العنوان المنظمات الكنسية المسلحة في إفريقيا.. جيش الرب في اوغندا.. القتل والنهب وسيلة الانتشار والحصول على الدعم!
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1635
نشر في الصفحة 32
السبت 15-يناير-2005
اليونيسيف: الجيش أجبر نساء إحدى القرى على إلقاء أنفسهن داخل ماء مغلي وطلب من أقاربهن أكل لحومهن!.
المتطرفون اختطفوا ۱۰ آلاف طفل وامرأة لتجنيدهم في صفوف الجيش.
جماعة «الوصايا العشر» قامت بعملية «انتحار» جماعي لأكثر من ألف شخص من أتباعها
هذا الملف المثير من الملفات المسكوت عنها دولياً لأنه يتعلق بمشروع الكنيسة العالمي الذي يحاط بالحماية والدعم من قوى الاستعمار لتحقيق مراميه، بينما لا تتوقف الآلة الإعلامية الغربية عن اتهام الإسلام بالتطرف ووصف حركات المقاومة المشروعة بالإرهاب!.
وهذا الملف يكشف مدى دموية وعنف المليشيات المسيحية في إفريقيا في دولتي أوغندا وليبيريا التي خلفت وراءها آلاف الضحايا والمشردين، ليس فقط بين مخالفيها في العقيدة ولكن أيضا ربما ضد مخالفيها في المذهب.
وسوف نواصل في الأعداد القادمة - إن شاء الله - الحديث عن بقية المليشيات والمنظمات الكنسية المسيحية في إفريقيا.
أوغندا: تعد أوغندا واحدة من أهم الدول في شرق إفريقيا التي تتم فيها عمليات التنصير ضد مسلمي البلاد الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين نسمة من إجمالي أربعة وعشرين مليون نسمة قرابة ٣٠% من حجم السكان ولا يخفي النظام الحالي (نظام موسيفيني الكاثوليكي) ذلك،بل يقدم نفسه للغرب والمنظمات الكنسية الكبرى باعتباره راعي التنصير والكنيسة في شرق إفريقيا،تماماً كما قدم نفسه للولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر بأنه راعي المصالح الأمريكية في المنطقة خاصة ضد القوى الإسلامية لذا لا غرابة في أن تكون الأوغندا بالرغم من أنها دولة حبيسة أهمية استراتيجية - ليس في فكر الكنيسة فحسب،ولكن في الفكر الصهيوني أيضاً وذلك بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي كنقطة تماس بين الشمال العربي المسلم والجنوب الإفريقي ذي الخليط الوثني والمسيحي والإسلامي،ومن هنا كانت أوغندا إحدى الدول المقترحة لإقامة وطن قومي لليهود إبان مؤتمر بازل عام ١٨٩٧م إلا أن الأمر استقر على فلسطين بالنظر إلى أهميتها لدى المسلمين.
توجهات تنصيرية
ولا يخفي النظام الأوغندي طموحاته التنصيرية المختلطة بالمصالح السياسية، حيث يسعى لإقامة دولة التوتسي الكبرى (ينتمي موسيفيني للتونسي) التي تضم بالإضافة إلى أوغندا - كلا من جنوب السودان بعد انفصاله وأجزاء من رواندا وبوروندي وشرق الكونجو الديمقراطية.
هنا تتلاقى طموحات موسيفيني الاستعمارية التنصيرية مع طموحات إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في إطار مشروعه الاستعماري الكبير المعروف باسم القرن الإفريقي Great Horn Africa والذي يضم إلى جانب دولة التوتسي الكبرى دول القرن الإفريقي التقليدية (الصومال - جيبوتي - إريتريا - إثيوبيا)، بحيث يشكل هذا المشروع الكبير حائط صد منيع ضد أي محاولة شمالية لنشر الإسلام جنوب الصحراء.
نشأة الحركة
وطبيعي في هذا الجو التنصيري العام أن تنشط المؤسسات والحركات التنصيرية سواء تلك التي تمارس التنصير بأساليب سلمية،أو بأساليب عسكرية متطرفة ومن أبرز هذه الحركات المسلحة ذات التوجهات الكنسية ما يعرف باسم منظمة جيش الرب التي يتزعمها القس جوزيف كوني،وهي حركة مسلحة ظهرت في البداية كطائفة صغيرة منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تقريباً بزعامة شقيقته وتدعى أليس لاكوينا ادعت أنها على اتصال بالروح القدس الذي أمرها بإزاحة موسيفيني من الحكم وتنصيب نفسها مكانه وزعمت أن إعجازها يتمثل في نوع من الزيت المغلي من قبل روح القدس الذي أخبرها بأنه من يتمسح به فلن تخترق جسده طلقات الرصاص في ميدان المعركة،وقد تزايد أتباعها شيئاً فشيئاً خاصة من معارضي النظام وعرفت هذه الطائفة باسم طائفة الروح القدس،وتركز نشاطها في شمال البلاد لاعتبارين أساسيين هما :
أن الشمال الأوغندي فقير اقتصادياً مقارنة بالجنوب، ومن ثم يمكن استغلال هذا الوضع الاقتصادي السين في عملية التنصير من ناحية، وكذلك في جذب أنصار جدد في مواجهة النظام من ناحية ثانية، خاصة أن الشمال يتمتع بقدرات تسليحية عالية مقارنة بالجنوب
اقتراب هذه المنطقة من جنوب السودان وهي منطقة تنشر فيها عمليات التنصير بصورة كبيرة،كما أنها يمكن أن تشكل فناء خلفي للحركة في عمليات الكر والفر خاصة وأن الجنوب السوداني لم يكن خاضعاً للحكومة المركزية في الخرطوم.
لذا لا غرابة في أن تعمل كل المنظمات التنصيرية سواء السلمية أو المسلحة في الشمال الأوغندي مما يفسر أسباب تضاؤل عدد المسلمين هناك ليصبح ١% فقط بالرغم من أن الشمال كان أحد المعاقل الرئيسة للرئيس الأوغندي الراحل عيدي أمين.
ولقد بدأت طائفة روح القدس في شن هجماتها ضد نظام موسيفيني في الشمال،إلا أنها منيت بهزائم منكرة،وظهر كذب زعيمة الطائفة،خاصة بعد وفاة عدد كبير من أتباعها برصاص القوات الحكومية،مما دفع الكثيرين منهم إلى الانصراف عنها،كما اضطرت هي إلى الفرار إلى كينيا المجاورة.
وهنا برز دور شقيقها القس جوزيف كوني الذي نجح في جمع أشلاء جماعة أخته ونزح بهم أولاً إلى جنوب السودان حيث تلقى الدعم من جون جارانج الكاثوليكي وتزامن ذلك مع توتر العلاقات بين الخرطوم وكمبالا منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين الميلادي الماضي بسبب اتهام الخرطوم الموسيفيني بدعم جارانج،مما دفع الحكومة السودانية في المقابل إلى دعم كوني بالرغم من التوجهات الإسلامية لحكومة الإنقاذ في ذلك الوقت،وهنا قام كوني بتغيير اسم حركته من طائفة الروح القدس إلى جيش الرب للمقاومة.
ويطالب كوني شأنه في ذلك شأن شقيقته بإزاحة موسيفيني عن الحكم وإقامة دولة مسيحية كنسية تقوم على احترام وتطبيق الوصايا العشر للكتاب المقدس العهد القديم ويدعي كوني أنه إله، وهو معبود من قبل أتباعه الذين يعلقون مسابح حول أعناقهم اعتقاداً منهم بأن ذلك سيوفر لهم الحماية أثناء الحرب ويعتمد كوني في الأساس على اختطاف الأطفال وتجنيدهم في صفوف حركته، حيث يقوم بتعميد هؤلاء بالماء المقدس لأن ذلك سيحميهم من الرصاص، ووفقاً لأحد التقارير الحديثة الصادرة عن منظمة اليونيسيف صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة فإن قوام جيش كوني أربعة آلاف شخص يشكل الأطفال ۸۰% منهم.
ويلاحظ أن كوني وأتباعه لا يطبقون حتى تعاليم الكنيسة فيما يتعلق بالتعامل مع المدنيين فهم يقومون بأعمال تتنافى مع حقوق الإنسان الأساسية، ومن ذلك ما ذكره أحد تقارير اليونيسيف بأن كوني أجبر نساء إحدى القرى التي أغار عليها بإلقاء أنفسهن داخل ماء مغلي.
وطلب من أقاربهن أكل لحومهن ونفس الأمر يفعله مع الأطفال الذين يتم اختطافهم حيث يأمر هؤلاء بقتل ذويهم كدليل الانتماء للحركة وإلا فإن مصيرهم القتل.
وكان من نتيجة هذه الممارسات وجود حالة من الرعب بين سكان الشمال،مما دفع قرابة مليون ونصف مليون نسمة منهم إلى الفرار للداخل،ومن اضطرته الظروف للبقاء فعليه مغادرة منزله ليلاً،والسير مسافة تقدر بخمسة كيلو مترات لأقرب مأوى مستشفى نقطة شرطة حتى لا يتعرض لإغارة قوات كوني التي تفضل العمل ليلاً بعيداً عن أعين القوات الحكومية،وبعد طلوع الشمس يعود هؤلاء إلى ديارهم مرة ثانية وكانت حصيلة عدد المختطفين من المدنيين الأبرياء خلال العام ونصف العام الماضيين قرابة عشرة آلاف شخص معظمهم من الأطفال الذين يتم إجبارهم على حمل السلاح بعد ذلك، والنساء اللاتي يتم إجبارهن على الزواج من أتباع الحركة.
مصادر التمويل
تعد أعمال السلب والنهب أحد أبرز مصادر التمويل للحركة،ولقد سببت ممارسات كوني وأتباعه من الجماعات الكنسية المتطرفة حرجاً بالغاً لكنيسة فيكتوريا الرسمية في البلاد وازداد هذا الحرج بعد قيام جماعة متطرفة أخرى تطلق على نفسها جماعة الوصايا العشر بزعامة أحد القساوسة ويدعى جوزيف كيبوتز بعملية قتل انتحار جماعي لأكثر من ألف شخص من أتباعها في ۱۷ مارس ۲۰۰۰م وبالرغم من أن أسباب الانتحار لم تكن معروفة في حينها،إلا أنه تردد أن هؤلاء الأتباع تعرضوا لعملية نصب من قبل كيبوتز الذي حصل منهم على مبالغ كبيرة على اعتبار أنه تنبأ بأن العالم سينتهي مع نهاية عام ١٩٩٩م.
وهو ما لم يحدث ولم تجد كنيسة فيكتوريا بداً من التشكيك في مسيحية هؤلاء، والقول إنهم لم يتلقوا التربية الكنسية المطلوبة كما لم يتم تعميدهم وألقت باللائمة. في المقابل على النظام لاعتبار أن هؤلاء مسيحيون، ولذلك فقد أعلنت في اجتماع لها في الثالث من أبريل عام ۲۰۰۰م بأنها ستقوم بعملية تعميد جديدة لكل مسيحيي البلاد، وتقديم لائحة بأسمائهم للدولة لاعتمادهم
كما لم تجد الولايات المتحدة هي الأخري بداً من وضع هذه الحركة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية بعد أحداث سبتمبر،ولم يتم رفع اسمها حتى الآن،ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء عملي ضدها كما يحدث مثلاً مع حركات المقاومة المشروعة!.
مستقبل الحركة
يبدو أن توجه الحركة المسلح أفقدها الكثير من الدعم الخارجي، وكذلك الداخلي، وتم تجميد أنشطتها وقد اتجهت واشنطن لدعم المنظمات التنصيرية الأخرى في الشمال التي تعمل من خلال استغلال الظروف الاقتصادية السيئة من ناحية والظروف الصحية المتدهورة من ناحية ثانية،مما أدى إلى وجود أكثر من مائتي ألف أرملة وأكثر من مليوني طفل يتيم يشكلون مرتعاً خصباً لهذه المنظمات،لذا فلا غرابة في أن يطلق بوش خلال جولته الإفريقية في يوليو ۲۰۰۳م والتي كانت أوغندا إحدى محطاتها الرئيسة مبادرته لمكافحة الإيدز في القارة بتكلفة إجمالية تقدر بخمسة عشر مليار دولار.
ولا شك أن هذه الأموال ستذهب للمنظمات التنصيرية التي تعمل بصورة سلمية في أوغندا وقد تزامن ذلك أيضاً مع توقف الدعم الذي كانت تقدمه حكومة الخرطوم للحركة بعد توقيعها اتفاقاً للسلام مع حكومة كمبالا عام ١٩٩٩م ثم توقيعها اتفاقية أخرى معها في العاشر من مارس عام ٢٠٠٢م يتم بمقتضاها السماح للقوات الأوغندية بتعقب قوات الحركة داخل الجنوب السوداني.
ومن ناحية ثالثة، فقد أدى الرعب الذي أفرزته الحركة في صفوف المدنيين الأبرياء إلى قيام هؤلاء بتشكيل قوات شعبية مسلحة - بدعم من الحكومة لمواجهة كوني وأتباعه ومن أبرز هذه القوات الشعبية معظمها من الشباب قوات حركة فتيان السهام وحركة فتيان وحيد القرن.
وإزاء هذه الأمور جميعاً، اضطر كوني في الأول من مارس عام ٢٠٠٣م إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد مما يدل على أن نجم الحركة أخذ في الأفول يوماً بعد يوم خاصة في ظل سياسة موسيفيني الراهنة الذي يعمل على توطيد علاقاته بالدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة، فضلاً عن الكيان الصهيوني من ناحية، وتوطيد العلاقة كذلك مع دول الجوار خاصة الخرطوم من ناحية ثانية المحاولة سد كل المنافذ على الحركة التي أثبتت زيف الدعاوى الأمريكية بأن الإرهاب مرتبط بالحركات الإسلامية .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل