العنوان الملحوظات على الموسوعة الفلسطينية
الكاتب عبدالله الطنطاوى
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مؤلف هذا الكتاب هو الأستاذ زهير
الشاويش، صاحب المكتب الإسلامي للطباعة والنشر في بيروت، ومن إصدار المكتب نفسه،
صدرت طبعته الأولى عام 1986، وطبعته الثانية عام 1987.
يقع الكتاب في طبعته الثانية
في 269 صفحة من القطع الكبير، ويتألف من هذا الإهداء الجميل المعبر:
«إلى الشهيد المجهول الذي جاهد في فلسطين لإعلاء كلمة الله، وأخفى ما عملت يمينه
حتى لا تعلم شماله»، ومن مدخل فيه إشهاد الله تعالى على العرب، فقد أطلعهم على ما
يحاك ضدهم وضد مقدساتهم وقيمهم وأرضهم وتاريخهم من مؤامرات، وفي المدخل مجمل مكثف
وخلاصة للروح التي سادت في الموسوعة التي «فيها لليهود أكثر مما فيها للعرب.. أعطت
للصهيوني المغتصب أكثر مما يدعيه، ومدحته بما ليس فيه، وحرمت العربي الشهيد من
الإشارة إلى تراب يواريه، ولم تمنحه كلمة تواسيه، بل استلت - عن قصد أو
غير قصد - كل دليل تركه لولده وحفيده يثبت حقه ليطالب به في مستقبل
أيامه، أو يسترده بعد حسامه».
ثم تأتي المقدمة، وفيها بيان لمنهجه
في نقد الموسوعة، ويتلخص في «لفت النظر إلى ما حوت من أخطاء أكثرها فاحش، وما
أغفلت من مهمات الأمور» وقد جاء هذا على شكل «سوانح عجلى من عفو
الخاطر» دون أن يغفل عن نقل الكلام الذي يعترض عليه بين هلالين، ثم يأتي
الاعتراض وبيان وجهة نظره.
يتناول الكاتب الموسوعة فصلًا فصلًا،
بل صفحة صفحة، ويبدي ملحوظاته عليها، حتى استوفى أكثرها، وكلها تصب في خانة
العلمانية المعادية للإسلام، من طغيان الوطنية الضيقة على القضية الفلسطينية
وحصرها فيها، وإهمال لذكر الصحابة الكرام، والفاتحين منهم بشكل خاص، وعدم ذكر
البطل صلاح الدين الأيوبي، بشكل مناسب، أو التنويه به عند ذكر قلعته في حين نرى
الموسوعة تترجم للعديد من الشخصيات الصهيونية وسواهم «ممن ليس لهم في فلسطين
خبر أو أثر»، وإغفال إعلام الجهاد وأكثرهم من مشايخ المسلمين وعلمائهم، وإذا ذكرت
بعضهم فلهدف غير نبيل، كالتشكيك في العلاقة بين الشيخ عزالدين القسام والحاج أمين
الحسيني أو كالعلاقة بينهما وبين الشيخ كامل القصاب، وهذا وغيره من أجل تشويه
الحركة الجهادية ورجالها المخلصين، بل بلغ الإجحاف «العلماني» بالموسوعة
أن تغفل رفع سيدنا المسيح إلى السماء وكذلك حادثة الإسراء والمعراج، إلى جانب
التحامل على كل ما يمت إلى الإسلام والمسلمين بصلة، كالتحامل على عشرات المؤتمرات
ذات الصبغة الإسلامية، وعدم الإشارة إلى الكثير منها، كمؤتمرات جمعية الشبان
المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين وسائر الجمعيات والهيئات وروابط الطلاب والعمال،
وكلها كانت تعمل من أجل القضية الفلسطينية التي اعتبرتها قضيتها الأولى، وعندما
كانت تتحدث عن بعض المؤتمرات، فإنها كانت تتجاهل الأصوات الإسلامية فيها.. والموسوعة
لم تذكر فتاوى علماء المسلمين في تحريم بيع الأراضي لليهود، مع إن تلك الفتاوى
كانت ذات دوي وأثر كبير في منع تسرب الأرض لليهود، كفتوى الحاج أمين الحسيني
سنة 1922، وفتوى جمعية العلماء بدمشق سنة 1937 وفتوى
الأزهر، «ومثل ذلك قل عن فتاوى تحريم الصلح مع إسرائيل من علماء الأزهر
وفلسطين والشام وبغداد والنجف والموصل والهند والمغرب».
و«لقد أساءت الموسوعة إذ لم تترجم
لجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام، الذين عاشوا في فلسطين» و«كذلك لم تترجم
الموسوعة لمن خلدت الكتب السماوية ذكرهم ومعاركهم وأخبارهم وحياتهم مع أنها كانت
في فلسطين مثل طالوت وجالوت» كما «أن ما ذكر في الموسوعة عن الرسل
والأنبياء كان مما لا يجوز أن يقال عن الناس العاديين، فضلًا عن رسل الله
المكرمين» كاعتبار بعضهم أبناء زنا، وكارتكاب بعضهم خطيئة الزنا من أبنائه،
كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبًا من أكاذيب اليهود وصنائعهم هنا
وهناك وكذلك إنكار الموسوعة لمعجزات الأنبياء، كشق البحر لسيدنا موسى، وربما كان
إغفال رفع السيد المسيح إلى السماء، وعدم ذكر الإسراء والمعراج لنبينا محمد r، من
هذا القبيل.
ومن هذا الباب ذاتكم الباحثان عن «البابية»
و«البهائية» والزعم بأن كلا منهما عبارة عن «مذهب ديني ظهر في إيران» أو «حركة
دينية» ظهرتا في إيران، إقرار من الموسوعة بأنهما كسائر الأديان السماوية،
وعاشت علمانية الموسوعة في أوساط المجوس واليهود والصليبيين.. إن الموسوعة لم
تعرف بالمذاهب الإسلامية، وكانت مشغولة بالتعريف بالبهائية والبابية والأوثان
والفرق الوثنية المالكة.. ويبدو أنها أحسنت في هذا، لأن علمانية «علمائها» تجهل
الإسلام وفرقه ومذاهبه، فهي مثلًا عندما تكلمت عن الحج، في الجزء الثاني
ص 141، جاءت بكلام لا يمكن أن يصدر عن مسلم أو عن مطلع أي اطلاع على الثقافة
العربية والإسلامية، وسوى ذلك مما حشيت به الموسوعة من الأخطاء الكبيرة فيما له
علاقة بالإسلام والمسلمين، تجاهلًا أو طعنًا أو تحريفًا أو جهلًا علمانيًا مجيدًا.
هذا المسار المعادي للإسلام، يقابله
مسار آخر فيه كل ألوان الثقافات التي تصدم مشاعر العرب والمسلمين، فالموسوعة تنهل
من معين الموسوعة الصهيونية والموسوعات الأخرى غير العربية والإسلامية، فتركز على
بعض المنظمات الصهيونية، تعرف بها وبمؤسسيها في «تجرد» علماني مذهل، بل
إنها تعرف من ليس له أي صلة بفلسطين وبقضية فلسطين، «ومن الحب ما
قتل..» ودفاع الموسوعة عن «بروتوكولات حكماء صهيون» وبراءة اليهود
منها مثيرة «للإعجاب».
فإنني عندما شرعت في
قراءة «ملحوظات» الأستاذ زهير الشاويش هالني ما جاء في المقدمة وظننت ظن
السوء بكاتبها، وقلت: لعله يبالغ، لعله متعجل، لعله ولعله... وبعد
التوغل في «الملحوظات» والعودة إلى «الموسوعة» وجدت الكاتب
على الحق، بل ربما عتبت عليه تهاونه في بعض القضايا التي لمسها لمسًا خفيفًا، وكان
الواجب أن يقول القوم الصارم المسلول على كل من يمس الإسلام وتاريخ المسلمين
وجهادهم المشرف عبر الزمن.. علمًا بأن الكاتب لم يقصر في الكشف عن تحامل
الموسوعة على كل ما هو إسلامي في القضية الفلسطينية وسواها، محاولة بذلك عزل
التيار الإسلامي وإخراج الحركة الإسلامية خارج إطار القضية الفلسطينية.
كما فضح كثيرًا من ترهات الموسوعة،
وسخر منها وأضحكنا عليها ولكن في مرارة، وخاصة في تبنيها للعديد من مقولات بني
صهيون، مخالفة في ذلك ما صح تاريخيًا، وما جاء في القرآن الكريم والسيرة النبوية.
ولقد بدا الكاتب عالمًا متمكنًا من
معلوماته الدينية والتاريخية والجغرافية، بحيث يخرج قارئ ملحوظاته بحصيلة علمية
ثمينة، يقطف من كل بستان من بساتين العلم زهرة بل زهرات إلى جانب المتعة العقلية
والنفسية التي يستشعرها كلما أوغل في الكتاب.
إن الكاتب عالم متمكن، وذو اطلاع طيب
على أكثر الأحداث العصرية وما يحيط بها من ملابسات حتى إنه ليستظهر كثيرًا من
المعلومات عن ظهر قلب لما لهذه القضية من أهمية امتلكت عليه جوانب نفسه، وغدت همه،
منذ أن عايشها في شبابه المبكر، فخاض غمار معاركها مع مجاهدي الإخوان المسلمين
بقيادة الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، وفي جيش الإنقاذ، وكان له ولإخوانه
المجاهدين جولات وصولات يعرفها الإنجليز والصهاينة والعملاء وأصحاب الموسوعة، قبل
الأصدقاء والإخوان وإغفال الموسوعة لجهاد أولئك الأبرار لن يضيرهم في شيء.
أقول: بدا المؤلف عالمًا
وكاتبًا محاجًا وحارسًا أمينًا يذب عن الإسلام والمسلمين كيد الكائدين وعدوان
المعتدين، يفضح تدليساتهم وتلبيساتهم مقارعًا ادعاءاتهم بحجج علمية منطقية
وتاريخية موثقة... وهو- في الوقت ذاته- لا يغادر طبعه من سخرية
بالمتعالمين والمدعين وقوة على المجحفين، وخفة دم فيما يستدعي خفة الدم، كل ذلك في
رشاقة أسلوب وطرائق عرض يأتي على السجية أحيانا، حتى إن قارئه لا يحس بملل أو سأم
أو ثقل وهو يطالع هذا الكتاب الكبير، مع أن القرف من الموسوعة يصاحب القارئ منذ
بداية الكتاب المطبوع على الصدق والغزارة في المعلومات والمعارف والمشاعر معًا.. غنى
وتنوع لا تجدهما عند غير أمثال الشاويش الذي كان ولا يزال له سبح طويل في بحار
المعرفة، منذ يفاعته، ومعايشة واعية عميقة لواقع أمتنا، ولطبيعة أعدائنا ووفاء
نادر هذا الدين وللعاملين له، ولقضية فلسطين التي كان من رجالها والخادمين
لتاريخها ومقدساتها، في حين كان بعض كتبة الموسوعة حيث يعلم الله والراسخون في
معرفة خبايا «الرجال» الذين يتشدقون ويزعمون ما يزعمونه
من «نضال» علماني في سبيل فلسطين، ليظهر جليًا في التنكر لكل من أحسن
إلى القضية أو إلى الموسوعة أو إليهم بالذات.
إننا- وبعد التجارب التي عشناها
وعرفنا مثيلاتها من أدعياء الموضوعية من «العلمانيين»- لم نعد نستغرب
صدور ما صدر عن هؤلاء في موسوعتهم، لأن علمانيتهم وتقدميتهم وموضوعيتهم المزيفة،
تقودهم- على عماها- إلى ما تقودهم إليه من بعد عن الموضوعية، ومجافاة
للحقائق التاريخية الموثقة من عند رب العالمين، ثم من عند عباده العلماء المختصين
في ضروب الحضارة الإسلامية وغير الإسلامية.
ولعل خوف
هؤلاء «العلمانيين» من الاتهام بالرجعية والطوباوية وسواهما، يجعلهم
ينأون عن «توثيق» رب العالمين، وتوثيق عباده العلماء المخلصين، ويجعلنا
نقول مع الأستاذ الشاويش: «إن الموسوعة أشد ضررًا على قضية فلسطين من كل ما كتب
حتى اليوم عنها، بل لعلها أخطر من الموسوعات التي دس فيها الحاقدون من الصهاينة
ومختلف الأمم الكثير من التشويه لتاريخ العرب والإسلام» ويجعلنا- أخيرًا- نقترح
إتلاف الموسوعة، وتكليف علماء أتقياء مختصين مخلصين لتأليف موسوعة جديدة تكون
موثوقة أولًا، وتخدم القضية الفلسطينية ثانيًا، ولا تكون معادية للعروبة والإسلام
ثالثًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل