; المصارحة في الخطأ «بحث وتحليل» | مجلة المجتمع

العنوان المصارحة في الخطأ «بحث وتحليل»

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980

مشاهدات 97

نشر في العدد 488

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 08-يوليو-1980

يخشى الكثير من المربين مصارحة إخوانهم بأخطائهم ومرد ذلك الأمر إلى:

«1» يخشى أن يؤثر كلامه عن خطأ أخيه في نفسيته.

«2» يخشى الإحراج فلربما ما يقوله غير صحيح.

«3» استصغار الخطأ وأنه لا يستحق المصارحة فيه.

«4» إن عمله هذا صنف من أصناف الرياء حيث يظهر أمام الأخ بأنه العالم الفاهم.

«5» يخشى المجادلة والرد على كلامه.

«6» يخشى أن يقع فيما وقع فيه أخوه فكيف ينصحه وهو قد يقع مستقبلًا في نفس الخطأ فتنطبق عليه الآية الكريمة ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ (البقرة:44) ... الآية.

هذه الأسباب وغيرها كثير قد يحيكها الشيطان في خلد الأخ المربي ولدفعها وتخطيها نقول: -

«1» إن خشية المربي أن يؤثر كلامه في نفسية الأخ فالواجب على المربي أن يكسر الحواجز والعوائق التي تعيق اندماج نفوسهما بعضها ببعض وأن يسعى بما لديه من حسن معاملة ومشاركة للأخ فيكون له كالشيخ والأستاذ والأب والمساعد له في كل مشاكله فإذا ما وصل الأخ المربي لهذه الدرجة، فإن كلامه ونصحه لأخيه لن يؤثر في نفسيته سلبًا بل إيجابًا بل سيجد أن أخاه يتلهف دومًا لنصحه وتذكيره بأخطائه.

«2» وأما استصغار الخطأ وأنه لا يستدعي النصح فالرد عليه واضح جلي بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تحقرن من المعروف شيئًا» والنصح معروف وإن قل، ومن تابع أخاه في نصحه على الأخطاء الصغيرة نجى أخاه من الوقوع في الأخطاء الكبيرة فلربما أخطاء صغيرة تتجمع عند الأخ تعيقه مستقبلًا عن العمل في سلك الدعوة. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة:7-8).

«3» أما مسألة الرياء فلا أريد الإطالة فيها فما فتئ إبليس -لعنه الله- يصد الدعاة عن العمل والجهاد بحجة أن ذلك من الرياء وقرأت في كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية -رحمه الله- ردًا جميلًا حينما سئل في الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد، فهل قيامه أفضل من... سجوده وهو قاعد أم لا؟ وهل فعله رياء ونفاق؟

«الجواب» بل سجود التلاوة قائمًا أفضل من قاعدًا وهذا ظاهر في الاعتبار فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد، ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل أو غير ذلك فإنه يصليه حيث كان ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس إذا علم الله من قلبه أن يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص، ولهذا قال الفضيل ابن العياض ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، وفعله في مكانه الذي تكون فيه معيشته التي يستعين بها على عبادة الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته ويشتغل قلبه بسبب ذلك، ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيه مردود عليه من وجوه:

«أحدها» إن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه، وإن جزمنا أنه يفعلها رياء فالمنافقون الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء:142) فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يقرونه من الدين وإن كانوا مرائين، لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره الرياء، كما أن فساد ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء، ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رياء للناس.

«الثاني» لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم»

«الثالث» أن شيوع مثل هذا يقضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرونه على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا مسنونًا قالوا: هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم وذمهم فيتعطل أهل الخير ويبقى أهل الشرك شوكة يظهرون الشر، ولا أحد ينكر عليهم، وهذا من أعظم المفاسد.

«الرابع» إن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو يطعن على من يظهر الأعمال المشروعة قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة:79). فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حض على الانفاق في غزوة تبوك جاء بعض الصحابة بصرة كادت يده تعجز عن حملها فقالوا: هذا مراء، وجاء بعضهم بصاع فقالوا: لقد كان الله غنيًا عن صاع فلان فلمزوا هذا وهذا فأنزل الله ذلك وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين الله ورسوله والله أعلم أ هـ «الفتاوى الكبرى / ص ١٣٩».

«4» وأما خشيته من المجادلة وأنه قد يحرج في الرد إذا ما طالت المناقشة فالمجادلة والرد أمر طبيعي لأي إنسان تنصحه لأن كل إنسان يعتقد أن أعماله هي الصالحة، وأنه لا يمكن أن يخطئ وإنما الخطأ عند الناس الآخرين وكذلك هناك أمر آخر أنه بانطلاء هذه الحيلة الشيطانية على نفسه فإنه بالتالي لا يحس بخطئه.

غير أن دور المربي هو في تحسس أحكم العبارة وأقرب المعنى إلى قلب أخيه حتى يوفق إلى إيحاء المعنى المراد إليه بغير أذى من مراء أو انتصار لرأي النفس.

وبذلك قال صلى الله عليه وسلم «المؤمن مرآة أخيه».

«5» وأما خشيته من الوقوع مستقبلًا في نفس الخطأ فهذه أيضا حيلة شيطانية أخرى لصد الدعاة عن النصح، والرد عليها بأن يراقب الأخ نفسه ويجعل في نفسه ميزانًا إيمانيًا حساسًا حتى إذا ما أراد الوقوع فيما نصحه فيه غيره انزجر وارتدع وذكر نفسه بالآية الكريمة ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ (البقرة:44).

وأخيرًا أهدي لمن تربطني بهم رابطة الإيمان والحب في الله هذه الحادثة التي أخرجها مسلم في صحيحه والتي ترى فيها سلوك المربي الكبير محمد صلى الله عليه وسلم مع أصحابه. عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى عليه فيها وفي رواية قال يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين ما يتيم.

فهكذا يربي المربون أتباعهم، يربونهم على الصلابة والقوة ولا يخشون مصارحتهم بأخطائهم، فكما قرأنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي نر إنك ضعيف، في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أنه متابع وملاحظ لأتباعه وأصحابه، ويعرف نفسياتهم وسلوكهم فيعرف الضعيف من القوي وحتى يطيب خاطر من سأله مسألة الإمارة ولا يرد عليه برد جاف بل برد طيب يتقبل معه الرفض لما طلب نرى ذلك بوضوح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم «وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها...» وقوله «وأني أحب لك ما أحب لنفسي».

وهكذا يحرص الدعاة على تربية القاعدة الإسلامية تربية صلبة وأختم مقالي بقول لسيد قطب في كتابه في ظلال القرآن «إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابةً وقوةً ووعيًا».

ونقول أخيرًا إن النصيحة لا تخلو من أمرين: إما أن يكون العيب في الأخ فعلًا فيستفيد الأخ من هذه النصيحة ويصلح عيبه أو لا يكون به هذا العيب، فيستفيد الأخ من تذكيره بأمر هو ملتزم به فتزيده هذه النصيحة ثباتًا على ما هو عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 778

81

الثلاثاء 05-أغسطس-1986

واحة الإيمان: الأخفياء

نشر في العدد 1217

82

الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

منابر الحق.. صور لا تنتهي 2/2

نشر في العدد 1311

69

الثلاثاء 04-أغسطس-1998

المجتمع التربوي (العدد: 1311)