العنوان الموهبة في العمل الجماعي بين.. مكاسب الجماعة وفتنة الأفراد.. رؤية شرعية (١-٢)
الكاتب حامد محمد إدريس
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2012
مشاهدات 49
نشر في العدد 2008
نشر في الصفحة 44
السبت 23-يونيو-2012
«الموهبة»، هي ما يتمتع به الإنسان من استعداد فطري يجعله قادراً على اكتساب قدرات فنية وعلمية وقيادية وحركية
كان رسول الله ﷺ يشجع المواهب الفردية و«ينميها»
تظهر أهمية المواهب، الفردية في أنها تتركز في دعم المؤسسة ونموها أفرادا وإمكانات وخبرات
"ليس لأي شخص قدرة على إظهار "موهبته" وتنميتها إلا في محيط الجماعة التي تمنحه تحفيزاً وتسهيلاً مادياً أو معنوياً."
الإسلام يدعو إلى تألف الأفراد في صف واحد متعاون خدمة للمجتمع وبناء الدولة المعروف، وهذا لدولة المنكر، ويجعل في هذا الصف البركة التي تنمي مواهب الأفراد وتصقلها حتى تتحول إلى مهن مثمرة الصالح العمل الجماعي القاصد الذي يحقق مقاصد الدين، ويلبي حاجة المواطنين من أمن واستقرار ومعيشة سعيدة. ويطلب من الجماعة رعاية الأفراد وتأهيلهم وتربيتهم حتى لا تكون مواهبهم فتنة عليهم تبعدهم عن الجماعة وبركتها، وتعظم في نظرهم أنشطتهم وجهودهم الفردية المحدودة خدمية كانت أم سياسية.
وفي هذا المقال أجتهد في معالجة هذه المسالة من الناحية الشرعية، داعياً الأفراد الموهوبين إلى الوفاء بعهودهم وواجباتهم تجاه الجماعة، والاعتراف بفضلها بعد فضل الله تعالى، كما أدعو الجماعة أن تجتهد لمنح الموهوبين فرصاً واسعة لإرضاء طموحهم حركة وإبداعا.
تعريف الموهبة
الموهبة لغة من الهبة ومعناها العطية وتجمع على مواهب وهي في الأصل عطية من الله تعالى للإنسان لا تظهر حقيقتها ولا أثرها الإيجابي إلا بالكسب الإضافي.. والمراد بها اصطلاحاً ما يتمتع به الإنسان من استعداد فطري يجعله قادرا على اكتساب قدرات فنية وعلمية وقيادية وحركية، عقلية أو عضوية، تتنامى بالتعليم والدرية والترويض إلى درجة يتفوق بها على أقرانه من أفراد الجماعة.
وقد يتجمع في الشخص الواحد عدد من المواهب، وقد ينفرد الشخص في الجماعة بموهبة وغيره بمواهب أخرى، فتصبح الجماعة مليئة بمواهب عديدة وبقدر تعددها وتنوعها في أعضائها يكون لها تأثير إيجابي في تحقيق أهداف الجماعة وفي بنائها الداخلي ولاء وتماسكاً وتعاوناً وتناميا وتمر الموهبة بالدرية حتى تنضج لدى صاحبها فتتحول إلى مهنة منتجة، وهذه غايتها الأخيرة وثمرتها المرجوة.
أهمية الموهبة للجماعة
تظهر أهمية المواهب الفردية في أنها تسخر في دعم المؤسسة أو الجماعة، ونموه «الموهوب» فراداً وإمكانات وخبرات، وفي حمايته من اعتداء الآخرين عليه، وإن التنظيم الذي يحرم أعضاؤه من المواهب تنظيم قابل للفناء والاضمحلال، بخلاف التنظيم الآخر الذي يجد في صفه شعراء وأطباء وحكماء وخطباء ورياضيين ومحاورين وقانونيين ومفكرين وفقهاء... فإن هذه المهن مدعومة بمواهب منمَّاة تجعل من التنظيم جسماً متكاملاً، محمياً، قادراً على النمو الدائم في العضوية والقدرات، وقادراً على حماية نفسه من الاستهداف، وقادراً على إدارة المجتمع وتنمية الوطن.
دور الجماعة في تنمية المواهب
ليس لأي موهوب قدرة على ظهور موهبته وتنميتها إلا في محيط الجماعة التي تمنحه تحفيزاً وتسهيلاً مادياً أو معنويا، فالشاعر مثلا لا يظهر إبداعه إلا عندما يجد من الجماعة إعجابا وتحفيزا وهي لا تمنع التحفيز والإعجاب إلا إذا كان ترجماناً لمشاعرها وخادماً لمصلحتها. وكذلك الشأن في كل المواهب التي تثمر في نهاية المطاف مهنا ذات نفع وعبر الجماعة «التنظيم» يعرف أصحاب المواهب، ويروج لهم وتزكى شخصياتهم إلى المجتمع وإلى جهات الإحسان ويسوق لهم لدى ميادين العلاقة الداعمة رجاء أن يكونوا جلاب خير للتنظيم لا لأنفسهم وقد ذم الإسلام من يغلل منهم.
ومن التحفيز للموهبة الإعجاب بها وبحامليها والإشادة بها والإقبال عليها الجذابة ورضى وقد يكون تأثير التنظيم على الموهبة والموهوب بتكريم مادي أو معنوي، وقد يتجسد على صورة أتباع معجبين و مقتدين وقد يترجم هذا الإعجاب إلى عمل مادي من جهاد أو دعوة أو ثبات في البلاء أو بذل للمعروف... كل ذلك يجعل المواهب تتفاعل وتتنامى في التنظيم «الجماعة» وتتنوع بسبب العوامل المحفزة في التنظيم... وقد يكون للتنظيم برامج وإمكانات ترعى المواهب والموهوبين بهدف تنمية مواهبهم واستثمار طاقاتهم الإبداعية لصالح العمل التنظيمي، وهذه الرعاية تأخذ أشكالاً مختلفة كان يتلقى الموهوب متحاً دراسية، أو دعما بالأدوات المعينة أو إيواء في داخليات خاصة بتلقى فيها الرعاية المناسبة استقراراً وإرشادا وتدريباً وتنظيما، وهي أرقى صورة الدور التنظيم في تنمية المواهب وهي الإمكانات التي وفرتها الحركة الإسلامية لأفرادها بما لديها من علاقات وبما تيسر لها من إمكانات، وبما تمتلكه من قدرات إدارية وتنظيمية وفكرية.
والمواهب التي لا يقف العمل التنظيمي مؤازرا لها ومحفزا قد تموت في ضمير صاحبها فلا ترى النور، ولهذا يقع الفضل الأكبر – بعد الله تعالى – على العمل الجماعي الذي يساعد على بروز وتنمية مواهب الأفراد وبهذا الخصوص تعرف خطباء وشعراء كانوا مغمورين في مناطق محددة، وقد ذاع صيتهم بعد انضمامهم في العمل الجماعي الإسلامي
شرعية صقل الموهبة
إن من بدهيات العمل التنظيمي أن يضم أفراداً يوالي بعضهم بعضاً أداء المصالح دينية أو دنيوية ويرتبط بعضهم ببعض بإدارة تقودهم وفق قوانين تحدد لهم الأهداف والوسائل والواجبات والحقوق وللمواهب التي يتمتع بها أفراد هذا التنظيم دور مهم في تحقيق تلك الأهداف وليست هذه المواهب إلا ثمرة من ثمرات الجماعة التي تصقل الموهبة حتى تؤهل – منعاً أو عرضاً – الشخص الموهوب ليكون قدوة لغيره في مجال مواهبه، وهذا رسول الله يتمنع صف جماعته بمواهب كثيرة غرستها الجماعة ورعتها وصفاتها حتى نضجت فتحولت إلى مهن منتجة وقائدة، فسيف الله المسلول خالد بن الوليد موهبة قتالية هذه تتوجه إلى حماية الجماعة ومقارعة الأعداء وموهبة الرمي بالنبال تجد توجيه
القيادة النبوية من باب العناية بها وصقلها وتسخيرها لخدمة الجماعة، كما يشهد له الحديث الصحيح: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً. ارموا وأنا مع بني فلان". فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ: "ما لكم لا ترمون؟" قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبي ﷺ: "ارموا فأنا معكم كلكم. « رواه البخاري». .
وهذا حسان بن ثابت يجد التعزيز القوي الذي ينمي موهبة الشعر فيه فقال :« اهجهم أو هَاجِهِمْ وَرُوحُ القَدسِ مَعَكَ»« رَوَاهُ البخاري»
وهناك تقرير واضح من رسول الله ﷺ يفيد أن في كثير من الصحابة مواهب تميزهم عن بعضهم مسخرة لخدمة الجماعة وبناء الأمة، فمن أنس بن مالك من قال: قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي ولكل امة امين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح «قال الألباني في السلسلة الصحيحة: إنه صحيح»، وكان من بين جنوده من جعلت الموهبة المصقولة منه ذا مهنة نافعة للجماعة فهذا خطيب مفوه، وهذا طبيب بارع، وهذا سياسي محاور، وابن عباس حبر الأمة وسيفها المسلول خالد بن الوليد ومن قضاتها معاذ بن جبل ومن أشهر سفرائها مصعب بن عمير، ومن شعرائها حسان وابن رواحة، ومن كتابها الخلفاء الأربعة وهم من أشهر قادتها الإداريين المقتدرين، وكلهم كانوا أمة واحدة بعين بعضهم بعضا في بناء دولة المعروف وهدم دولة المنكر، ولم تكن هذه المواهب التي كان يتمتع بها الصحابة رضي الله عنهم سببا لتعالي بعضهم على بعض ولا لتفور بعضهم عن صف الجماعة. ولا كانت دافعة لهم لتأسيس كيانات ذات نفع خاص محدود ولا كانت مبرراً لتعالي الموهوب على الجماعة، فمن قدوة هذا الذي يتتبع خضراء الدمن يوالي من أجلها ويعادي. مسخراً ما أوتي من مواهب " هي أصلا من بركات الجماعة – ومكتسبات هذه المواهب لصالحها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل