العنوان الملتقى التربوي.. البيان ثم الأمر
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980
مشاهدات 84
نشر في العدد 478
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-أبريل-1980
إن ما يخطئ به كثير من الدعاة في توجيهاتهم، هو أن يجعلوها مقرونة بأسلوب الأمر قبل البيان، مستغلين بذلك طاعة الدعاة لهم، وظنهم أنهم بذلك يوفرون لأنفسهم وقت الحجة والبيان، وهم بهذا يرتكبون خطأين: الأول تربوي حيث إن الأخ يتعود على تلقي الأوامر دون أن يتبينها، فتقتل فيه روح القيادة والإبداع.. والآخر شرعي حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبين ثم يأمر، وهذا واضح في منهجه عمومًا، ومنها على سبيل المثال قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بصير حيث أتاه إلى المدينة بعد هروبه من قريش «إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك» فذكره بالعهد والميثاق، والوفاء به ونبهه إلى خطورة الغدر ثم أمره بالعودة إلى مكة.
فتعود أخي الداعية في تربيتك إخوانك التبيين لهم والتوضيح، ثم بعد ذلك بما ترمي إليه.
كيف يكمل الداعية نواقصه من جميع النواحي
قبل البدء بطرح العلاج لا بد من تحديد المجالات التي يجب مراعاتها ومناقشتها وهي:
1- الجانب الروحي.
2- الجانب الفكري والثقافي.
3- الجانب العملي الحركي.
4- الجانب الجسدي .
وهذا الترتيب روعي فيه -من حيث التسلسل- ناحية الضعف الموجود لا الأهمية.
أولا: الجانب الروحي:
التعريف: الارتفاع بالنفس البشرية والسمو بها إلى مرتبة التعلق بالآخرة، والتطلع إلى ما عند الله، والهمة والعمل والإخلاص ابتغاء وجهه تعالى، وتزكية النفس وفق منهج الله وهدي رسوله عليه الصلاة والسلام «مازاغ البصر وما طغی».
كيفية الاستكمال:
1- إيجاد الذاتية القوية عن طريق وضوح الغاية التي من أجلها خلق الإنسان «غاية العبودية والخضوع المطلق لله»- والاطمئنان للعمل الذي يقوم به- استعمال الأمثلة لتبيين همم السلف رضوان الله عليهم- التدرج في أخذ نفسه بالعبادات والتكاليف الشرعية مع ملاحظة الدوام عليها- العيش الجماعي- استحضار الأجر عند العمل- معرفة نشاط أصحاب المذاهب الباطلة في سبيل تحقيق أهدافهم.
2- مصاحبة ذوي الروحانية العالية.
3- إيجاد فترات خلوة يعيش فيها المربي مع نفسه.
4- الالتزام بالصيام والقيام والأوراد من ذكر وقرآن ودعاء.
5- استشعار الغربة في هذا المجتمع.
6- العيش مع آيات الله وتذكر الموت واستحضار معاني الآخرة.
7- القيام بأعمال البر بأنواعها المختلفة.
8- محاسبة النفس.
9- الإقلال من الجدال والمراء والمزاح والذهاب إلى الأماكن التي تقسي القلب.
القوة كيف ومتى ولمن؟
أخي الداعية: إن الفرق بين الشجاع والمتهور هو أن الشجاع عرف كيف ينظم ويخطط لها، ومتى يستخدمها، لهذا تراه غالبًا منتصرًا، أما المتهور فغالبًا ما تضره قوته وتؤذي غيره، وتجعله في موقف محرج يندم عليه أشد الندم.
والقوة الجسدية نعمة من الله يا أخي المربي، فالذي أتاه الله بسطة من العلم والجسم فليتذكر أنها من الله وإليه، وليتذكر دائمًا يوم أن كان متهورًا في استخدام قوته، باطشًا في زهرة عمره، فمن الله عليه أن نظم له قوته/ فأثمرت عند الله زهرة عمره.
وهذا القرآن الكريم يعلمنا في سورة القصص كيف.. ومتى.. ولمن نستخدم قوتنا.
دعاء
في غيبة الدولة الإسلامية والحاكم المسلم وكثرة الآراء والاجتهادات تعتري الإنسان بعض الحيرة في معرفة الصواب أحيانًا، وهذه المعرفة لا تكون إلا بتوفيق من الله تبارك وتعالى، وهذه سبيلها الدعاء الخالص- دعاء الله0 ولذلك علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم إذا اشتبه علينا مما اختلف فيه الناس أن نقول هذا الدعاء «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذك، أنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». (رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها).
وهذا الدعاء أهميته تأتي لكون الله تعالى قال فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».
شجرتنا:
تعال معي إلى منهج الرحمن خالق الإنسان، الواهب له الحياة والقوة والحنان، تعالى إلى المدرسة الخالدة لنشاهد أحد تلاميذها العظام وهو يمر في خمسة دروس قاسية موضوعها- «القوة- ومتى- ولمن نستخدمها».
● الدرس العملي الأول:- قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ (سورة القصص: 15).
لا حول ولا قوة إلا بالله، ما أسوأ العجلة في استخدام القوة -لقد مات الرجل- لقد قضى عليه- ﴿قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورة القصص: 15)، لا بد من الندم والتوبة، والاستغفار ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة القصص: 16).
انتهى الدرس الأول.... ولكن هل أدى الدرس غرضه والغاية منه، هل تعلم التلميذ الوجيه ترك العجلة في استخدام القوة؟ هل عاهد معلمه على أن يتحقق قبل أن يبطش؟ وأن يفكر بعاقبة عمله قبل أن يقدم؟
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (سورة القصص: 17).
أسلوبنا في العمل
قد يتبادر إلى بعض الأخوة أن أسلوبنا في العمل يشبه أسلوب العمل في الأحزاب ذات المبادئ الوضعية، التي اتخذت أسلوب «الغاية تبرر الواسطة»، إذا وجد بين الأخوة من يفكر بهذا التفكير فهو على خطأ كبير، كبير جدًا.. إن دعوتنا ومبادئنا مختلفة تماما، الاختلاف عن مبادئ ودعوات الآخرين التي صنعتها عقول البشر فدعوتنا شريفة غاية ووسيلة، محدودة بمبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، فلا يمكن أن نتخطاها بأي حال من الأحوال، فالغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، ولما كانت غايتنا شريفة وعالية فلا يجوز أن تكون الوسيلة للوصول إليها محرمة.
إذا كان الأمر كذلك فالذي يجب أن نعرفه هو أن ما نلاحظه ونقرأه ونشاهده من أعمال الأحزاب قد لا يتفق كثيرًا مع دعوتنا، وعليه يجب ألا نتأثر به مطلقًا، ولا تتطلع إليه نفوسنا لمحاكاته وتقليده، ومطالبة الجماعة المؤمنة لتحذو حذوه، أو تسلك نفس المسلك، فعلينا أن نطالب ونقترح القيام بعمل ما أن نعرض هذا العمل أولًا وقبل كل شيء على الشريعة فهي ميزاننا الوحيد الذي نزن به الأعمال.
فما أقرته الشريعة أخذنا به- حسب الممكن وجوبًا أو نديًا أو إباحة- وإذا لم تقره تركناه وأهملناه، فعلى ضوء ذلك تظهر أهمية قيامنا بالعمل، فإذا كان واجبًا شددنا العزم وجمعنا الهمم للقيام به وهكذا، فلا يصح أن نعرضه أولًا على نفوسنا فما حسنته عقولنا طالبنا به وألححنا بتنفيذه، وما قبحته تركناه وأهملناه دون النظر إلى الأدلة الشرعية التي توجهه وتعضده وتؤيده أو تنهى عنه وتأمر بعدم القيام به، فالنفوس تكره التكليف والألتزام وتحب الشهوات والآثام وإن النفس لأمارة بالسوء فميزاننا الوحيد للأمور جميعًا هو الشريعة الإسلامية.
وسيرنا في دعوتنا هو نفس سير صاحبها الأول صلى الله عليه وسلم نقتفي أثره ونخطو خطواته في سبيل نشر الدعوة وبناء الدولة.، فالملاحظ أن أول ما فعله صلى الله عليه وسلم في هذا السبيل أن دعا إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.. أي ثبت الأساس لمعاني التوحيد في قلوب المسلمين، التي بني عليها فيما بعد الأمور الشرعية الأخرى بكل جرأة وصلابة، ولم يخش في الله لومة لائم ،غير ملتفت إلى ما يفوته من حطام الدنيا من جاه ورئاسة ومال... حتى إذا ما تركزت في قلوب أتباعه، وكون منهم النخبة الصالحة- من حملة الدعوة والرسالة الإسلامية- انهارت من حولهم الأصنام، وانهارت التقاليد الجاهلية، وأقيمت محلها عقيدة التوحيد مع نظام كامل للحياة الجديدة، مبني على العقيدة السليمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينشغل بالتهديم أولًا، وإنما اهتم ببناء العقيدة والإيمان ولم ينشغل أصحابه بالسياسة وأمور الحكم والمعاهدات، قبل تركيز العقيدة وتثبيت الإيمان في نفوسهم، حتى أصبحت حياتهم كلها تدور على العقيدة وتصرفاتهم تصدر عنها، ويقبلون ما ينسجم وعقيدتهم ويتركون مالا ينسجم معها، هذه حقيقة واضحة من سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالواجب- إذن أيها الأخوة الأحباب- ألا تفوتنا هذه الحقيقة فنهملها أو نتغافل عنها أو نتساهل بها، لأن في إهمالها أو إغفالها أو حتى التساهل بها ضررًا عظيمًا على الدعوة والدعاة أنفسهم.
فتنطمس معالم الدعوة وخطوط سيرها ونصبح دعاة سياسة وحكم فقط لا دعاة عقيدة وإسلام، فلا تكرسوا وقتكم كله أو معظمه من أجل الأمور السياسية فقط، ولا تتركوا جوانب أخرى من جوانب الدعوة، فتجعلوا من إخوانكم هياكل سياسية عليها مسحة إسلامية، وحاولوا جاهدين ألا تطغى ناحية على أخرى، وخير الأمور أوسطها... إن هذا هو حقيقة الخطأ الذي نخشاه في مسيرتنا إلى الله سبحانه وتعالى كمسلمين مقبولي الإسلام عند الله إن شاء الله.
فعليكم أيها الأخوة المربون واجب عظيم هو إعداد الدعاة إعدادًا إسلاميًا خالصًا، لا تشوبه شوائب الأفكار الوضعية والأحزاب الأرضية، وعليكم متابعتهم وملاحقتهم وملاحظتهم، وتعديل ما يعوج من أفكارهم وسلوكهم وأخلاقهم، وجعلهم مطابقين تمامًا لمبادئ الإسلام الحنيف في القول والعمل، منسجمين معه في تصرفاتهم وأفعالهم، لأنهم أمانة في أيديكم فأدوا الأمانة كما يحب الله ويرضى.
وعليكم أيها الأخوة ألا تتساهلوا مع الذين يتهاونون في أداء واجباتهم الملقاة على عاتقهم عند الله، فيفوتهم خير كثير هم أحوج ما يكونون إليه في دنياهم وأخراهم كمسلمين وكأخوة عاملين في جماعة، وعليكم إرشادهم وتنبيههم إلى أعمالهم المخالفة للشريعة كالغيبة والنميمة والخوض بالباطل والقول على الله بغير علم، ومطالبتهم بالتمسك أكثر فأكثر بالإسلام، وأن يجعلوه مدار حياتهم اليومية، فيقيسوا جميع أعمالهم عليه فما وافقه عملوا به وما خالفه تركوه، متحملين في سبيل ذلك كل الصعاب، وألا يقضوا يومهم بالجدل السياسي الفارغ الذي لا يأتي بنتيجة، فافهم هذا أخي الحبيب جيدًا واحمل إخوانك على العمل به.
والله الموفق للصواب.
لابد لهذه الدعوة من جذور في منهج الله تعالى، وينبغي لهذه الجذور من ثبات فوق الأرض، لذلك يجب لهذه الشجرة أن تكبر وتثمر وتقطف ثمارها، لذلك مطلوب منا أن نسقيها بإخلاصنا بثباتنا، بصحة عقيدتنا، لابد أن نسقيها بوقتنا كله وبمالنا بدمائنا، علينا أن نصفي التربة والأرضية التي تحمل هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، إننا في قومنا كهذه الشجرة ،كل يقف منا في موقعه، فأنت غصن فيها، وهذا فرع ، وهذا ساق، بل منا من هو تحت التراب جذر يغذي الشجرة، وكلنا يستظل ويظلل الناس في هذه الدعوة المباركة إذا لابد من جهد وعمل دائم، ومستمر لهذه الشجرة.
مادام كذلك فلنستمع إلى الإمام البنا وهو يحدث الإخوان قائلًا «هل أنتم على استعداد بحق لتجاهدوا وليستريح الناس؟ وتزرعوا ليحصد الناس؟ وأخيرًا لتموتوا وتحيا أمتكم؟ وهل أعددتم أنفسكم بحق لتكونوا القربان الذي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانها».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل