; الناتو حطم الصرب وكسب نقطة عند المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الناتو حطم الصرب وكسب نقطة عند المسلمين

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999

مشاهدات 69

نشر في العدد 1345

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 13-أبريل-1999

قبل بدء أمريكا وحلف الناتو في توجيه ضربات جوية مدمرة للمنشآت الصربية، كانت هناك اتهامات توجه للغرب باتباع سياسة المعايير المزدوجة، وأنهم لا يضربون سوى الدول العربية والإسلامية«السودان- العراق- ليبيا-أفغانستان». ولذلك لم يختلف أحد على أهمية قيام الناتو بتوجيه صواريخه وطائراته صوب بلجراد لتحطيم الآلة العسكرية لجزار الصرب، برغم العلم المسبق أن الغرب يرفض رفضًا باتًا السماح لمسلمي كوسوفا بالاستقلال وإقامة دولة مستقلة، وأنه ضغط على وفد مسلمي كوسوفا في محادثات رامبوييه لتوقيع اتفاق السلام.

إلا أن تدخل الناتو وما نتج عنه من تسريع لعملية الإبادة الجماعية لأهالي كوسوفا ومحوهم - تاريخهم ووثائق ملكيتهم وهوياتهم- من الوجود، طرح تساؤلات حول دوافع الضربة الأمريكية- الأطلسية الحقيقية، والنتائج المتوقعة على صعيد مستقبل كوسوفا، وكذلك بالنسبة للأزمات الأخرى المماثلة.

حدد الناتو هدفه من وراء ضرب يوغسلافيا أنه يستهدف حماية الأقلية الألبانية المسلمة، وبالتالي وضع حد لسياسة التطهير العرقي، واشترط لوقف الغارات وقف البرابرة الصرب عمليات ذبح وطرد المسلمين من كوسوفا وقبولهم خطة السلام التي سوف تسمح لهم باستمرار السيطرة على كوسوفا، مع إعطاء أهلها حكمًا ذاتيًّا يديرون حياتهم بموجبه.

لكن نتائج الضربة جاءت عكسية واستغلها الصرب –عمليًّا- في تسريع خططهم ليس فقط للقضاء على جيش تحرير كوسوفا، وإنما لتفريغ كوسوفا من الأغلبية المسلمة بالقتل والطرد والتشريد وخلق واقع ديموجرافي جديد، وهندسة عرقية  - بإحلال الصرب محل المسلمين- تجعل حتى إجراء استفتاء مستقبلي لاستقلال كوسوفا ليس لصالح المسلمين، وهو ما اعترف به قادة الناتو العسكريون. فمن أصل مليوني مسلم أو أكثر، هناك مليون منهم شردوا في دول الجوار خاصة ألبانيا ومقدونيا، وشارك الأطلسي في بعثرتهم في أنحاء العالم، سواء إنشاء ملاذات آمنة لهم في العراء على الحدود أو توزيعهم على الدول الأوروبية. «واشنطن طلبت 100 ألف منهم وبعض الدول الغربية»، والباقون محاصرون في كوسوفا ويتعرضون لأبشع المذابح التي لا تقل جرمًا عن مذابح البوسنة التي قتل فيها منهم 100 ألف في مذبحة واحدة في سربيرنتشا.

وبرغم تأكيدات الخبراء العسكريين العرب والأجانب أن سياسة القصف لن تنجح في وقف الإبادة الجماعية للمسلمين، خاصة أن موجات الهجوم الأولى ركزت على كوسوفا ذاتها وليس بلجراد العقل المحرك للمذابح - ما لم يتبعها تدخل بري، فهناك رفض أمريكي وأوروبي لفكرة التدخل البري، ليس فقط لعدم استعدادهم للتضحية بمئات الجنود الأمريكيين والأوروبيين على أرض يدرك الصرب خباياها وجحورها، وإنما لأن سيناريو التدخل افترض إذعان الصرب بعد الضربات

الجوية، وقدرة الناتو على فرض السلام بين المجموعات العرقية والدينية المتنافرة في يوغسلافيا، برغم أن تجربة البوسنة فشلت، ولم تتصالح الأطراف المسلمة والصربية والكرواتية برغم مرور ثلاث سنوات على السلام.

بل إن هناك خبراء إستراتيجيين يستبعدون إذعان الصرب حتى بعد تصعيد الناتو قصفه للأهداف الصربية، على اعتبار أن حرب كوسوفا تأخذ الطابع الديني والثأر الصربي التاريخي من المسلمين، ففي كوسوفا كانت هزيمة ملك الصرب دوتشان عام ۱۳۸۹م على أيدي دولة الخلافة العثمانية، وفيها وعلى أرضها دارت عشرات

المعارك بين المسلمين والأرثوذكس، والصرب – كما قال الجزار ميلسوفيتش - يعتبرون المعركة الدائرة حاليًّا «جولة ثانية يردون فيها اعتبارهم بعد خسارة معركتهم التاريخية عام ۱۳۸۹ أمام الأتراك».

 وحتى لو تدخل الناتو عسكريًّا على الأرض.

فسوف تبيد المعارك ما تبقى من السكان. أما مبعث التناقض في الموقف الأمريكي

والأوروبي - فهو رفض الغرب تمامًا لإقامة دولة منفصلة في كوسوفا، وحرصه أكثر من الصرب- على بقاء كوسوفا تحت سيطرة الصرب أو حتى تحت سيطرة الأطلسي، كما هو الحال بالنسبة للبوسنة.

النتائج المتوقعة

ولذلك قد يضطر الأطلسي في نهاية المطاف لوقف الأعمال الحربية، خاصة مع تزايد الاعتراضات داخل بعض دول حلف الناتو مثل إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، والاكتفاء بتحقيق أهداف أخرى ضمن حساباته السياسية. إذ إن تدخل الناتو -لأول مرة- لصالح دولة إسلامية «برغم النتائج السلبية وزيادة الإبادة الجماعية»  يعني جني فوائد عديدة على صعيد العلاقة مع الدول العربية والإسلامية، بعدما اتهمته هذه الدول تحديدًا بالازدواجية في المعايير، والأهم أنه- في منظور كُتاب غربيين- قد يحد من احتمالات نمو ردود  أفعال إسلامية ضد المصالح الغربية خصوصًا في أوروبا، التي قام الناتو ببسط الأمن والاستقرار فيها.

 وقد لا يكون مصير مسلمي كوسوفا أفضل من مصير مسلمي البوسنة، الذين تشردوا خارج بلادهم ومدنهم، ولا يزال الغرب، بكل قوته- غير قادر على إعادتهم لقراهم التي استولى عليها الصرب برغم مرور أربع سنوات على توقيع اتفاق دايتون الذي نص على إعادتهم لقراهم. بل إن مشكلة هؤلاء أكثر إيلامًا، فقد أحرق البرابرة الصرب بيوتهم، وأحلوا الصرب مكانهم، كما أحرقوا هوياتهم ووثائق وأوراق الملكية والشخصية والزواج، وحولوا اللاجئين إلى أشخاص بلا هوية أو تاريخ يهيمون على وجوههم، وحرقوا أراضيهم ومحاصيلهم وقتلوا قادتهم وشيوخهم ودمروا مساجدهم ومدارسهم في إطار سياسة المحو الشامل لأي مظهر من مظاهر الوجود الإسلامي في كوسوفا.

وقد يضطر الأطلسي للتدخل في القسم الجنوبي «الفقير» من كوسوفا ناحية ألبانيا لإيواء هؤلاء المشردين الذين يضغطون على دول الجوار الأوروبية، ويترك الشمال «الغني» بثرواته المعدنية للصرب، وهو ما قال وزير خارجية روسيا إن بلاده لديها أدلة على سعي واشنطن إليه، وبدأ كلينتون بالفعل إرسال قواته وطائراته الهليكوبتر إلى ألبانيا استعدادًا له بعدما أعطى لها الضوء الأخضر لاصطياد الدبابات الصربية في هذا القسم الجنوبي من كوسوفا. إلا أن مسألة فصل كوسوفا عن صربيا شبه مستبعدة لسبب بسيط هو- كما يقول هنري كيسينجر وزير خارجية أمريكا السابق- إن استقلال كوسوفا يزيد الضغط على دول بلقانية الأخرى باتجاه التقسيم، فمثلاً، مقدونيا ثلث سكانها من المسلمين، والثلث الآخر من البلغار، وقد يطالبون بنفس ما طالب به إخوانهم في صربيا أو يطالبون –البلغار- الانضمام إلى بلغاريا وهكذا.

أما على صعيد الأزمات المماثلة لكوسوفا، مثل الأكراد في تركيا والعراق، والعرب في إسرائيل، وأنصار الدالاي لاما في التبت بالصين، والمسلمين في الشيشان أو القوقاز، فالموقف الأطلسي يعتمد معياري حماية مصالح الدول الأطلسية أولاً، وقوة هذه الشعوب في انتزاع حقوقها وإثارة القلاقل والتوترات التي تدفع الغرب للتحرك ثانيًّا. 

فلولا المقاومة في لبنان والعمليات الجهادية في فلسطين، لما تدخلت واشنطن لإنقاذ الصهاينة -عبر صيغ مختلفة- من أيدي المجاهدين والبحث عن مخارج «مثل أوسلو» لإنهاء التوتر، ولولا مصالح الغرب مع الصين، لما بقي أهالي التبت مضطهدين، ولولا انضمام تركيا للناتو لسعت واشنطن للمطالبة بحق أكراد تركيا في دولة مستقلة، كما تسعى لتنفيذه حاليًّا في العراق، تمامًا كما تدخلت في كوسوفا ليس حبًا في المسلمين، وإنما لتحطيم يوغسلافيا.

الرابط المختصر :