتماعي، نظرت إليه نظرة سياسية على أنه حزب سياسي، بينما الحزب السياسي «مضروب» في العمق ليس لديه إمكانية للحركة، بينما هي ظاهرة عفوية ظاهرة شعبية وليس وراءها حزب سياسي.
أما الحرب على الحجاب التي يخوضها النظام الآن فهي تعبير عن الإفلاس؛ إفلاس هذه الأنظمة وتلك الجهات، لأن الحجاب يرمز ـوهو ليس رمزًا في الأصل بل عبادة -ولكن من الناحية الثقافية يرمز في نظر الآخرين إلى انتصار إسلامي، أو إلى هزيمة المشروع العلماني، لأن المرأة في المشروع العلماني مدخل أساسي من مداخله، أو ما أسماه «تحرير المرأة» وظهر أن تحرير المرأة هو تحرير شكلي أي عندما تنزع المرأة حجابها فقد تحررت وعندما تعود للحجاب فكأنما داست بالأقدام على المقدس العلماني.