العنوان الموتى لا يتقدمون ولا ينهضون
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 20-مايو-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1702
نشر في الصفحة 37
السبت 20-مايو-2006
تحدث الموتى عن مستقبلهم في الحياة الدنيا شيء مضحك، وكلامهم عن التخطيط لما هو آت أمر محزن، وأقوالهم ودراساتهم لأهداف بعيدة أو قريبة عمل يدعو إلى الرثاء، الموت يوقف الحياة إذًا فلا معنى للحديث عنها، ويقطع الآمال، إذًا فلا جدوى للتطلع إليها، إلا إذا عاد الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، أما وهو ميت ومغرق في الموت فلا يجوز له أو لأحد كائنًا من كان أن يتحدث عن ذلك، ولا من قبيل الجنون أو السفه العقلي والفكري ولا أدري كيف تتكلم الشعوب الميتة اليوم عن المستقبل وعن الخطط أو يتحدث بعض كهنتها اليوم عن ذلك.. اللهم إلا إذا كان هذا من حشرجات الموتى أو من انتفاضة الشعوب الذبيحة التي تهذي بأصوات لا معنى لها ولا رابط بين حروفها، ولهذا فإن بعض الموتى من الشعوب وسلطاتها اليوم قد شعروا بحرمة الموتى فأصبحوا لا يتحدثون عن خطط للمستقبل ولا عن آمال وطموحات لما هو آت وبعضهم احترم علم الغيب وخصوصيات المجهول ورضي بالحاضر وجماله، وصرح في غير مواربة ليس في الإمكان أبدع مما كان، وعمل بمقولة الكسل أحلى من العسل.
إذن فأي متحدث عن المستقبل اليوم إذا كان جادًا لا بد أن يأخذ في مخططه إحياء الشعوب أولاً، حتى تستطيع صناعة المستقبل وخوض غمار التقدم والريادة وحتى تتربى لها الهمة والدافعية والعزيمة التي تكافح بها لتصل إلى مستقبل أفضل، والأمة التي لا تعرف كيف تحيا الحياة الكريمة فتمزق أكفانها وتخرج من قبورها أمة مقضي عليها بالزوال والانحلال.
كيف تنهض الأمة وقانونها يقتل الحرية، ويقطع الألسن، ويحرق الكلمة، ويحبس الرأي، ويقتل الفكر حتى قيل:
يقوم لا تتكلموا إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النُوَّم
نعم، أمة يفرض عليها الكسل وموت الهمة والكرامة كيف تنهض يا عباد الله، وكيف تفكر في المستقبل وهي ميتة في حاضرها ولا تملك التفكير فيه أو الاستفادة منه أو العيش في جنباته، هل هذه الأمة تستطيع أن تدعي اليوم أنها تنتسب إلى الإنسانية في عصرها الحاضر ويومها المعاش.
قال الإمام الراغب الأصفهاني، من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى، ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة، فقد الراحة، وقد قيل إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب وقيل أيضًا: إياك والكسل والضجر، فإنك إن كسلت لم تؤد حقًّا، وإن ضجرت لم تصبر على حق. ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة، بل كل عضو ترك استعماله يبطل كالعين إذا أغمضت واليد إذا عطلت، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء، ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقًا إلا بسعي ما منه لئلا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة الحركة، ولما جعل للإنسان قوة الفكرة ترك من كل نعمة أنعمها الله تعالى عليه جانبًا يصلحه هو بفكرته، لئلا تبطل فائدة الفكرة، فيكون وجودها عبثًا وكما أن البدن يعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس تتعوده بترك النظر والتفكر مما يجعلها تتبلد وتتبله وترجع إلى رتبة البهائم، وإذا تأملت قول النبي ﷺ «سافروا تغنموا» ونظرت إليه نظرة عالية علمت أنه حثك على التحرك الذي يثمر لك جنة الدنيا مع جنة المأوى.
وأمتنا الحبيبة استطاع الأبالسة أن يدجنوها ويقردنوها، ثم يميتوها همة وكرامة وعزمًا، والموت نوعان:
موت العقل، بعدم إعماله في التفكر والتدبر والنظر في آلاء الله من ناحية، وتركه النظر إلى ما يصلح شأن الإنسان ومن حوله في الدنيا التي فيها معاشه من ناحية أخرى. وليس تأخر الأمم ناتجًا إلا عن موت العقول فيها وقلة اكتراثهم بالقوة الإبداعية المفكرة التي أودعها الله فيهم.
الموت الثاني موت الحركة والبدن، بما يشتمل عليه من جوارح، وينجم عن هذا الموت تأخر الأفراد بل الأمم في مجال النشاطات المختلفة من زراعة وصناعة وغيرها.
أما عن قردنة الأمة أي جعلها قردة ومنافقين ودجاجلة، فقد صارت هذه الصفات اليوم صناعة رائجة، وتجارة رابحة في عرف هؤلاء الهلكى المتخلفين، وهذا الصنف الصال. هو من أبرز أسباب الضلال والهوان وصدق الله العظيم، إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (النساء: 143).
وهؤلاء كانوا دائمًا سبب وهن الأمم وتحطمها، وكل أمة تريد أن تنهض إلى الكمال والريادة لا بد لها من الاستعاذة بالله من الهوام ومن صفاتها الكريهة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».
هذه الهمم المنافقة العاجزة الكسلى الجبانة لا تنهض إلى المكارم ولا إلى تحقيق الآمال، وتعجز دائمًا عن طلب المراتب العالية وتقصر -ولا بد- عن بلوغ الآمال والغايات، فتصبر الأمة غثائية تتكون من فقاقيع، أو أمة دخانية تتكون ذرات ضبابية لا جدوى منها ولا مهابة لها. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يلمح إلى ذلك تحذيرًا فيقول: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل، ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»، أي حب الصفات المرذولة والقعود عما تتطلبه الريادة من صفات للمنافسة والجلاد والعزة والدفاع عن الكرامة ومغالبة الوهن.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى المستقبل على أنه في أغلبه جهاد وجلاد للنهوض وترتيب علاقاتنا مع الآخر، بل نقول بصيغة أوضح إنه صراع ومنافسة؛ لأننا لا نعيش وحدنا في هذه المعمورة، فهناك من ينافسنا في حاضرنا حتى على ما نملك فكيف على ما يملك.. يهددنا ويريد أن يتقدم علينا. وبعبارة أخرى، يتحدى هدوءنا وسكينتنا وغفلتنا، فهل نستطيع أن نقاوم هذا التحدي وننافسه كما ينافسنا ونغالبه كما يغالبنا، ونرسم مستقبلنا ومستقبل أجيالنا؟! هذه هي القضية، ولكن بأي شيء يرسم ذلك المستقبل بأمة ميتة، أم بأمة غثائية لا تريد أو لا يراد لها أن تنهض أو تحيا أو يكون لها عزم، هذا شيء محال، وهذه جريمة يتحمل وزرها كل فرد في الأمة؛ لأنه خانع ومستسلم ولا يريد أن يرفع رأسًا مع أنه يرى ويسمع ويعيش هذا كله، وإن كان للأمة من عزاء اليوم، فبقيام رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه يكافحون ويجالدون الظلم والهوان والموات، فهل لك أن تصافحهم وتؤازرهم وتنصرهم وتؤدي واجبًا فرض عليك وتدفع إثمًا أحاط بك؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل