; المناهج التعليمية لماذا لا تؤدي رسالتها؟ | مجلة المجتمع

العنوان المناهج التعليمية لماذا لا تؤدي رسالتها؟

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1973

مشاهدات 173

نشر في العدد 141

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 13-مارس-1973

المناهج التعليمية لماذا لا تؤدي رسالتها؟! والجواب يسير.. والتسليم به عسير.. والعمل أشد عسرة عند كل بصير.. انعدمت ثقتنا بما لدينا، ووثقنا بما قدم لنا أعداؤنا، فاغترفنا من علومهم، ونهلنا من مناهجهم، وسلمنا بنظرياتهم، فما أفلحنا! قامت حضارة الغرب على المادة، وعلى أساسها عوامل الإنسان، فتحطم الإنسان! والمحزن.. أنه في اللحظة التي أفلست فيها حضارة المادة، في صنع الإنسان السعيد، بدأنا نهضتنا باقتفاء أثرها، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلناه! ولیس إفلاس حضارة المادة في إسعاد الإنسان من زعمي، ولكن ها هو أحد أساطين الطب والعلم والفلسفة، الدكتور «ألكسيس كاريل» يقول في مقدمة كتابه «الإنسان ذلك المجهول» ما نصه: «قد بدأنا ندرك مدى ما في حضارتنا من ضعف، وكثيرون منا يرغبون في أن يلقوا عنهم التعاليم، التي فرضها عليهم المجتمع الحديث، ولهؤلاء كُتِب هذا الكتاب، كذلك كتب لأولئك، الذين يجدون من أنفسهم شجاعة كافية، لا ليدركوا ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية فحسب، بل ليدركوا أيضًا ضرورة قلب الحضارة الصناعية، وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري» انتهى بنصه. أما من هو «ألكسیس كاريل»، وهل لرأيه سند من العلم والتجربة؟ فيجيب هو مزكيًا نفسه وليعلم الناس من أي نبع يستقي.. قال: «كان من حسن حظي أن أتاح لي مركزي أن أدرس -من غير بذل أي جهد أو مطمع في ثناء- ظواهر الحياة في تعقيدها المخيف، فلاحظت كل وجه من وجود النشاط البشري بصفة عملية، كما أنني عليم بكل ما اكتنف الفقير والغني، الصحيح والسقيم، المتعلم والجاهل، ضعيف العقل والمجنون، الذكي والمجرم... إلخ، كذلك فإنني أعرف الفلاحين ... الكتبة وأصحاب ... الماليين وأصحاب المصانع ... ورجال الحكم الجنود أساتذة الجامعات، المدرسين ... الدين، البورجوازيين والأرستقراطيين ولقد ألقت الظروف في طريق الفلاسفة ... والشعراء والعلماء، عباقرة والقديسين، كما ... في الوقت نفسه التركيب ... الغائر في أعماق ... وتلافيف المخ، الذي في الحقيقة الأساس العميق ... العضوية والعقلية» ... بنصه والآن.. وبعد إفلاس ... وشهد على إفلاسها ... من أهلها.. لماذا نسعى ... ونقدس آراءها، ... مناهجها؟! إن زعمنا أننا أخذنا خير ...، وانفردنا عنها بمناهج ... الإسلامية واللغة... فقد كذبنا على أنفسنا ... من وثقوا بنا. ودليلي على ذلك، التجربة واقع.. أما الواقع . . . ... لا ينكره ذو قلب وعينين وأما التجربة فقد جربنا في عام طريقة، وفي كل بلد ... نظرية وزعمنا أنها حقيقة، ثم تبين أنها ليست حقيقة.. وتخبطنا وما زلنا ... ولن نزال حتى نؤمن ... لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ... عليم. فإلى متى...؟ إلى متى نجعل من أنفسنا ... على الناس؟ إلى متى نجعل من أنفسنا وأبنائنا وأوطاننا حقلا للتجارب ... فشلت واحدة أتينا بأخرى ... أكثر النظريات، وما أسوأ ...... مناهج التعليم، طرائق التدريس، حتى علم النفس التربوي الذي له الخطوة في التوجيه كل ذلك منقول عمن ... ديننا دينه، وعاداتنا عاداته. علم النفس التربوي ... ... من أمه وأبوه؟ أروني ... واحدًا وضع أسس هذا ... في شكله الحديث سيقولون: هذا علم.. العلم لا دين له ولا وطن. وأقول: نعم.. هو علم.. ولكنه علم ما يصلح النفس وما يفسدها والعلم بهذا الحد شرع.. ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: 21) رأيت فيلما مدرسيًا للتوعية الثقافية والصحية يقوم فيه أحد الطلبة بأعمال اليوم والليلة بشكل نموذجي يقتدي به، وجمع الفيلم كل مظاهر السلوك الحسن، واعتنى بوجوب النظافة وتنظيم الوقت. غير أنه في الأربع والعشرين ساعة التي مرت على صاحبنا ولم يترك فيها صغيرة ولا كبيرة إلا علمها إخوانه، نسي أو نسی المؤلف والمخرج أن يجعلاه يركع ركعة واحدة لله أو يتوضأ وضوءا واحدا للصلاة. هذا أمر غير وارد في الذهن ولا داخل في حساب التربية. لم ينس الفيلم أن يعلمنا كيف يغتسل التلميذ جيدًا ويمضي معنا في كيفية تنظيف كل عضو بإتقان، ولكن التلميذ - النموذج - عندما استيقظ من نومه مبكرًا في الصباح لبس الروب وغسل وجهه جيدًا جدًا بالماء والصابون وقام ببعض الألعاب الرياضية بدلًا من الصلاة - ثم لبس ملابسه وتناول طعام الإفطار بالشوكة والسكين ومن آداب الطعام التي علمنا إياها «الأكل باليسرى» لماذا ... هكذا يفعل الغربيون، ونحن على آثارهم مقتدون!! فكيف نرجو لأنفسنا فلاحًا ولجيلنا نجاحا ونحن نغرس في نفسه تقدیر أعدائه وتعظيم من هم على غير دينه . إن التفرد والاستقلال في الدين واللغة والعادات أساس تقدم كل أمة، فإن الإحساس بالتميز يزرع العزة في النفس ويوحي بالثقة، ويدعو إلى التجديد والابتكار. وما ذكرته مثال.. وإلا فهناك الكثير ومن ذلك نشيد عمم على المدارس ومطلعه: قسما بالله وبالعلم قسما بالسيف وبالقلم مع أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» فكيف نعلم أبناءنا الشرك ونخدعهم؟ كم اعتنينا بصحة أبنائنا وتغذيتهم وتوفير الراحة لهم. وكم رصدنا لذلك من أموال.. فهل أعطينا حقيقة إنسانيتهم بعض ذلك الاهتمام وأنفقنا شيئًا من الأموال؟ في بعض المدارس مشرفون اجتماعيون مهمتهم حل عقد التلاميذ والتعرف على مشاكلهم النفسية الخاصة ومحاولة توجيههم الوجهة الصحيحة. وهذا عمل جيد، ومركز ضروري وحساس، ولكن ... فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه فما لم يكن هذا المشرف عارفا بربه، ملتزما بدينه، عالما بطرق تهذيب النفس البشرية كما أمر الله ورسوله لا كما وضع علماء النفس المحدثون... فلن يفلح... وإذا التزم هنالك تؤتي جهوده ثمارها، ویزکو على يديه بإذن الله من أعجز غيره في محاولة إصلاحه بغير منهج الله. ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (فاطر:41-44) مناهج التربية الإسلامية ليست التربية الإسلامية نصا يحفظ ولا فقها يعرف، ولكنها سلوك عملي، وإيمان قلبي، وانشراح القلب بذلك الإيمان، وتهيؤ الجوارح لذلك السلوك. وكل ذلك يتطلب البيئة المتكاملة المتعاونة على أحداث ذلك الأثر. لا ينبغي أن تكون التربية مادة الرسوب أبدا، ولا إرهاقا أو إرهابًا للطالب مطلقًا، ولا ملاحقة للمدرس بتحضير أو تفتیش أو إلزامه بطريقة محددة إطلاقا، فكل ذلك جرب ولم يجد ولن يجدي. فإن القلوب لا تفتح إلا بمفاتيحها والبيوت لا تؤتى إلا من أبوابها ويقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «تلقينا الإيمان قبل القرآن» ولقد صدقوا رضي الله عنهم فكم من تال للقرآن والقرآن يلعنه وكم من معلم للصلاة والصيام وما صلى لله ولا صام.. ولكنه مدرس.. قيل له: درس فدرس ... وبذرة الحنظل لا تنبت إلا حنظلا، ولئن طمعنا منها أن تخرج لنا عنبا فقد جهلنا. فماذا تنتظرون؟ إن الأمر لا يحتاج أكثر من عزمة صادق جريء في الحق وبالحق وللحق، يحدث بإذن الله تغييرًا جذريًا في مفاهيم التربية والسلوك، ويعيد النظر في كافة الطرق العقيمة فينسفها من أساسها ويقيم على أنقاضها بناء أسس على التقوى من أول يوم، فذلك أحق أن نقوم فيه، وإلا فإننا نزرع شقاءنا بأنفسنا، ونخرب بيوتنا بأيدينا، فإن أبناءنا اليوم هم رجال المستقبل، وعليهم بإذن الله المعول في استمرار المد الإسلامي وتحقيق عزة المسلم، فما لم يكونوا مسلمين، فلن يكونوا أطباء ولا مهندسين ولا علماء أو قادة عاملين مخلصين.. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ﴾ (الأنفال: 53) قال أحد الحكماء: «ولا تعلموا السفلة العلم» ولقد صدق... فإن العلم يمنحه السيادة وإذا ساد وهو منحط الخلق فانظر ماذا ترى...؟ ورحم الله من قال: إذا لطف الله اللطيف بلطفه وألفيت أهلًا للعلوم وللحكم نشرت مفيدا أو استفدت ... وإلا فمحزون لدي ... فمن منح الجهال علما ... ومن منع المستوجبين فقد ... والمقصود أن تكون ... التربية الإسلامية ... تربية فعلية لا يترتب عليها رسوب التلميذ إن لم يحفظ نصوصها، ولتوضع ... جديدة لهذه المادة، يكون من أهدافها إحساس التلميذ بأنها واجب رباني لا واجب مدرسي وأنه مسئول أمام الله لا أمام المدرس، وإن سلوكه ... يخالف ما أمره به ربه ... علیه خسران الآخرة لا ... السنة، وكذلك يراعى في اختيار المدرس، الإيمان والحكمة ويعطى كامل الحرية ... في اختيار ما يصلح وما لا يصلح وبدون ذلك لن يصلح « ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: 89)
الرابط المختصر :