; المناسبات الإسلامية ليست عبادات توقيفية إحياء «أيام الله» فى أمتنا | مجلة المجتمع

العنوان المناسبات الإسلامية ليست عبادات توقيفية إحياء «أيام الله» فى أمتنا

الكاتب عبدالقادر أحمد عبدالقادر

تاريخ النشر السبت 29-يوليو-2006

مشاهدات 54

نشر في العدد 1712

نشر في الصفحة 52

السبت 29-يوليو-2006

أعتقد أن التذكير بيوم مولده صلى الله عليه وسلم عمل شرعي، وكذا بيوم بعثته، وكذا بيوم هجرته، وكذا بيوم الفتح.. وما بين تلك الأيام من ذكريات، وكذا بكل يوم بعد ذلك كان للمسلمين فيه محنة أو منحة، قال الله آمرًا موسى صلى الله عليه وسلم:

﴿أنَّ أَخرِج قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ (إبراهيم: 5). 

قال صاحب التفسير العظيم ابن كثير في معنى الآية: أي بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه وإنجائه إياهم من عدوهم وفلقه لهم البحر وتظليله إياهم الغمام.

وقال صاحب فتح القدير الشوكاني: أي بوقائعه... العرب تقول الأيام في معنى الوقائع. يقال: فلان أعلم بأيام العرب أو وقائعها... وبنعم الله عليهم، وبنقم الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد.

وقال صاحب التفسير الواضح محمد حجازي: ففي التذكير بأيام الله ترغيب وترهيب، ولقد كان لموسى مع قومه أيام فيها محنة وبلاء وأيام فيها نعم ونجاة. وكلها من أيام الله.

وقال صاحب الظلال سيد قطب: وكل الأيام أيام الله، ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق، بالنعمة أو بالنقمة.

وقال صاحب تيسير الرحمان عبد الرحمن السعدي: بأيامه في الأمم المكذبين ووقائعه بالكافرين؛ ليشكروا نعمه، وليحذروا عقابه، ولهذا امتثل موسى صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فذكرهم نعم الله فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (إبراهيم: 6).

ليس بدعة: إن التذكير بمولده صلى الله عليه وسلم ليس بدعة، فإذا كان المستنكرون للاحتفال بمولده يقصدون ما يحيط بالاحتفال من العبث الرافضي الموروث في بعض بلاد المسلمين، فإن كل مسلم يعرف دينه يستنكر ذلك، فليس الطبل والزمر والتمايل والقفز تذكيرًا، بل إن تلك الأعمال ذهول وبلاهة، لا تمت إلى السيرة العطرة بصلة. 

إن فريقًا من العلماء والمتدينين يرون أن الاحتفالات المحترمة، كإلقاء الخطب وعقد المؤتمرات في ربيع الأول من كل عام؛ تذكيرًا بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم يعد بدعة في دين الله! ويحتجون بأن الصحابة والتابعين لم يفعلوا ذلك. وهذا احتجاج غير صحيح، فإن الصحابة لم يؤلفوا كتبًا في السيرة النبوية. فهل تعد كتب السيرة من البدع؟ وهل ستلقى في النار؟

والصحابة لم يكتبوا المصحف بحروف المطابع، ولم يضعوا نقاطًا على الحروف، ولم يرسموا الحركات، ولم يضعوا أرقامًا للآيات، ولم يضيفوا إلى المصحف اسم المطبعة أو دار النشر، ولم يرفقوا بالمصحف صفحات إرشادية... فهل هذه الأمور تعد بدعًا في الدين؟ أم هل ستلقى المصاحف في

جهنم ؟!

يجب على أهل الفتوى ألا يتوسعوا في الأحكام ببدعية الأشياء الحادثة، ما لم تكن عبادة توقيفية. فإن الأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد نص بالتحريم، أو لم يحصل تعارض مع تشريع. كما يجب أن ينظر إلى الأمور المستحدثة في ضوء المصالح. فحيث وجدت المصلحة فثم شرع الله.

قول مردود

إن القول ببدعية الاحتفال بالمناسبات الإسلامية مردود من عدة أوجه:

الوجه الأول: أن المناسبات الإسلامية لیست عبادات توقيفية.

الوجه الثاني: أن الدليل السلبي بعدم احتفال الصحابة والتابعين بالمناسبات الإيمانية - أيام الله - يصطدم بالقاعدة الشرعية أن الأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد نص بالتحريم.

الوجه الثالث: أنه تحريم بغير نص وقول على الله بغير علم.

الوجه الرابع: الأمر الإلهي لموسى عليه السلام أن يذكر قومه بأيام الله، وهو

أمر لنا، لم ينسخ .

طرفة

سمعت أحد الأطفال في المرحلة الابتدائية وقد ذعر من كثرة ترديد معلمه لكلمة «بدعة» يقول: إن وجودنا الآن بدعة! فسألته: لماذا؟ قال: لأننا لم نوجد في زمن النبي والصحابة والتابعين!. 

إن الطالب معذور وعلى معلمه يقع اللوم، ولم يعد هذا الطالب يعبأ بما يقوله معلمه بعد ذلك ببدعية شيء!

بدعة ببدعة

من مشاهداتي وجدت القائلين ببدعة إحياء المناسبات الإيمانية والذكريات الإسلامية يهملونها في وقتها وفي غير وقتها! لا يحتفون بالإسراء والمعراج في رجب؛ إعراضًا عن بدعة، ثم لا يتحدثون عن الإسراء والمعراج في غير رجب! وكذلك مضت حالهم إزاء يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكريات أيام بدر والفتح أو الهجرة وغيرها من الأيام العزيزة!.

لقد وقع هؤلاء في بدعة، وهم يظنون أنهم يعالجون بدعة!! فلقد أهملوا أمرًا مشروعًا  ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (إبراهيم: 5).

عاشوراء

لقد أحسن الذين يحتفلون بعاشوراء؛ تذكيرًا للمسلمين بيوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه. فهل نحتفل بيوم لبني إسرائيل، ولا يحق لنا أن نحتفل بيوم من أيامنا؟ هذه الاحتفالات المحترمة بيوم عاشوراء امتداد للهدي النبوي بصوم ذلك، فسن صيام يوم قبله أو آخر بعده، وقال لليهود: «نحن أولى بموسى منكم» (البخاري) 

أيام وأيام: إن لأمتنا أيامًا عظيمة وأيامًا أليمة، يجب ألا ننساها. وحتى لا ننساها يجب أن نعمل لها وسائل احتفال محترمة، تليق بجلالها، ولن يؤاخذنا الله بما يفعل سفهاؤنا من الدراويش والمجاذيب والسذج. 

إن لأمتنا أيام انتصارات وأيام هزائم، وكلها عظات وعبر ومنافع. فيوم أحد كيوم بدر في العظة والاعتبار، وكذلك يوم فتح الأندلس ويوم الخروج منه، ومثلها يوم الخامس من يونيو سنة ١٩٦٧م ويوم العاشر من رمضان عام ١٣٩٣ هـ.. إنني لن أستطيع إحصاء أيام الله لأمتنا منذ عصر النبوة وإلى يوم اجتياح اليهود لما بقي من الأرض الإسلامية في فلسطين بعد انتفاضة الأقصى، ولم نقدر على شيء لنردهم عن إخواننا وعن أرضنا!.

إن العلماء المسلمين يجب أن يعدوا الدروس المستفادة من كل فتح ونصر، ومن كل هزيمة وقهر، من كل حدث في ذكراه؛ ليقدموا للمسلمين زادًا يؤهلهم للمعيشة اليقظة في زمانهم الحاضر، ويؤهلهم كذلك لوضع الخطط المستقبلية لأجيالهم.

إنهم أوعى منا!

إن الأمم الأخرى أوعى منا في هذا الميدان. إنهم يذكرون أنفسهم بأيام الله فيهم، وإن كانوا لا يعرفون الله فيعقدون المؤتمرات، ويصدرون الصحف والنشرات، ويخطبون، ويتحدثون، ثم يضعون الخطط والسياسة للحاضر والمستقبل، مستلهمين بذلك من زعمائهم ومن أيامهم. 

إن الجامعات في العالم بل الوزارات وأجهزة البحث العلمي، تحرص كل الحرص على الاحتفال بمناسبات دولها وهي بذلك تحيي ذاكرة الشعوب، فتبعث فيها الهمة والنشاط لمعيشة حاضرة، رسموها لأنفسهم.. ونحن لم نحسم بعد مسألة الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم تجوز أو لا تجوز !!

الهند مثلًا تحتفل سنويًا وعشريًا وفضيًا وذهبيًا بزعيمها غاندي. وها قد وصلت الهند إلى ما وصلت إليه! ونراها قوة دولية محترمة! ولا أريد بذكر الهند أن أعقد مقارنة بين غاندي الوثني ورسولنا صلى الله عليه وسلم ولكني أعقد المقارنة بين وعي الشعب الهندي الوثني وذهولنا !!

عفوًا، فإني لا أقول: نتشبه بالهند الوثنية، ولكن ذهولنا ويقظة غيرنا جعلني أتذكر الهند. وربما تتذكر الآن أخي القارئ غير غاندي من زعماء الكفار والضالين. وبالمناسبة أقول: لماذا لا نحتفل بالسيرة العطرة للزعماء المسلمين الربانيين؟! ألا تزال هي الأخرى بدعة وضلالة، وفي النار؟ إلا ما أسوأ بدعتنا! وما أحرق النار التي نكوي بها وجداننا بذهولنا عن السير العطرة!.

وعفوًا مرة أخرى، فإني لا أقصد صناعة تماثيل لزعمائنا الصالحين، مثلما صنع القدامى تماثيل ليعوق ويغوث ونسر، ولكني أقصد ممارسة عمل شرعي، سطره القرآن في مواضع كثيرة، وسجلته السنة الصحيحة، وعلى سبيل المثال لا الحصر تجد فتية الكهف وأصحاب الأخدود وجريج ومؤمن سورة ياسين وذا القرنين.. إنه تراث نحتج به على أنفسنا، وعلى قصور فهمنا. أقصد على بدعنا !

ولد الهدى

ما أعظم يوم مولده بين سائر الأيام. وأعظم به من مولود!

وما أعظم كل يوم خطا فيه على الأرض، يدعو، ويعلم، ويربي، ويجاهد!! 

يجب أن تحتفل الأمة بأيامه صلى الله عليه وسلم احتفالات يحييها قمم العلم والفكر. احتفالات تبثها وسائل الإعلام؛ لتكون للحاضر والباد، وتبليغًا للدعوة في كل واد. 

ويجب أن نحيي أيام الله في أمتنا في مشارق الأرض ومغاربها، ولا علينا من أعمال الجهال. فإن مقاومة الباطل لا تكون بترك الحق. فلولا تنقية الماء ما شربنا .

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (إبراهيم: 5). شرع لنا كما لغيرنا، لم ينسخ، ولم يتبدل.

الرابط المختصر :