العنوان الملك فاروق في مذكراته صورة للحكام العرب في العصر الحديث
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1974
مشاهدات 71
نشر في العدد 217
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 10-سبتمبر-1974
قليل هم الملوك والرؤساء والزعماء العرب الذين كتبوا مذكراتهم في هذا العصر، ومن هذا القليل ملك مصر المخلوع فاروق.
وبالرغم من أن هذه المذكرات قصيرة مبتسرة إلا أنها تقدم صورة عن الحياة التي عاشها ويعيشها من تولوا مقاليد الحكم في البلاد العربية، كما تقدم لنا صورة عن تفكيرهم وتصرفاتهم وعن مدى ما يعرفون عما يجري حولهم من أحداث، وعلى الرغم من قدم هذه المذكرات إلا أنها لاتزال تصور الشخصيات المتعاقبة على الحكم في بلادنا المنكوبة بأمثاله.
فالحياة الخاصة للملك فاروق كما أفصح عنها في مذكراته يندى لها الجبين، ولا نريد أن نخوض فيها لأننا ننزه أقلامنا عن هذا، أما الذي يهمنا أن نشير إليه في هذا المجال فهو تربية أولاد الملك، فقد عهد بها إلى شخصيات جميعها أجنبية ليس من بينها مسلم واحد، لقد عهد إلى الكولونيل لافارج والمدموزيل ديمابر والمس شرمسيد والمدموزيل تابوريه ، لتربية أولاد الملك- ذكورهم وإناثهم «۱» وهم بين فرنسي وسويسري وإنجليزي! وهذا يدفعنا إلى التساؤل: إذا كانت تربية هؤلاء الأطفال من المهد إلى الشباب على يد من لا يكن للبلاد محبة بل يضمر لها الحقد والكراهية، فكيف ستكون عاطفة هؤلاء الأطفال نحو أمتهم ووطنهم؟ وهذا الأمر ينطبق على معظم الحكام في هذا العصر، بل قلد الأثرياء حكامهم في هذا الأمر، فأصبحت المدارس النصرانية التبشيرية غاصة بأبناء المسلمين الذين رأينا ونرى مدى الضرر الذي يلحقونه بأمتهم عندما يتولون مقاليد الأمور فيها .
أما عن معلومات الملك فاروق عن الأمور الداخلية لبلده فأمر يدعو إلى الدهشة البالغة، فهو يؤكد في مذكراته المرة تلو الأخرى أن الإخوان المسلمين شيوعيون، وأنهم يعملون على نشر الشيوعية في مصر، وان الدماء ستسيل أنهارًا في مصر بعد أن يمكن الإخوان المسلمون للشيوعية!! وهذه عبارات مقتبسة من المذكرات: يقول فاروق «من هم الرجال الذين وراء محمد نجيب؟ إنهم عبارة عن مكتب سياسي سري من الإخوان المسلمين، أنهم ينفقون من المال الذي تمده بهم السفارة الروسية بالقاهرة» ص ٥٧ ويقول «كانت روسيا توزع الأموال على أي فريق من دعاة الشغب والثورة من الإخوان المسلمين...» ص ٦٢.
ويقول: «إن الإخوان المسلمين شيوعيون» ص ٦٢.
أبعد هذا جهل ! ملك يجهل أبسط الأمور عن أكبر حركة إسلامية في مصر، التي هو حاكمها، بل والعالم العربي في القرن العشرين. ثم إن هذا ليس شأن الملك فاروق وحده بل إن كثيرًا من الحكام العرب يخبطون في هذا الأمر، أما الذين عرفوا الإخوان على حقيقتهم من الحكام فقد حاربوهم بشراسة وحقد خوفًا على عروشهم وخدمة لموجهيهم من أعداء الأمة الإسلامية .
أما عن التهمة التي وجهها فاروق للإخوان المسلمين بأنهم شيوعيون فقد اتهموا أيضا بأنهم إنجليز مرة وأمريكان مرة أخرى، ولكل تهمة زمن ولكل مجرم حجة هو متذرع بها، وسيبقى الإخوان المسلمون هم الشعلة المضيئة في الظلمات التي تتغشى أمة العرب في هذا العصر، وسيبقون أمل الأمة في النجاة من كل كرب لأن الإسلام الذي يدعون إليه هو الضمان الوحيد لأمتنا والمنقذ الفذ الذي لا غناء عنه.
ويبرز في مذكرات الملك دور أمريكا في انقلاب مصر ١٩٥٢، ذلك أن الملك الساذج اتصل في غمرة يأسه ورعبه بسفير الولايات المتحدة «كافري» لينقذه مما هو فيه، وكان جواب السفير جواب الواثق من نفسه، الواثق من سيطرته على حركة الانقلاب، قال: «سأقيم الدنيا وأقعدها من أجل سلامتك» ص ٧٦، ثم أرسل السفير الملحق البحري في السفارة الذي استطاع ببساطة الدخول من بين القوات الثائرة التي تحاصر القصر لينتظر السفير الذي قدم بنفسه وأخرج الملك من مصر!!
ولم يعد خافيًا على ذي بصيرة اليوم ما كان لأمريكا من دور في تلك الأحداث خاصة بعد أن كتب ذوو الصلة بالأحداث آنذاك الكتب مثل «لعبة الأمم» لمايلز كوبلاند وكما يستشف البصير من مذكرات اللواء محمد نجيب التي نشرت مؤخرًا.
وتطلعنا مذكرات الملك فاروق أيضًا على دور بريطانيا في نشر الشيوعية في العالم العربي، فقد جاء في المذكرات قول الملك: «لقد رجوت السير مايلز لامبسون السفير البريطاني في القاهرة أن لا يحاول إجبار بلادي على قبول إنشاء مفوضية روسية في مصر!!» ص ٦١.
روسيا، عدوة العالم الغربي بأسره، خاصة قبل أكثر من عشرين عامًا، تطلب إنجلترا من مصر، بل تجبرها على قبول إنشاء مفوضية لروسيا فيها! لماذا؟ وما هدف بريطانيا من هذا العمل؟
إن من سياسة بريطانيا التي تكشفت اليوم نشر الأفكار الشيوعية في العالم العربي لنشر الفوضى في البلاد ولتحطيم هذه المبادئ التي يدين بها شعبنا، مبادئ الخير، مبادئ الإسلام العظيم.
ولو تذكرنا أن أقوى حركة إسلامية كانت آنذاك في مصر لأدركنا أن هدف بريطانيا آنذاك كان تشجيع الحركة الشيوعية لتقف أمام مد الحركة الإسلامية التي تنمو بقوة.
إن تشجيع بريطانيا للحركات اليسارية في العالم العربي أصبح حقيقة معروفة، وأن أوضح مثال لها تشجيع الحركة الشيوعية اليسارية في الجنوب العربي، بل تسليمها مقاليد الحكم اليساريين في الجنوب عندما خرجت جيوشها من هناك.
أما عن جهل الملك بالإسلام، الذي هو دينه ودين آبائه ودين الشعب الذي ابتلي بحكمه، فهو مثال لإضرابه من الحكام العرب في هذا العصر، يقول في المذكرات مدافعا عن مباذله : «إن الشريعة الإسلامية تسمح للرجل بأن يتخذ محظيات!» ص١٦
أي جهل هذا؟ لقد ابتليت أمتنا بحكام جهلوا دينهم، فأطلقوا أقوالهم جزافًا، مما أضر بالمسلمين في هذا القرن، ومما فتح لأعداء ديننا الباب واسعًا لمهاجمته، بل إن مثل هذه الأقوال كانت دافعًا لذوي الثقافات المحدودة أن ينفروا من الإسلام ويتنكروا له، وأوقعتهم فريسة للدعاة من أعداء ديننا الحنيف الذين ينتشرون اليوم في بلادنا ويقودون الحملات القاسية ضد إسلامنا العظيم تحت سمع وبصر الحكام من أمثال فاروق! ولا زلنا نفاجأ بين الحين والحين بتصريحات لبعض الحكام كتصريحات فاروق وبأفعال الدين منها براء ويدعون أنها من الدين، وان هذا لهو البلاء المبين.
إن هذه الدراسة المختصرة لمذكرات فاروق أطلعتنا على حقائق لعلنا نستفيد منها في الأيام المقبلة، ولعلها تفتح عيون النائمين، ولعل أمتنا تحول دون أمثال هؤلاء الحكام والحكم فإذا فعلت فإن نصر الله قريب.
أحمد لطفي عبد اللطيف
«۱» للملك فاروق ولد وثلاث بنات.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل