العنوان المنظمات غير الحكومية.. تساؤلات عن ماهية المفهوم
الكاتب هشام جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 46
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 19-مايو-1998
في سياق موضوع الفعل غير الرسمي يطرح العديد من المفاهيم، مثل مفهوم المجتمع المدني، ومفهوم العمل الأهلي، ومفهوم المنظمات غير الحكومية، ومفهوم القطاع الثالث «باعتبار الحكومة هي القطاع الأول والقطاع الخاص هو القطاع الثاني» والقطاع غير الربحي.... إلخ. هذه المفاهيم جميعًا تختلط دلالاتها مع بعضها البعض. ويصعب في أحيان كثيرة التحديد والضبط العلمي لمضمونها. وهذا في جزء كبير منه نتيجة حداثة هذا المجال في العلوم الاجتماعية في الغرب، وفي العالم العربي على السواء، إذ لا يعود هذا المجال البحثي إلى أكثر من السبعينيات من هذا القرن في الدراسات العربية ذاتها، حين بدأ بخطوات صغيرة، ثم بدأ ينمو حتى أصبح حقلًا مستقلًا.
غموض المفهوم
أول ما يلاحظ على مفهوم المنظمات غير الحكومية، كما في مفهوم المجتمع المدني الغموض الشديد، إذ يتم تحديد دلالته عبر صيغة النفي وليس الإثبات، فهو يضم كل ما هو «غير حكومي» يتسع اتساعًا شديدًا ليشمل -ضمن ما يشمل- «القطاع الخاص» الذي يتعاظم دوره وتزداد فعاليته في ظل تقلص مساحة وحجم دور الدولة.
ولعل السبب الكامن وراء تحديد المصطلح بالنفي «غير الحكومي»، وليس الإثبات يعود في جزء كبير منه إلى اتساع حجم ومساحة دور الحكومة في البلدان الصناعية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كما في الدول النامية في الستينيات عقب الاستقلال عن الاستعمار، وقد استمر هذا الحجم المتضخم للحكومات حتى أوائل السبعينيات من هذا القرن في البلدان الصناعية المتقدمة.
وإذا كان الغموض الذي يتلبس بمفهوم المنظمات غير الحكومية يتأتى من اتساع مجال غير الحكومي، فإنه يتأتى أيضًا من الغموض الذي يحيط بمفهوم «الحكومة» إذ يستخدم تعبير الحكومة بصور مختلفة، فهذا المصطلح يمكن أن يعني عملية الحكم أي ممارسة السلطة، ويمكن أن يعني وجود تلك العملية أي وجود حالة «حكم منظم» كما يمكن أن يشير إلى الطريقة أو الأسلوب أو النظام المستخدم للحكم في مجتمع ما، أي هيكل وترتيب المناصب وكيفية ارتباطها بالمحكومين، إلا أن الأخطر أن الاستعمال الدارج يستخدم مصطلحي الدولة والحكومة على أنهما
مترادفان.
إعادة التفكير في الدولة
إن مصطلح المنظمات غير الحكومية يطرح الآن ومنذ فترة في سياق إعادة التفكير في الدولة في كل أنحاء العالم، فالعالم يتغير ولابد من أن تتغير معه أفكارنا عن دور الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهناك خمسة تطورات حديثة زادت من القلق والأسئلة المتعلقة بدور الدولة وهي.
انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية التي تعاظم فيها دور الدولة، وتضخم حتى صادر قوى «المجتمع المدني» وأمَّمها.
2 - الأزمة المالية التي تواجهها دولة الرفاهية في معظم البلاد الصناعية المستقرة.
الانهيار السريع لاقتصاديات دول شرق آسيا والذي أظهر بشكل جلي أن الدور المهم الذي اضطلعت به الدولة في تحقيق معجزتها الاقتصادية لم يستطع أن يمنع هذا الانهيار السريع
انفجار كثير من الدول نتيجة نزعات دون قومية أو فوق قومية
والأهم هو مظاهر وظواهر العولمة شديدة التعقيد التي طرح موضوع الدولة من جذوره، ولا يعني التفكير في دور الدولة أو بالأحرى دور الحكومة - إضعافًا لدورهما أو تخليًا عنهما، والمستهدف في هذا السياق هو تدعيم وزيادة كفاءة وفعالية هـاتين المؤسستين عن طريق إسناد بعض المهام والوظائف التي كانا يضطلعان بها إلى المنظمات غير الحكومية، فما يحدث في الواقع الغربي هو وجود تغذية مشتركة بين كل من الحكومة والمنظمات غير الحكومية لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة، إلا أن التغذية المشتركة في واقع العالم الثالث تؤدي . كما يرى أحد الباحثين - إلى حدوث حالة من تفتيت القوة نتيجة التنافس في أدوار متشابهة. والأهم والأخطر أن تقليص سلطان الدولة أو الحكومة لا يتم في واقعنا العربي لصالح جميع قوى الأمة الفعالة وإنما تكون محصلتها النهائية لصالح أطراف وقوى اجتماعية بعينها «النخب الجديدة في الواقع العربي كبعض فئات رجال الأعمال، وبعض فئات نخبة العمل الأهلي .....» لأن الدولة المنسحبة تقوم بتقييد قوى المجتمع المدني أو على الأقل فرض قيود على قواه الفاعلة التي تحمل مشروعًا مناقضًا لمشروع الكوكبة وعلى رأسها الحركة الإسلامية.
والخلاصة في هذا الباب أن مفهوم المنظمات غير الحكومية يستهدف إعادة بناء الحكومة، ودعم قدراتها، وليس بديلًا عن دورها.
وظيفة المفهوم
دعاة مفهوم المنظمات غير الحكومية يركزون على القيمة الاقتصادية والاجتماعية، وأحيانًا السياسية لهذا القطاع، قيمته الاقتصادية تتأتي من مقدار ما يضيفه الاقتصاد القومي وعدد العمالة التي يمكن أن يقوم بتوظيفها، أما قيمته الاجتماعية فمظهرها البارز الخدمات المختلفة «الصحية والتعليمية ......» التي يقدمها للمواطنين، أما دوره السياسي فيبدو في دوره في توسيع حجم المشاركة الشعبية.
إن الحديث عن القيمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذا القطاع من شأنها أن تفرغه من المضمون الأخلاقي والقيمي حين يتحول الحديث عن« الخيرية..» و «التطوعية» و«عدم الربحية» التي تدفع للعمل في هذا القطاع، إلى الحديث حول المنفعة والجدوى الاقتصادية له. وهذا من شأنه أن يعمق من الأبعاد والدلالات العلمانية للمفهوم، وبخاصة أنه عادة ما يطرح بعيدًا عن الأهالي أي الناس الذين هم في الحقيقة القوة الدافعة لكل أشكال الفعل غير الحكومي.