العنوان الموت الرخيص!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013
مشاهدات 76
نشر في العدد 2052
نشر في الصفحة 66
السبت 11-مايو-2013
بعد الحشيش والهيرويين والكوكايين وال اس دي وغيرها من أنواع المخدرات التي تفنن العالم وخاصة الغرب في تصنيعها وترويجها، ها هو ذا اسم جديد ينضم إلى العائلة وينطلق من أرض المخدرات الولايات المتحدة اسمه كراك.. وهو مرشح لاكتساح سوق المخدرات الدولية ولجذب الآلاف بل الملايين من المدمنين الجدد.
وسر الكراك، أنه فعال جدا ورخيص جدا، وتلك هي الكارثة.. وقد انطلق التجار الأمريكيون في ابتكار الكراك من عملية حسابية بسيطة، فالسعر الرسمي لأونسة الكوكايين التي تزن ۲۸ جراما هو ألف دولار، وبعملية بسيطة يتحول جرام الكوكايين إلى سنة جرامات من الكراك يباع الواحد منها بـ ٢٥ دولارا، وبهذا يحقق الكراك للتجار ريحا إضافيا مقداره ۳۲۰۰ دولار في الأونسة الواحدة!
والخطورة في الأمر أنه إذا كانت حفلة الكوكايين تحتاج إلى أونسة واحدة على الأقل أي إلى ألف دولار، فإن حفلة الكراك يمكن أن تجعل المدمن يحلق بجرام واحد فقط أي ب ٢٥ دولارا فقط، وهذا يعني أنه إذا كان بعض مواطني المجتمعات الصناعية - والأمريكية خاصة - ما يزالون على عفافهم إزاء المخدرات بسبب عجزهم عن تحمل أعبائها المادية المكلفة، فهم الآن سوف يسقطون بسهولة في مستنقع المخدرات لأن الخمسة وعشرين دولارا لن تحدث أي عبء على كاهل ميزانياتهم الفردية.
وفي مقابل رخص ثمنه، فإن الكراك يتسبب بأضرار جسيمة تتضاء بجوارها منها أضرار باقي المخدرات، ففي ثوان معدودة يتعقد لسان متعاطي الكراك، يفعل تأثير أشبه ما يكون بالصدمة الكهربائية على خلايا الدماغ.
بالإضافة إلى خلل في الدورة الدموية ينعكس إرهاقا حادا على القلب وعلى الأجهزة التنفسية بحيث يبدو المتعاطي وكأنه على وشك الاختناق. والواقع أنه برغم حداثة عهده فقد بدأ الكراك يودي بحياة العديد من المدمنين، وخاصة في الولايات المتحدة حيث قالت مجلة النيوزويك يبدو أننا إزاء وباء جديد أين منه أوبئة القرون الوسطى.. وذكرت المجلة أن هناك ٣٧أمريكيا توفوا في أقل من سنة بسبب الكراك.
وخبراء الصحة العامة يجمعون على اعتبار المجتمع الأمريكي مجتمعا مريضا بغالبيته العظمى، وفي أحد الإحصاءات بهذا الصدد أن هناك ١٦٠ مليون وصفة طبية للأمريكيين سنويا، والأمريكيون يستهلكون من العقاقير المضادة للصداع وحدها ثلاثة أطنان سنويا.
ولهذه الأرقام الضخمة أسبابها إذا علمنا أن هناك ثلاثين مليون أمريكي على الأقل يدخنون الماريجوانا، ومليونين يتعاطون الهيروين شما وحقنا، أما الكوكايين فله خمسة ملايين زبون أمريكي دائم، وسبعة ملايين يتعاطونه من وقت لآخر لعدم قدرتهم المالية على تعاطيه دائما بالإضافة إلى اثنا عشر مليونا يتعاطون الال. إس. دي. وفي إحصاءات أخرى أن هناك ١٧٪ من موظفي القطاع العام يتعاطونه خلال أوقات العمل، وأن ما لا يقل عن خمسة ملايين موظف في القطاع العام يتعاطونه خلال الدوام الرسمي أما في صفوف القوات المسلحة فقد تكتمت مراكز المعلومات عن إعطاء النسبة الحقيقية للعسكريين المدمنين حرصا على الأسرار الأمنية.
والواقع أن قطاع المخدرات يحدث ضررا فادحا بالاقتصاد الأمريكي، حيث يستهلك الأمريكيون سنويا ما قيمته ۳۱۲ مليار دولار سنويا ثمنا للمخدرات ناهيك عن العدد اللامحدود من مليارات الدولارات التي تنفق على علاج المدمنين، والتي يخسرها الاقتصاد الأمريكي العام نتيجة أيام التعطيل وضعف وتيرة الإنتاج الكمية والنوعية.
وإذا كانت الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في العالم بين ضحايا المخدرات، فإن مصيبة المخدرات ليست حكرا عليها وحدها، ففي إحصاءات منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أن الدول الصناعية الغربية تستهلك حوالي ١٨٠ من مجموع سلعة المخدرات العالمية.
وفي أرقام المنظمة المذكورة، أن مدمني المخدرات يشكلون ٣٠٪ من مجموع الشعب الأمريكي و٣٢٪ من مجموع الشعب الفرنسي، و١٨٪ في باقي بلدان الغرب الصناعي، بالإضافة إلى ١٢٪ من مجموع الشعب الياباني.
وفي أرقام المنظمة أيضا أن العالم الثالث ما يزال حتى الآن المحسود الأول عالميا في مجال المخدرات حيث لا تزيد نسبة المدمنين فيه على ١٦٪ في أسوا الاحتمالات، ويتذكر المرء خطاب الرئيس الأمريكي جون كنيدي في الشباب الأمريكي عام ١٩٦٣م، وخطاب الرئيس السوفييتي نيكيتا خروشوف في الشباب الروسي في العام نفسه، وكلاهما يحذر من الاندفاع المخيف الشباب البلدين في تعاطي المخدرات، وأن ذلك سيضعف وتيرة الإنتاج والإبداع فيما سيؤثر على الاستمرارية الحضارية في نهاية الأمر.
ويتذكر المرء كذلك أن الرئاسة الأمريكية نفسها نفذت في أواخر عشرينيات القرن الماضي والمدى عقد من الزمن واحدة من أكبر وأشد حملات منع تعاطي المخدرات، ورصدت لذلك مئات الملايين من الدولارات، وجندت عشرات الآلاف من رجال الأمن والشرطة، والاف السجون والمعتقلات وأرقاما خيالية من الورق المستهلك في الحملة الإعلامية ضد المخدرات، ولكنها خرجت مهزومة في نهاية الأمر، واضطرت إلى إلغاء قرارها وإباحة تعاطي المخدرات.
بينما في الإسلام، تمكن كتاب الله عز وجل عبر آيات ثلاث فحسب من قطام امة بكاملها عن شرب الخمر الذي يعتبر تقليدها اليومي لمدى قرون متطاولة من الزمن، فيما أثار دهشة وإعجاب المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينيي واعتبره إحدى معجزات هذا الدين!
تلك هي إذن بعض معطيات ونذر أخريات القرن الماضي في ديار الغرب، بينما البشرية تدلف منذ سنوات إلى قرن جديد.
ما الذي يمكن أن يحدث وفق المنطوق نفسه على مدى عقوده القادمة إنها النتيجة المحتومة المقدمات مترعة بالدجنة والظلمة والانحراف والجنون.. وهي الحصاد المرير العالم تخلقه الكأبة، واليأس، والملل والتخمة، والإحساس العيني القاهر باللاشيء في هذه الحياة يستحق أن يعيش الإنسان من أجلة.. وتلك هي الخاتمة المشؤومة لرحلة الابتعاد عن الله سبحانه وإنكاره وإعلان الحرب على هديه القادم من السماء ومن يعمل سوءا يجز به النساء (۱۲۳)، ولقد صنع الغربيون بتمردهم على خالقهم سوءا كثيرا، وكان لابد من تلقي العقاب.