العنوان الملهمون في الحضارات الغاربة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993
مشاهدات 77
نشر في العدد 1032
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 05-يناير-1993
الإلهام: بصيرة إنسانية أم عبقرية
ربانية؟
مفهوم الإلهام وأهميته للأمة
الإلهام كلمة إذا أضيفت للإنسان ينم ذلك عن بصيرة وهاجة، ومؤهلات
فائقة لهذا الإنسان، يستطيع بها الكشف عن خفايا الأشياء بدلالات باهرة، وقدرات
فائقة، وسرعة مذهلة في برمجتها، واستخلاص نتائجها خيراً كانت أو شراً، ولهذا عرفها
اللغويون بقولهم: الإلهام: «ما يبدو في القلب من المعارف بطريق الخير ليفعل،
وبطريق الشر ليترك». واعتبر علماء الشريعة الإلهام عبقرية وإبداع يخص الله به من
يشاء من عباده، فعرفوا الكلمة بقولهم: الإلهام: «هو ما يلقى في الروع بطريق الفيض
- أي عن طريق العون الإلهي». والإلهام على هذا نعمة من الله ومنة من الخالق
سبحانه، ولا يخفى أن الأمة التي يكثر فيها هذا الصنف لا شك في أنها ستكون أمة
محظوظة وملحوظة للعناية الإلهية، فيسلم خطوها ويعلو كعبها فكرياً وحضارياً، نفسياً
وعلمياً وعملياً؛ لكثرة العباقرة، ووفرة المبدعين فيها.
الإلهام الحقيقي والملهمون
المضللون
ويُكتشف الإلهام في الإنسان بالأعمال الموفقة، والأفعال الصائبة،
والإبداعات الفاعلة، التي تصدر عن النفوس الكريمة المطمئنة، والعقول العظيمة
المشعة، لا بالألقاب الجوفاء والكلمات الكاذبة. ويظهر أن كثيرًا من مُلهمي أمتنا
من النوع الأخير، الذي يحب الألقاب بدون الأفعال، والمسميات بدون المضامين، ولهذا
شاءت إرادة الله أن يكون إلهامهم شيئًا آخر مختلفًا، وفيضهم نبعًا آخر متميزًا ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ
الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي
جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأنفال: 37).
إلهامات الهدم وسلوك الأنظمة
الشمولية
سُمي أناس بالملهمين فأعملوا إلهامهم، وألهبوا عبقرياتهم، فتفتقت عن
أشياء مهولة، فمما تمطت وأخرجت مثلاً، الاشتراكية الوافدة، التي سفحت عرق
الواجدين، وطحنت عظام المعدمين، وأخذت تنهب وتغتصب وتحتال وتخطف، تطالب الشعب وتلح
عليه أن يشتري أسهم المصانع والبنوك بعدما هربت رؤوس الأموال أو هُربت، فإذا
أقبلوا على شرائها أُممت المصانع والبنوك!!، وتشجع الناس على إنشاء الشركات
الاستثمارية، فإذا أنشأها الناس وأجهدوا أنفسهم في بنائها استولت عليها، شعروا أن
الناس عندهم أرصدة في البنوك، فأُممت تلك الأرصدة. وضع الناس نقودهم في بيوتهم؛
خوفًا عليهم من ضياع عرقهم وجهدهم، فإذا بتلك الأنظمة تغير العملة لتجبرهم على
إظهارها ثم الإجهاز عليها، تطرد المواطنين من دورهم وبيوتهم؛ لتأخذها مقرًا
لأحزابهم ومنتدياتهم، تستولي على شقق العمارات التي بناها الناس بجهدهم ودمائهم؛
ليسكنها المماليك من أنصارهم، ويقدرون إيجارها بلجان بين أيديهم وبأيمانهم، فإذا
اشتكى أصحاب الشركات والأموال والبيوت وحكمت لهم المحاكم بإعادتها، رفضت السلطة
تنفيذ الأحكام، وادعت أن من حق الدولة أن تنهب وتنصب وتصادر، وتضع الناس تحت
الحراسة، وتجردهم إذا لزم الأمر من أموالهم وثيابهم وأعراضهم!!
تصنيف الناس ومطاردة الإسلام
كما انطلقت تُقَسِم الناس أبعاضًا بإلهامات غير مسبوقة إليها، فهذا
رأسمالي مستغل!، وهذا عدو للشعب ولا حرية لأعداء الشعب!، وهذا مخرب والويل
للمخربين!، وهذا متربص ونحن له بالمرصاد! وهذا برجوازي، ولا بد من رصده، وهذا
بيروقراطي متخلف لا بد أن يتنحى، وهذا ثوري تقدمي ريادي. وتستمر المنظومة إلى
اليوم وعليها مزيد، فهذا أصولي يطارد، وهذا إرهابي لا بد من القضاء عليه، وهذا
متعصب منبوذ، وهذا متطرف أرعن متورط. ثم امتدت منظومة الإلهام إلى الإسلام دين
الأمة وعقيدتها، فأطلقت عليه الألقاب، وخلعت عليه الأوسمة والمسميات، فهذا إسلام
سياسي، وهذا إسلام أصولي، وهذا فكر غيبي، وهذا تراث ظلامي، وهذا فكر رجعي متخلف!!
مناشدة الإلهام الصحيح
وهذه في الحقيقة إلهامات، ولكنها إلهامات شيطانية، ووسوسات إبليسية
يرفعها الله إلى أسفل، وإبداعات لنفسيات أَلْهَمها الله فجورها، ولم يلهمها
تقواها، كما أنها نتاج عقول مرتعشة مخبولة بليت بها الأمة ورزأ بها الناس، وما
زالوا يعبثون ويُلهمون!!، فهل يسمح اليوم لعقول سليمة ونفوس عظيمة تلهم إلهامًا
صحيحًا، وتبدع إبداعًا موفقًا، يرضي الله ويعانق الأمة، ويجمع شتاتها ويوقظ الفكر
الناشط فيها، ويهدي الضال الشارد منها، ويبعث النهضة المستكنة في أعماقها؟، نسأل
الله ذلك.