العنوان المنافسة التجارية بين شركات التأمين التكافلي والتأمين التقليدي (٢) التعاون التكافلي.. نظام متكامل
الكاتب عبدالحميد البعلي
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2010
مشاهدات 60
نشر في العدد 1899
نشر في الصفحة 37
السبت 24-أبريل-2010
- الزكاة والصدقات والنذور والكفارات والأضاحي.. أهم نماذج التكافل الاجتماعي في الإسلام
- من الوسائل العملية في تحقيق التكافل على سبيل التطوع: الوقف والوصية والضيافة والعارية والهدية
نتناول اليوم الحديث حول حقيقة وصفة كل من التأمين التعاوني التكافلي والتجاري التقليدي وأهم الفروق الجوهرية بينهما، وفي البداية نلقي الضوء حول مقصود التكافل في الإسلام وما يهدف إليه لنجلي الصورة قبل أن ندخل في مقارنة بين نظامي التأمين.
أ.د. عبد الحميد البعلي (*)
(*) الخبير الاقتصادي المعروف - الديوان الأميري
تعريف التكافل: يقول الشيخ محمد أبو زهرة يرحمه الله (۱):
يقصد بالتكافل أن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد ودفع الأضرار. ولعل أبلغ تعبير جامع لمعنى التكافل الاجتماعي قوله صلي الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
ويُظهر الشيخ محمد أبو زهرة يرحمه الله (2) معنى جميلًا فيما أثر عن عمر رضي الله عنه «فقد روى مالك في الموطأ أن رجلًا اسمه الضحاك ساق خليجًا من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن سلمة فأبى، فكلم فيه عمر فأمره أن يخلي سبيله. فقال: لا والله. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تسقى أولًا وآخرًا وهو لا يضرك، فقال محمد: لا. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به».
ويعلق الشيخ أبو زهرة على ذلك بقوله: ونرى من هذا أن عمر الله لا يكتفي بجعل الضرر سببًا، بل يوجب أن يقوم الإنسان في ملكه بما فيه نفع لغيره ما دام لا ضرر عليه فيه؛ لأن جلب النفع للغير يتضمن دفع ضرر المنع، وبهذا يتبين أن حرية التملك وثبوت الملكية الفردية لا يتنافى مع حقوق الجماعة على هذه الملكية. وما أحسب التكافل والتأمين التكافلي التعاوني إلا ذاك من جلب النفع للغير.
إذن فالتكافل عندنا هو: جلب النفع ودفع الضرر.
وهو نوعان: واجب، ومندوب تطوعًا.
التعاون التكافلي يتجلى كنظام متكامل في:
١ - الزكاة نموذج التكافل الاجتماعي الواجب:
الزكاة عماد التكافل في المجتمع المسلم وأنه بتحديد مصارفها على النحو الذي جاءت به الآيات القرآنية الكريمة لا يترك ثغرة ينفذ منها إلى العلاقات بين الأفراد في المجتمع لسبب من الأسباب، وإنما الجماعة مع كل فرد فيها والفرد فيها في سبيل الجماعة (۳) والإسلام باستهدافه مباشرة العلاقات الإنسانية في ذاتها عن طريق فرض الزكاة يريد أن يؤكد هذا الجانب في روابط المجتمع ويجعله جانبًا أصيلًا فيه.
فالزكاة إذن ليست تبرعًا مرهونًا بمشيئة الإنسان.. بل هي حق المال، واجب الأداء ويقاتل الإمام من امتنع عن أدائها.
وحديث أبي هريرة، في رواية الجماعة عدا ابن ماجه.. لا يترك مجالًا للشك في أنه واجب على الإمام وواجب على الأمة.. قتال مانعي الزكاة، ونصه (4)
«لما توفي رسول الله ، وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر.. موجهًا الكلام إلى أبي بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم من ماله ونفسه.. إلا بحقه، وحسابه على الله تعالى» فقال «أبو بكر»: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.. والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.. فوالله ما هو إلا قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال...فعرفت أنه الحق».
وكذلك حديث عبدالله بن عمر، فيما أخرجه البخاري ومسلم، قال رسول الله في:: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله.. وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة.. ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم.. إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
فالزكاة إذن ضرورة من ضرورات المجتمع الإسلامي، وما يسمى بالرعاية الاجتماعية في المجتمع الحديث ثم المعاصر. جانب من جوانب عديدة أمر الإسلام بوجوب العناية بها، قبل أن ينظر فيها المجتمع العلماني وينظمها المجتمع الاشتراكي الماركسي.
وسائل أخرى
2- أهم الوسائل الأخرى لتحقيق التكافل في الإسلام (5)، من أهمها ما يأتي:
- النذور: يقول الله تعالى: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ (الحج:٢٩).
- الكفارات وهي بإيجاز:
- كفارة اليمين: يقول تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطُ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كسْوَتُهُمْ ﴾ (المائدة: ۸۹).
- كفارة قتل الصيد في الإحرام بالحج: يقول تعالى: ﴿أَوْ كَفَارَة طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (المائدة: ٩٥).
- كفارة من يفطر في رمضان لمرض أو شيخوخة ولا يستطيع القضاء، يقول تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينِ ﴾ (البقرة: ١٨٤).
- كفارة من يحلق رأسه في الإحرام بالحج: الصدقة أو الذبيحة، حيث يقول تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ (البقرة: ١٩٦).
-كفارة الظهار: يقول تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ ستين مسكينًا ﴾ (المجادلة:٤).
- كفارة من يفطر في رمضان عمدًا: إطعام ستين مسكينًا.
- الأضاحي: يقول تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ (الكوثر:3).
- صدقة الفطر لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير على العبد الحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين «رواه البخاري ومسلم». ومن الوسائل العملية في تحقيق التكافل على سبيل التطوع والاستحباب ما يلي: - الوقف الذري والخيري.
- الوصية في حدود الثلث، وقد ثبتت الوصية بالقرآن والسنة. يقول تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:۱۸۰).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» «رواه البخاري ومسلم».
- الضيافة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» «رواه البخاري ومسلم».
- العارية: وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: استعار فرسًا من أبي طلحة فركبه واستعار درعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال له صفوان أغصبًا يا محمد أم عارية؟
فقال: «بل عارية مضمونة».
- الهدية أو الهبة: لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا» «رواه البخاري في الأدب المفرد برقم ٥٩٤ ص ١٥٥، ط. السلفية وجوده السخاوي في المقاصد ص١٦٦، ط. الخانجي»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها»«رواه البخاري».
أصل تاريخي
الأصل التاريخي للتأمين يثبت أن التأمين يجمع بين الفكرة الاجتماعية والأسس الفنية:
١- الفكرة الاجتماعية في التأمين:
والتي تقوم على عنصرين هما:
أ - الاحتياط للمستقبل.
ب - التعاون المسبق قبل حلول الكارثة بين الأشخاص المعرضين لوقوعها على تفتيت آثارها وتوزيع عبئها فيما بينهم.
٢- الوسائل أو الأسس الفنية في التأمين: وسائل علمية عملية فنية عن طريقها يمكن
معرفة:
أ- عدد مرات وقوع الخطر المؤمن منه والمحتمل وقوعها ودرجة جسامتها.
ب- مقدار الأضرار الناشئة عنه.
جـ- مقدار القسط الذي يمكن تحصيله من المؤمن لهم ليكون كافيًا لسداد مبالغ التأمين المستحقة.
إذن.. يجب التفريق بدقة بين عقد التأمين وبين فن التأمين أو عملية التأمين.
٣- النظم العملية لتحقيق فكرة التأمين والهيئة المنظمة لعملية التأمين وحقوق وواجبات راغبي التأمين من خطر معين وكيفية انتفاعهم بالخدمة التأمينية عند وقوع الخطر.
وهكذا تتجلى وظائف التأمين وفوائده إجمالًا:
الهدف الأساسي هو توفير التغطية التأمينية للأفراد أو المنشآت من نتائج الأخطار المختلفة التي تواجهها سواء كانت أخطار أشخاص أو ممتلكات أو مسؤولية مدنية، وبذلك يعتبر التأمين عاملًا مهمًا في توفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ يعتبر أداة فاعلة في تجميع المدخرات ومن ثم الاستثمار وزيادة الإنتاج، وبذلك يتحقق التكامل في المنظومة المالية والاقتصادية من البنوك والاستثمار والتأمين بأبعادها الاجتماعية.
فوائد التأمين
- حفظ رؤوس الأموال المنتجة والمساعدة على إعادة تكوينها في حالة حدوث أي تلف بها.
- تشجيع الادخار ممثلًا في أقساط التأمين.
- الإسهام في التنمية عن طريق استخدام أموال التأمين في تمويل المشروعات.
- الأمن من الخوف.
الهوامش
(۱) التكافل الاجتماعي في الإسلام، ص ٤ بتصرف، ط. دار الفكر العربي القاهرة.
(۲) المرجع السابق، ص ۲۰.
(۳) د. محمد البهي الفكر الإسلامي في المجتمع المعاصر ص ۳۸۰ وما بعدها، ط. دار الفكر، بيروت.
(٤) نيل الأوطار، ج4، ص ١٢٧.
(٥) عبدالله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي في الإسلام، ص۷۷، ط. دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة.
(٦) ثبتت بالأحاديث الصحيحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل