; الملتقى التربوي (العدد 520) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (العدد 520)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981

مشاهدات 74

نشر في العدد 520

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-مارس-1981

بركة الداعية:

اسمعها أيها الداعية ... إنها آية تهز الوجدان، وتلمس القلب لمسة روحية إيمانية، إنها آية تتحدث عن أصحاب بدر وموقعتهم، ولمن سار بعدهم على طريق العزة والبطولة، حيث نداء الله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: 17)، حيث اطلع الله على أهل بدر من فوق سبع سماوات إذ قد علم منهم حقيقة الإيمان وصلابة العقيدة التي يتحلى بها هذا النفر من المسلمين، فأنزل لنصرهم ملائكة من السماء حاملة وصية ربها ... ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: 12).

... عجب ... أي جيش يستطيع أن يهزم هؤلاء، أي قوة مهما بلغت من تقدمها العلمي والعسكري والتكنولوجي، حيث إن جيشهم مدجج بقوة الإيمان، يحارب بقوة الله ويقاتل كذلك ... نعم أهل بدر، حلت عليهم البركة الربانية فأصبح المؤمن يقاتل ومعه ملاك، أصبحوا مباركين من الله إلى أبد الآبدين .

لهذا عندما أراد عمر  tقتل حاطب بن أبي بلتعة لرسالته التي بعثها لأهل مكة يخبرهم بمجيء الرسول r إليهم ... إلخ.

وكان حاطب ممن شهد بدرًا ... قال له النبي r:«دعه يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم»، يقول ابن تيمية تعقيبًا على هذه الحادثة: حاطب وأصحاب بدر معصومون إلى الأبد بدمائهم، فالدم معصوم والخطأ لاصق بصاحبه، ولا يغير ذاك من هذا.

أيها الداعية ... دعوتنا اليوم بحاجة إلى بركات الدعاة أكثر من التجميع القطيعي، ومضيعة الأوقات في القيل والقال، فاحرص على ذلك العنصر الذي يكون ممن يقسم على الله فيبر بقسمه، مراقبًا لله، كثير الاتصال به في الليل والنهار، قد علم أوقات الإجابة فحرص عليها.

القصد:

روى البخاري بإسناده عن رسول الله r أنه قال: «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا»، ومعنى هذا الحديث كما قال النووي: «استعينوا على طاعة الله بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون منها، وتبلغون مقصودكم كما أن المسافر الحاذق، يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب»، وقد ربط رسول الله r بلوغ الغاية واستمرار السير بالقصد، فهو إذًا يقتضي الدوام والاستمرار عادة، ولا يفضي إلى الملل وترك العمل.

قال ابن القيم في كتاب الروح: «والقصد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدل عن الطرفين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: 29)، وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31)، والدين كله بين هذين الطرفين، بل الإسلام قصد بين الملل الأخرى، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين المغالي فيه والجافي عنه، وكذلك الاجتهاد، هو بذل الجهد في موافقة الهدى، والغلو مجاوزته وتعديه، وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، فإما غلو مجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص وينجو منهما في الاعتقاد والنية والعمل إلا من مشى خلف رسول الله r.

وكان هديه r كله قصدًا، فكانت صلاته وخطبته وكلامه نومه وأكله وشربه كلها قصدًا واعتدالًا.

فبهذا ندرك أن القصد يكون في كل أمر، ففي كلامك وحديثك تذكر القصد فلا تطل ولا تخل، وإذا أكلت وشربت فعليك بالقصد، «وما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه» وإذا تحركت ومشيت وركبت فإلى هدف وقصد، وإذا عملت عملًا فعليك بالقصد فيه ليكون ذلك القصد عونًا لك على الاستمرار والعطاء، وتذكر قوله r فيما رواه البخاري ومسلم: «عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل حتى تملوا». وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه، لئلا يكون عملك طفرة وفورة، وسرعان ما تخبو وتتبدد إلى الخمول والكسل.

لأهل الفضل ما فعلوا والمعصوم هو صلى الله عليه وسلم:

المسيرة في طريق الدعوة تلزم صاحبها بأن يثبت على طريق طويل يمتد إلى آخر الأجل، لذلك كان على صاحبها أن يعلم أن ما قدم سيكتب عند الله إن توفرت فيه شروط القبول، وإن ما سيأتي من الأعمال هو محاسب عليه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ... وهذا المنهج يبينه عمر بن الخطاب t مع ولاته على الأمصار وهم من هم، صحابة الرسول r وأصحاب بدر، ومنهم من بشر بالجنة ... سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة وفاتح العراق وإيران، صاحب الدعوة التي ليس بينهما وبين السماء حجاب ... ينم عليه النمامون من أهل الكوفة إلى عمر -بأنه بنى في الكوفة قصرًا وجعل بينه وبين الرعية بابًا يغلق- فهل يسكت عمر؟ لا، فهو لا يكتفي بالخير الماضي، ولا يعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله r، فإذا كان سعد من أهل الخير فيما مضى، فقد مضى ما مضى، ويجب على سعد أن يكون مصدر خير في كل لمحة ونفس.

وعلى غرار ذلك بعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة وأمره إن وجد قصرًا له باب دون الرعية أن يحرق هذا الباب ويرجع ... فذهب فلم يجد إلا دارًا متواضعة بنيت لتمنع ضجيج السوق عند الحكم بين الناس، ومع ذلك نفذ محمد وصية عمر t وحرق الباب ثم رجع إلى الخليفة وأخبره بما شاهد وفعل. فقال الفاروق: «إن سعدًا أصدق مما روي عليه وما بلغني عنه»، نعم هذا سعد، ولم يكن أمير المؤمنين يظن به غير ذلك، ولكن منهجية الخلافة والإمارة حتمت عليه أن يتخذ هذا الأسلوب ولم لا؟ وهو القائل: «انقطع الوحي وتحاسب الناس على ظواهرهم». فإذا كان كذلك فلينتبه كل أمير لمن هم معه ولا يعتمد على ما كانوا عليه فقط من توثيق.

ملاحظة: (قصة حاطب بن أبي بلتعة ليست من هذا الشاهد ولنا معها إن شاء الله وقفة).

اقرأ:

معالم في التربية ... للدكتور عقيل النشمي

أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق والشريعة- جامعة الكويت

الاستفتاء الشعبي ... للدكتور ماجد راغب الحلو

أستاذ القانون العام المساعد بكلية الحقوق- جامعتي الكويت والإسكندرية

زاد المعاد ... تحقيق/ شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط 

أفعال الرسول ... للدكتور محمد الأشقر

تجدها لدى مكتبة المنار الإسلامية في الكويت

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 49

501

الثلاثاء 02-مارس-1971

هل تعلم أن...؟

نشر في العدد 251

92

الثلاثاء 27-مايو-1975

وقفة مع السيرة

نشر في العدد 273

92

الثلاثاء 04-نوفمبر-1975

جلسة مع ابن القيم  - المحبّة