; المولد النبوي في الميزان النبوي | مجلة المجتمع

العنوان المولد النبوي في الميزان النبوي

الكاتب عباس البدر

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982

مشاهدات 73

نشر في العدد 557

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 19-يناير-1982

كثر النقاش في الأيام التي مضت حول إحياء ليلة المولد النبوي وهل هي بدعة حسنة أم بدعة سيئة؟ وكتب الكثير في هذا الموضوع ممن ليس له دراية بالأمور الفقهية حتى أن بعضهم قال إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يركب السيارة فهل السيارة بدعة؟

ومن هذه المقالات مقالًا للسيد يوسف السيد هاشم الرفاعي الذي نُشر في جريدة السياسة بتاريخ 7/1/1982 وقال فيه إن المولد بدعة حسنة بما فيها من قراءة القرآن و إطعام الطعام و الشكر على نعمة الإسلام، و مما دفعني إلى الكتابة في هذا المقام هو أن صاحب البدعة لا يرجى التوبة من فعلته لإنه زين له الشيطان سوء عمله فرأه حسنًا بعكس فاعل المعصية فإن توبته مقرونة باعترافه بالذنب.

وسنتناول في هذا البحث ثلاثة أمور عن البدع وبعد ذلك سنطبقها على المولد النبوي:

أولًا: الحمد لله أن جميع الإخوة الذين كتبوا في هذا الموضوع بما فيهم السيد يوسف اتفقوا ضمنيًا أن الاحتفالات بالمولد النبوي بدعة، لكن الاختلاف كان فيما إذا كانت بدعة حسنة أم سيئة؟ و كان دليل السيد يوسف هو ما جاء في الصحيح عن قوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

والجواب عن هذه الشبهة أنه ليس المراد بالاستنان بمعنى الاختراع و إنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين:-

الوجه الأول أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله- رضيَ الله عنهما- قال: كنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار « عباء قد خرقوها بوسطها ولبسوها» متقلدي السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر فتوغل «تغير» وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رآهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن و أقام فصلى ثم خطب فقال:  ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (سورة النساء:1) ، وقال ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (سورة الحشر:18) تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع ثمرة حتى قال ولو بشق تمرة، قال فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتهلل كأنه مذهبه المراد الصفاء و الاستنارة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من سن في الإسلام سنة حسنة الحديث فدل على أن السنة هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي حيث أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، والصدقة مشروعة بالاتفاق فظهر أن المراد منه من عمل عملًا مشروعًا.

الوجه الثاني:

إن قوله «من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة» لا يمكن حمله على الاختراع؛ لأن كون السنة حسنة أو سيئة لا يُعرف إلا من جهة الشرع، و لإن التحسين و التقبيح مُختص بالشرع لا مدخل للفعل فيه وهو مذهب أهل السنة والجماعة، و إنما يقول بالتحسين و التقبيح و بالفعل هم المبتدعة، فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع و إما قبيحة بالشرع.

فلا يصدق إلا على الصدقة المذكورة، و ما أشبهها من السنن المشروعة، وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي تبت بالشرع كونها معاصي.

الحاصل أن الحديث حجة على المبتدع، لا له لمكانة قوله حسنة مع العِلم بأن المحسن هو الشرع، إذ ليس ما يراه المسلمون بعقولهم هو الصحيح، بل هو من اختراعهم، بل ما حسنه الشارع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح.

ثانيا:

ومن قال أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يركب السيارة فهل هي بدعة؟

من المعلوم أن الدين إنما ينهى عن الاختراع فيما حدده و رسمه على وجه الخصوص كالعبادات، فلا يصح أن تغير فيه شيئًا بزيادة أو نقص أو تبديل كيفية من كيفياته؛ لأن الأصل في العبادات التحريم. أما الاختراع في الأمور المعيشية والاجتماعية والعمرانية بشرط المحافظة على الأصول العامة و أن يكون على أساس هذا الاختراع درء المفاسد وجلب المصالح و إقامة العدل و إماطة الظلم و رد المظالم إلى ذويها؛ فلا بأس في ذلك لأن الأصل في هذه الأشياء وهي العادات الإباحية ما لم يحرمه الشارع.

ثالثًا: ولمن قال أن في المولد النبوي إطعام الطعام وقراءة القرآن، وذلك مناقب الرسول- صلى الله عليه وسلم- والشكر على نعمة الإسلام بميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- أسوة بالنصارى أو كما صام الرسول- صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء شكرًا على نجاة موسى من فرعون فهل هذه الأشياء كلها بدع؟

نقول وبالله التوفيق:

اعلم يا أخي أن البدع تنقسم إلى بدع حقيقية و بدع إضافية فأما الحقيقية ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهها فهي بدعة مُحصنة ليست فيها جهة تندمج في السنة، وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال مُعتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل؛ و لذا سميت بدعة حقيقية لأنها شيء مخترع، ومن أمثلتها:

  1. التقرب إلى الله تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعية إليه و فقد المانع الشرعي.

 (۲) تحكيم العقل و رفض النصوص في دين الله، وقد قال الله تعالى ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (سورة النساء:58 )

(۳) ومن قال إنما البيع مثل الربا.

 (٤) الطواف بغير البيت كالأضرحة و الوقوف على غير عرفة بدل عرفة إلى غير ذلك من المخترعات التي لم يقم عليها دليل لها باعتبار جملتها ولا باعتبار تفصيلها فهي بدع حقيقية لا يصح التقرب بها إلى الله تعالى، ومن تقرب بها فقد تقرب إلى الله بما لم يشرع.

أما البدع الإضافية فهي التي بها تشابه بين شيئين أو إلى جهتين أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لإنها مُستندة إلى دليل، و بالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لإنها مستندة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء، و الفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، و من جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة، ومن أمثالها:

  1. الصلاة في الأوقات المكروهة فإنها و إن شرعت باعتبار أصلها أي الصلاة فهي غير مشروعة باعتبار ما عرض لها من التشبه بصلاة عباد الشمس.

(۲) كذلك الصوم في الأيام المنهية.

3)) الصلاة مع الالتفاف، فهي مشروعة باعتبار أصلها غير مشروعة باعتبار ما عرض لهما.

 (٤) التأذين للعيدين أو للكسوف، فإن الأذان من حيث هو قربة و باعتبار كونه للعيدين وللكسوف بدعة. (٥) الاستغفار عقب الصلاة على هيئة الاجتماع و رفع الصوت و اجتماع المستغفرين بدعة.

(6) الصلاة والسلام على النبي- صلى الله عليه وسلم- عقب الأذان مع رفع الصوت بهما و جعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان، فالصلاة والسلام مشروعات باعتبار ذاتهما، و لكنهما بدعة باعتبار ما عرض لها من الجهر و جعلهما بمنزلة ألفاط الأذان.

فإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبوي على هذه الأصول الثلاثة لوجدنا أن هدف المحتفلين هو التعبد والتقرب إلى الله بالبركة، أي من الأمور التعبدية و لما سبق في الأصل الثاني أن الأمور التعبدية الأصل فيها التحريم و الحمد لله قد اتفق جميع الإخوان أن لا أصل لها في الكتاب والسنن، و  بالتالي فهي ليست سنة حسنة كما جاء في الأصل الأول؛ لأن السنة الحسنة يجب أن تكون مشروعة، و أما كونها أي المولد النبوي يشتمل على الصدقات وجمع الناس للطعام لا يجعلها مشروعة لأن إطعام الطعام إنما شرع في العيدين و أيام التشريق وكذلك في شهر رمضان فإنها من سنن الإسلام، وأما اتخاذ موسم غير هذه المواسم الشرعية فليس من السنة وهو بدعة إضافية، و كذا ما اشتملت عليه من قراءة القرآن فإنه و إن كان من أعظم القرب و فيها البركة العظيمة، لكن إذا فعل ذلك بشرط لائق به على الوجه الشرعي لا بنية المولد.

ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب ومع ذلك لو فعلها إنسان في غير الوقت الشرعي لها لكان مذمومًا. وهذه الموالد التي قامت في عصر الفاطميين، و الباقي أثرها إلى الآن في القاهرة بصورة واضحة فيها كثير من المفاسد المحرمة و المكروهة، فضلًا عن أنها بدعة إضافية، فمن المحرمات إضاعة الأموال بكثرة الوقود في المساجد و الطرق، و إيقاد الشموع والسرج في الأضرحة، وإضاعة المال كذلك في شراء حلويات المولد، و هذه الحلويات عبارة عن تماثيل من الحلوى توضع في البيوت قبل المولد و تأكل بعدها، و للأسف رأيت هذه التماثيل تباع في الكويت.

ومنها كذلك انتهاك حُرمة المساجد بتقذيرها، و كثرة اللغط فيها، و دخول الأطفال حفاة أو بالنعال، فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر في مسجد يعمل فيه مولد، و فيها خروج النساء مُتبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حدٍ لا يؤمن فيه وقوع الفاحشة، و فيها استعمال الأغاني و آلات الطرب على الوجه المحرم بالإجماع وغير ذلك مما يفسد أخلاق الأمة و يبعث في نفوس الشباب روح العشق والميل إلى الفجور، ومنها قراءة القرآن على غير الوجه المشروع، فيرجعون فيه كترجيع الغناء غير مراعين فيه ما يجب مع ما فيه من تعريض كتاب الله للإهانة وعدم الاحترام، بل إن بعض المُقرئين لا يترددون في تناول بعض المخدرات لتطريب السامعين، مما يجعلهم بين أية و أخرى يرددون «الله يا شیخ یا سلام» و كأنهم يسمعون مطربة، وهذا ينافي ما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه حيث قال ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة المائدة:83) وكذلك منها شرب الدخان في هذه المجالس.

وكل هذه الأمور قد رأيتها في القاهرة ولم يقل لي أحد عنها، فهؤلاء أخ يا يوسف أحفاد من أحدثوا هذه البدعة يعملون هذه المحرمات أفأنت تقرهم عليها:

و إن قلت إننا لا نفعل ذلك بل نقرأ القرآن ونطعم الطعام ونتذكر الرسول ونشكر الله على نعمة الإسلام أقول لك يا أخي ارجع إلى الأصل الثاني فترى أنها بدعة إضافية وما يدريك في الجيل القادم أن يطور هذا الاحتفال و يُصبح مثل ما يعمل الآن في القاهرة فتُصبح أنت مسؤولًا أمام الله عن إحيائك لهذه البدعة.

الرابط المختصر :