العنوان هل تصدق نظرية (الدومينو) ونشهد انهيار أنظمة روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة قريبا؟ المنظمات الأهلية والثورة البرتقالية في أوكرانيا
الكاتب أسامة عبدالحكيم
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 52
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 28
السبت 12-فبراير-2005
انتهتْ الانتخابات الأوكرانية بزخمها وضجيجها الذي شغل العالم... لكنْ حفلت بأحداثٍ وجوانب مهمةٍ ينبغي الانتباه والتوقف عندها. فقد كشفتْ هذه الانتخابات عن حقيقة الدور السياسي الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية، وبات هذا الدور الذي يتم بصورة علنية أو سرية يقيم حكوماتٍ ويُسقط أخرى كما جرى في صربيا وجورجيا وأوكرانيا في الأعوام القليلة الماضية.
. بدأ نظام المنظمات الأهلية في أوكرانيا في النمو والازدهار منذ عام ١٩٩٢، في ذلك العام تمت المصادقة على مشروع المنظمات الأهلية من قبل مجلس النواب، وحين أقر دستور عام ١٩٩٦ (المادة ٣٦ ) بحق الأوكرانيين في تأسيس الأحزاب والمنظمات غير الحكومية والانتماء إليها، ارتفع عدد تلك المنظمات خلال عقدٍ من الزمن ليزيد على ٣٠ ألف منظمةٍ.
وتلعب هذه المنظمات دورًا بارزً ا في دعم الديمقراطية على النمط الغربي، وحث السكان على المشاركة الفعالة في العمليات الانتخابية وتثقيفهم بحقوقهم وواجباتهم والمتغيرات الجارية في العالم من حولهم. وبذلك أصبحتْ المنظمات غير الحكومية في أوكرانيا جزءًا أساسيًّا من النظام السياسي والاجتماعي، وحصانًا يمتطي ظهره كل صاحب حاجةٍ سياسيةٍ في أوكرانيا.
. التمويل الغربي
حين بدأتْ الولايات المتحدة استهداف أوكرانيا عمدت إلى إغراقها بالمساعدات سواء الحكومية، أوعن طريق المنظمات غير الحكومية، فقد قدمت الولايات المتحدة لأوكرانيا خلال ١٠ سنوات أكثر من ٣ مليارات دولار وذلك بهدف الإصلاح السياسي والاقتصادي. كما قدمت لها مبالغ كبيرة زادت على مليار دولار لتفكيك أسلحتها النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي، وقدمت ٦٣٠ مليون دولارٍ أخرى في شكل مساعدات إنسانية استفاد منها أكثر من ٣ ملايين شخصٍ. وخلال العامين الماضيين قدمتْ الولايات المتحدة ٦٨ مليون دولار لمنظماتٍ غير حكومية مقربة من الزعيم الأوكراني الفائز في الانتخابات فيكتور يوشينكو.
. وعندما سئل الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن هذا المبلغ أجاب بأنه لم يصرف لدعم مرشح دون آخر وإنما لدعم العملية الانتخابية ذاتها.. وفي الإطار ذاته قال كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق: إن ما قامتْ به الولايات المتحدة ليس تدخلًا في العملية الديمقراطية، إنما تضامنٌ دوليٌّ لنصرة الديمقراطية.. عدا المساعدات الحكومية يقدم المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الوطني للديمقراطية، ودار الحرية ومؤسسة جورج سورس المعروفة باسم معهد المجتمع المفتوح، ومؤسسة يورواسية، ومؤسسة وين روك الدولية، وفيلق السلام، ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وغيرها من المنظمات الأمريكية غير الحكومية مساعداتٍ سنويةً بمئات ملايين الدولارات. وتقوم هذه المنظمات بتقديم مساعداتها لأوكرانيا بشكلٍ مباشرٍ عبر ممثليها أو عن طريق المنظمات غير الحكومية الأوكرانية لإكسابها المصداقية والنفوذ. وكانت مؤسسة النهضة العالمية التي يمولها الملياردير جورج سورس أول منظمة
هذه المنظمات أصبحت أداة الغرب في حركة التغيير الكبرى. تقيم حكوماتٍ وتسقط أخرى كما حدث في صربيا وجورجيا وأوكرانيا مؤخرًا
غير حكوميةٍ تفتح فرعًا لها في أوكرانيا، في حين يعتبر المعهد الوطني للديمقراطية الذي ترأسه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة أكبر هذه المنظمات إذ إن لديه أكثر من ١٦٠ فرعًا في مختلف المناطق الأوكرانية يعمل بها ١٨ ألف متطوع. فيما يعتبر فريدم هاوس الذي يرأسه جيمس ويلزي – رئيس المخابرات الأمريكية السابق - أكثرها نفوذًا. وتقوم الولايات المتحدة بصرف هذه الملايين لا من أجل عيون الشعب الأوكراني، إنما تنفيذًا لسياسة أمريكا الخارجية، وخاطب كولن باول تجمعًا للمنظمات غير الحكومية الأمريكية بقوله: إذا كنتم تتلقون مساعداتٍ أمريكيةً فيجب عليكم أن تكونوا جنودًا أمريكيين. وتابع باول كلامه مهددًا هذه المنظمات بأن الحكومة قد تبحث عن منظماتٍ غيرها إذا لم تبد هذه المنظمات علاقةً قويةً بسياسة الولايات المتحدة الخارجية. (نيويورك تايمز) 2004 م.
من هنا جاء وصف الكاتب ميخائيل شوسودوفسكي بعض العاملين في هذه المؤسسات بأنهم عملاءٌ لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ولكنْ بثيابٍ مدنيةٍ.
ولا يقتصر التمويل على الولايات المتحدة ومنظماتها، إنما تساهم كندا والدول الأوروبية بمبالغ كبيرةٍ تضاهي الدعم الأمريكي. وقدمت ألمانيا، بريطانيا، هولندا، الدنمارك، السويد، النرويج، سويسرا، ومنظماتٌ عاملةٌ فيها أكثر من ١٠ مليارات يورو في السنوات الأخيرة.
الإعلام
إدراكًا منها لأهمية وسائل الإعلام في جهودها الرامية للسيطرة على أوكرانيا تقوم المعاهد الأمريكية المختصة والمعهد الأوروبي للإعلام بتدريب صحافيين ومدراء إعلامٍ أوكرانيين عاملين في مختلف الوسائل الإعلامية على تشكيل رأيٍ عامٍ ناقمٍ على الحكومة، والضغط الإعلامي على الحكومات وتشويه صورتها، مطالِبةً إياها بإطلاق المزيد من الحريات وخاصةً في مجال حرية الرأي والتعبير والنشر. وخلال الأحداث الأخيرة تلقى العديد من صحف المعارضة مساعداتٍ نقديةً، ومطابع حديثةٍ وورق طباعةٍ، فيما تلقّتْ محطاتٌ إذاعيةٌ أجهزة بثٍّ حديثةٍ. وبذلك استطاعتْ قوى المعارضة كسر الاحتكار الإعلامي الحكومي والخاص الدائر في فلكها.
. تنفيذ خطة الاحتواء
بعد استكمال بناء البنية التحتية لهذه الشبكة من المنظمات غير الحكومية بدأت الولايات المتحدة في تنفيذ مخططها الهادف إلى احتواء أوكرانيا، وأبرز ما قامتْ به في هذا المجال تشكيل لجنة بولندية أوكرانية أمريكية ( PAUCI ) لنقل تجربة منظمة «تضامن» البولندية لأوكرانيا، وضمان تحويلها إلى دولةٍ ديمقراطيةٍ مزدهرةٍ تمهيدًا لتكاملها مع أوروبا، ومن ثَم ضمها إلى حلف شمال الأطلسي، وتمول الولايات المتحدة نشاطات هذه اللجنة بالكامل والتي تشمل تنظيم ورش العمل التبادل الثقافي الرحلات الطلابية والنشر. كما أطلقت الولايات المتحدة عام ١٩٩٦م مشروعها «قادة المستقبل»، وقد خُصص هذا المشروع للشباب الأوكراني، ويهدف إلى إعداد جيل القادة الجدد الذي تأمل الولايات المتحدة أن يسير بأوكرانيا غربًا. ووفق هذا المشروع تستقبل الولايات المتحدة كل عام ۲۰۰۰ شابٍّ من طلابٍ، ومدرسين، وصحافيين، وأساتذةٍ جامعيين، وفنانين، وغيرهم حيث يتم تدريبهم على مبادئ الديمقراطية واقتصاد السوق، وأسس الإعلام الحر، سلطة القانون، أنظمة الحكم المحلي، تطور النظام الحزبي، إصلاح البلديات، النظام الانتخابي، إصلاح النظام الجنائي، العمل المصرفي، وإصلاح النظام الضريبي، دعم القطاع الخاص وملكية الأراضي.
وتساهم منظمة (USAID) من طرفها بإرسال ١٥٠٠ شابٍّ آخرين للهدف ذاته. وموَّلت هذه المنظمة عبر المعهد الجمهوري الدولي زيارةً قام بها المرشح للانتخابات الرئاسية فيكتور يوشينكو لواشنطن في فبراير من العام ۲۰۰۳م. وقد التقى يوشينكو خلالها كلًّا من «ديك تشيني» نائب الرئيس الأمريكي، و«ريتشارد أرميتاج» نائب وزير الخارجية، والعديد من رجال الكونجرس. كما زار پوشينكو العديد من من مراكز الأبحاث، وألقى كلمة في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ويعتبر معهد ألبرت اينشتاين. ماساشوستس للدراسات السياسية والتدريب المكان المفضل لتدريب هؤلاء القادة الجدد. يشرف على هذا المعهد البروفيسور في العلوم السياسية جين شارب. ويمتاز هذا العالم بأفكاره ومؤلفاته حول المقاومة السلمية. ويعتبر كتابه من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، دليلًا للحركات الناقمة على حكومات بلادها. وقد استفادتْ من هذا الكتاب منظمة «اتبور» الصربية، وكماراء الجورجية، وباراء الأوكرانية في تحريك قطاعاتٍ واسعةٍ من شعوب بلادها وتحقيق ثوراتها السلمية.
ولا يقتصر إعداد الكوادر من الأوكرانيين على استضافتهم في الولايات المتحدة، إنما يشمل ذلك تدريبهم على الأراضي الأوروبية. وتستضيف جمهوريات بحر البلطيق، روسيا البيضاء، بولندا، هنغاريا، صربيا، وجورجيا أعدادًا من هؤلاء المتدربين، وقد استقبلتْ صربيا وحدها العشرات من قادة المعارضة في أوكرانيا للتدريب العملي في معسكر أقيم خصيصًا في (نوفي ساد) ربيع عام ٢٠٠٤م. تشمل الدورات التدريبية التي يقوم بها - أساسًا - مدرِّسون أمريكيون وصربيون فنون العمل السياسي المنظم، دراسات الرأي العام، والعصيان المدني، والمقاومة السلمية. ويتولى خبراءٌ بريطانيون من معهد بريتش وستمنستر بصورةٍ سريةٍ تدريب نشطاءٍ أوكرانيين على التحريض على العصيان المدني، حشد الكتل البشرية المعارضة، الهرب من محاولات الاعتقال، وكيفية التصرف في حال الاعتقال.
خطواتٌ مضادةٌ
لم تقف الحكومة الأوكرانية موقف المتفرج إزاء استفحال الخطر الذي تمثله المنظمات غير الحكومية عليها، وما تقوم به تلك المنظمات من تدخلٍ في الشئون الأوكرانية الداخلية، لذلك فقد شكل مجلس النواب في ۱۱ / ۱۲ / ٢٠٠٣م لجنةً برلمانيةً من ۱۱ عضوًا لدراسة آثار تلك المنظمات على المجتمع الأوكراني، وخلص التقرير الذي نشر ربيع العام ٢٠٠٤م إلى أنه لولا التمويل الغربي لما كان هناك منظماتٌ غير حكومية في أوكرانيا أصلًا. وأشار فاليري ميشورا رئيس اللجنة إلى أنّ الولايات المتحدة وألمانيا هما المموِّلان الأساسيان للمنظمات غير الحكومية العاملة في أوكرانيا، وأنهما يموِّلان بصورةٍ انتقائيةٍ المنظمات المؤيدة لفيكتور يوشينكو دون غيره. وتابع ميشورا قوله: إنّ هدف هذه المنظمات هو التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها خريف عام ٢٠٠٤م، لإيصال فيكتور يوشينكو إلى سدة الرئاسة، وختامًا أوصى التقرير بسحب تراخيص عمل تلك المنظمات وإغلاق مقارِّها. من جهتها شنّت وسائل الإعلام الحكومية والمؤيدة لها حملةً غير مسبوقةٍ على نشاط المنظمات غير الحكومية ووصفتها بالمغرضة التي تسعى لزعزعة استقرار الدولة وتعريض أمنها للخطر. ولم يتردد سيميننكو – النائب في البرلمان الأوكراني - في اتهام هذه المنظمات بأنها غطاءٌ لأجهزة استخبارات أجنبية تعمل على الساحة الأوكرانية.
الإشراف المباشر
لا يقتصر عمل الولايات المتحدة على التمويل والتدريب إنما يتعدى إلى الإشراف المباشر على التنفيذ. ويقوم السفير الأمريكي في الدولة الضحية عادةّ بدور قائد الجوقة الذي يوزع الأدوار ويشرف على التنفيذ.
- بدأ نظام المنظمات الأهلية في أوكرانيا في الازدهار منذ عام 1992م، وخلال عقدٍ من الزمن ارتفع عددها إلى ٢٠ ألف منظمةٍ.
ولا یکاد سيناريو الأحداث يختلف من دولةٍ إلى أخرى. يبدأ هذا السيناريو أولًا بالطعن في نتائج الانتخابات عبر صيحاتٍ يطلقها المراقبون الدوليون المموَّلون من تلك المنظمات غير الحكومية، ثم دعوة المعارضين للنتائج إلى النزول إلى الشوارع والمطالبة بإعادة فرز الأصوات أو الدعوة لانتخاباتٍ جديدةٍ، وأخيرًا إعلان فوز المرشح المعارض. هذا السيناريو وجد تطبيقه بنجاح في بلجراد أولًا (۲۰۰۰) وطُبقت نسخه الكربونية في تبليسي (۲۰۰۳) وكييف ( ٢٠٠٤) لاحقًا.
وتدعم حكومات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مطالب المعارضة، وتضغط على الحكومات لتلبية مطالبها. في حال رفضت الحكومات ذلك فإنّ سيف التهديد بالمقاطعة والطرد من الأمم المتحدة يُشهر في وجهها. وتلعب وسائل الإعلام الغربية دورًا متممًا لأدوار حكوماتها؛ متباكيًا على الحريات المهدورة وحقوق الإنسان المنتهكة.
. رغم فشل هذا السيناريو في فنزويلا وروسيا البيضاء، إلا أنه نجح في صربيا وهاييتي وجورجيا وأوكرانيا. هذا النجاح يشجع المنفذين على القيام بتجريب حظهم في دولٍ جديدةٍ تبدو الظروف فيها مساعدةً على النجاح. فهل تصدق نظرية (الدومينو) ونشهد انهيار أنظمة روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق هي الأخرى قريبًا.
حين بدأت الولايات المتحدة استهداف أوكرانيا عمدت إلى إغراقها بالمساعدات سواء الحكومية أو عن طريق المنظمات غير الحكومية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل